وطن-في الممرات، والمتاحف، وأماكن العمل، وحتى أثناء التنزه في الحدائق، قد يلفت انتباهك شخص يسير ويداه معقودتان خلف ظهره. تبدو الحركة بسيطة وعفوية، لكنها كثيرًا ما ترتبط في أذهان الناس بالوقار أو الثقة بالنفس أو التأمل. لكن هل تعكس هذه الوضعية فعلًا شخصية الإنسان، أم أن معناها أكثر تعقيدًا مما يبدو؟
تشير دراسات في علم النفس والتواصل غير اللفظي إلى أن المشي واليدان خلف الظهر قد يمنح انطباعًا بالهدوء أو الثقة أو التفكير العميق، لكنه لا يصلح وحده للحكم على شخصية الإنسان أو حالته النفسية. فالسياق، ووضعية الجسم كاملة، والحالة الصحية، والثقافة، جميعها عوامل تؤثر في تفسير هذه الحركة.
وبحسب ما أوردته مجلة “توب سانتي” الفرنسية، فإن هذه الوضعية قد تعكس أحيانًا شعورًا بالسيطرة أو الميل إلى التأمل، لكنها ليست دليلًا قاطعًا على الثقة أو القوة، إذ تختلف دلالتها باختلاف الظروف التي تظهر فيها.
لماذا تجذب هذه الوضعية الانتباه؟
يرى متخصصون في لغة الجسد والتواصل غير اللفظي أن وضع اليدين خلف الظهر يجعل الصدر أكثر انفتاحًا، ويمنح الجزء العلوي من الجسم حضورًا أوضح، وهو ما قد يخلق انطباعًا بالقوة أو الثقة أو الهدوء.
وأشارت مجلة “توب سانتي” الفرنسية إلى دراسة نشرتها عام 2016 وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أوضحت أن الوضعيات الجسدية المفتوحة قد تجعل الشخص يبدو أكثر جاذبية في بعض المواقف الاجتماعية، لأن الآخرين يربطونها غالبًا بالثقة والانفتاح.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن كل من يسير بهذه الطريقة يتمتع بالثقة نفسها، فشكل الكتفين، ووضعية الرأس، وتعابير الوجه، وسرعة الحركة، قد تغير معنى الوضعية بالكامل.
الثقة بالنفس أم التفكير الهادئ؟
في كثير من الأحيان، تُفسَّر هذه المشية على أنها علامة على الثقة بالنفس، خاصة عندما يكون الشخص مستقيم القامة، هادئ الحركة، وينظر أمامه بثبات.
وتشير أبحاث تناولتها المجلة الفرنسية إلى أن الوضعيات الجسدية المفتوحة ارتبطت في بعض الدراسات بالشعور بالقوة أو المكانة الاجتماعية، لكنها لا تعني بالضرورة أن الشخص يشعر فعلًا بهذه القوة.
وفي المقابل، يربط كثيرون هذه الوضعية بالتأمل والتفكير. فكثير من الأساتذة، أو الباحثين، أو الأشخاص الذين يرتبون أفكارهم أثناء المشي، يفضلون وضع اليدين خلف الظهر دون أن يكون الهدف إظهار الثقة أو السلطة.
العادة والعمر قد يكونان السبب
ليست كل دلالة نفسية. فبعض الأشخاص، خصوصًا كبار السن، اعتادوا المشي بهذه الطريقة لأنها تمنحهم شعورًا بالراحة أو الاستقرار أثناء السير. كما أوضحت دراسات في علم الحركة الحيوية أن وضع اليدين خلف الظهر يتطلب وضعية معينة للكتفين قد تكون مريحة لبعض الأشخاص وغير مريحة لآخرين، ما يعني أن الحركة قد تكون مجرد عادة جسدية لا تحمل أي رسالة نفسية.
هل تكشف هذه الحركة شخصية الإنسان؟
يتفق الباحثون في علم النفس الاجتماعي على أن وضعية الجسم تؤثر بصورة أكبر في الانطباع الذي يأخذه الآخرون عن الشخص، أكثر من كونها تكشف شخصيته الحقيقية.
هذا وتوضح مجلة “توب سانتي” الفرنسية أن تفسير لغة الجسد يجب ألا يعتمد على حركة واحدة فقط، بل على مجموعة من المؤشرات، مثل:
- تعابير الوجه.
- نبرة الصوت.
- سرعة المشي.
- وضعية الرأس والكتفين.
- طبيعة الموقف.
- الحالة الصحية للشخص.
لذلك، فإن اعتبار المشي واليدان خلف الظهر دليلًا مؤكدًا على الثقة أو الذكاء أو السلطة يعد تبسيطًا لا تدعمه الأدلة العلمية.
كيف يمكن تفسير هذه الوضعية بشكل صحيح؟
لفهم معنى هذه الحركة بصورة أقرب إلى الدقة، ينبغي النظر إلى السياق الذي تحدث فيه. فالمشي داخل متحف أثناء التأمل في لوحة فنية يختلف عن المشي في مقر عمل أو أثناء اجتماع رسمي أو في موقف يسبب التوتر.
كما أن سرعة الخطوات تلعب دورًا مهمًا؛ فالمشي الهادئ المنتظم قد يوحي بالتأمل أو الراحة، بينما قد تشير الخطوات السريعة مع شد الكتفين إلى الضغط أو القلق. ويؤكد خبراء لغة الجسد أن قراءة الحركة بمعزل عن بقية الإشارات قد تؤدي إلى استنتاجات خاطئة.
هل لهذه الوضعية تأثير صحي؟
من الناحية الصحية، يعتمد المشي الطبيعي على حركة الذراعين بحرية إلى جانبي الجسم، لأن ذلك يساعد في تحقيق التوازن وتوزيع الجهد أثناء السير.
وتشير إرشادات مؤسسة كايزر بيرماننت إلى أن تقييد حركة الذراعين لفترات طويلة قد يزيد الضغط على الرقبة أو الكتفين لدى بعض الأشخاص، خاصة إذا كانوا يعانون مشكلات في المفاصل أو العمود الفقري.
لذلك، لا ينصح بالمشي بهذه الوضعية لفترات طويلة إذا كانت تسبب ألمًا أو تيبسًا، بل ينبغي اعتمادها فقط عندما تكون مريحة، مع مراجعة الطبيب عند استمرار الانزعاج أو الألم.
المشي واليدان خلف الظهر ليس علامة مؤكدة على الثقة بالنفس أو القوة أو التفكير العميق، كما يعتقد كثيرون. فهذه الوضعية قد تعكس الهدوء أو التأمل أو الراحة الجسدية، وقد تكون مجرد عادة اكتسبها الشخص مع مرور الوقت.
وتؤكد الدراسات الحديثة في علم النفس ولغة الجسد أن تفسير أي حركة يجب أن يعتمد على السياق الكامل، لا على إشارة واحدة منفصلة، لأن الشخصية والسلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من أن تختصرهما وضعية واحدة أثناء المشي.
قد يعجبك
تأثير دانينغ-كروغر: لماذا يثق الجاهل بنفسه بينما يشك الخبير في قدراته؟
الإفراط في قول “شكراً” ليس دائماً علامة على اللطف.. ماذا يقول علم النفس؟
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟
لماذا يساعد بعض الأشخاص النادل في ترتيب الطاولة؟ علم النفس يفسّر هذا السلوك اليومي

