وطن-كشف وثائقي «نازا»، الذي أخرجه الصحفيان وصانعا الأفلام الإسرائيليان يوڤال أبراهام وراشيل سور وأنتجته صحيفة «الغارديان» البريطانية، عن شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية بشأن استخدام أنظمة مراقبة واستهداف خلال الحرب على قطاع غزة، وسط اتهامات بأن هذه الآليات أسهمت في مقتل أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين.
ويستند الفيلم إلى مقابلات مع 24 جندياً وضابطاً إسرائيلياً مجهولي الهوية، تحدثوا عن أنظمة استخباراتية وتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية، وعن قرارات اتُّخذت رغم توقع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. وقد أثارت الشهادات جدلاً واسعاً، فيما رفض الجيش الإسرائيلي اتهامات وردت في الفيلم وشكك في دقة بعض رواياته.
شهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
يعرض «نازا» روايات أشخاص قالوا إنهم عملوا داخل المنظومة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية أو كانوا مطلعين على آليات عملها خلال الحرب على غزة. وتتناول الشهادات كيفية جمع المعلومات وتحليلها واستخدامها في تحديد الأهداف، إلى جانب حجم الخسائر المدنية التي كان يمكن توقعها قبل تنفيذ بعض الضربات.
وبحسب صحيفة «الغارديان»، يضم الفيلم شهادات عن استخدام أنظمة مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وعن قرارات عسكرية أُقرت مع توقع سقوط ضحايا مدنيين. ويشير أحد المشاركين إلى أن ضربة نوقشت رغم توقع احتمال مقتل ما يصل إلى 500 مدني، وهي رواية نفى الجيش الإسرائيلي الموافقة على هدف بهذه المواصفات.
ويحاول الفيلم، وفق صانعيه، تجاوز التركيز على حوادث منفردة، للبحث في السياسات والإجراءات واللغة المستخدمة داخل المنظومة العسكرية، وكيف يمكن لهذه العوامل أن تجعل قتل المدنيين نتيجة متوقعة للقرارات العسكرية، لا مجرد نتيجة عرضية غير محسوبة.
ما دلالة اسم «نازا»؟
يحمل عنوان الفيلم دلالة مرتبطة بالمصطلحات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية المستخدمة لتقدير الخسائر المدنية المتوقعة أثناء الهجمات. وتقول التقارير التي تناولت الوثائقي إن المصطلح يشير إلى عدد المدنيين الذين يُتوقع مقتلهم في ضربة جوية، في إطار لغة تقنية قد تحوّل الخسائر البشرية إلى أرقام ضمن عملية اتخاذ القرار.
وتكمن أهمية هذه النقطة في السؤال الأخلاقي والقانوني الذي يطرحه الفيلم: كيف تُقيّم القرارات العسكرية عندما تكون الخسائر المدنية الكبيرة معروفة أو متوقعة مسبقاً؟ وما حدود المسؤولية عندما يُسمح بتنفيذ هجمات رغم هذه التقديرات؟
ولا يكفي ورود شهادة داخل فيلم وثائقي، بمفردها، لحسم المسؤولية الجنائية في واقعة بعينها؛ إذ يتطلب ذلك فحص الأدلة والوثائق والسياق العملياتي، وتحديد طبيعة الهدف والاحتياطات المتخذة ومدى التناسب وفق القانون الدولي الإنساني.
وحدة استخباراتية مرتبطة بمكتب نتنياهو
تتناول الشهادات أيضاً عمل وحدة استخباراتية سرية قال مشاركون إنها كانت ترتبط مباشرة بمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ووفق تقرير نشرته «الغارديان»، تحدث بعض المشاركين عن دور الوحدة في متابعة التطورات السياسية والأمنية، وعن أهداف تتجاوز إدارة العمليات العسكرية اليومية.
وتنسب التغطية إلى أحد المشاركين وصف الوحدة بأنها تعمل على مستوى أعلى من أقسام أخرى، فيما تحدث مشاركون عن رغبتهم في التأثير في المسار السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية.
لكن هذه الشهادات تظل روايات منسوبة إلى مصادر مجهولة الهوية، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس، مع التمييز بين ما يرويه المشاركون وما يمكن إثباته بصورة مستقلة من وثائق أو تحقيقات أخرى.
نتنياهو يطالب بالكشف عن هويات المشاركين
وأثار عرض الفيلم رد فعل غاضباً داخل الحكومة الإسرائيلية. ففي 12 أكتوبر 2026، ذكرت «الغارديان» أن نتنياهو طلب من المستشارة القضائية للحكومة ورئيس أركان الجيش ورئيس جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» العمل على كشف هويات الجنود والضباط الذين ظهروا في الوثائقي، وفتح تحقيقات وملاحقات محتملة بحقهم.
وبرر نتنياهو طلبه باتهامات تتعلق بالإضرار بالمصالح الأمنية والدبلوماسية الإسرائيلية، وبما وصفه بالتشهير بالجيش والدولة. كما واجه مخرجا الفيلم، يوڤال أبراهام وراشيل سور، تهديدات من مسؤولين إسرائيليين بشأن جنسيتهما، وسط اتهامات لهما بالخيانة.
في المقابل، دافعت «الغارديان» عن الفيلم ومصادره، وقالت إن الشهادات جاءت ضمن عمل صحفي استقصائي استند إلى عملية تحقق شملت وثائق مسرّبة ومراجعة تفاصيل ضربات محددة ومعلومات من مصادر أخرى.
الجيش الإسرائيلي يرفض الاتهامات
رفضت القيادة العسكرية الإسرائيلية ما ورد في الوثائقي، ووصفت الاتهامات بأنها تتضمن معلومات مضللة وتشويهاً للواقع. كما قال الجيش إن أي ملاحقة جنائية للمشاركين تتطلب أدلة على ارتكاب مخالفات أمنية أو إفشاء معلومات سرية.
ويضع هذا التباين بين شهادات المشاركين ورد الجيش مصداقية الروايات والأدلة التي يستند إليها الفيلم في صلب الجدل. وتؤكد أهمية التحقق المستقل من الوقائع ضرورة فحص كل ادعاء على حدة، بدلاً من التعامل مع جميع الشهادات باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية.
«نازا» يفتح نقاشاً حول المساءلة عن الحرب على غزة
حظي الفيلم باهتمام في الأوساط السينمائية والإعلامية بعد عرضه في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. كما أثار ردود فعل متباينة بين من اعتبره محاولة لكشف آليات اتخاذ القرار العسكري، ومن رفض الاتهامات التي تضمنها بحق الجيش الإسرائيلي.
وتتجاوز أهمية الوثائقي الجدل السينمائي، إذ يطرح أسئلة عن استخدام تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي في الحروب، وحدود المسؤولية عن الخسائر المدنية المتوقعة، وحق الصحفيين في حماية مصادرهم عندما يتعلق الأمر بكشف معلومات ذات مصلحة عامة.
وفي ظل استمرار المسارات القانونية الدولية المرتبطة بالحرب على غزة، يضيف الفيلم شهادات جديدة إلى النقاش بشأن القرارات العسكرية وآثارها على المدنيين. غير أن تحديد المسؤوليات القانونية عن جرائم الحرب يتطلب أدلة قابلة للفحص وإجراءات قضائية مستقلة، ولا يُحسم بمجرد عرض الروايات في عمل وثائقي.
اقرأ المزيد
إسرائيل تروّج لوثائقي يحاكي «نازا» لعرض روايتها عن حرب غزة وما يُوصف بالإبادة الجماعية
“لأنهم وثقوا قتل المدنيين”.. غضب سياسي في إسرائيل ومطالبات بتجريد مخرجي فيلم “نازا” من جنسيتهما!
سفارتا إسرائيل في واشنطن ولندن تروجان لوثائقي مضاد لمواجهة اتهامات الإبادة الجماعية في غزة

