وطن-تتجه الأنظار في مدينة لايبزيغ الألمانية إلى واحدة من أكبر العائلات السورية التي وضعتها السلطات ضمن ما يعرف بـ**«بيئة العشائر»**، في قضية تعيد إلى الواجهة الجدل حول الجريمة المنظمة والهجرة واستغلال أنظمة المساعدات الاجتماعية في ألمانيا.
وبحسب معطيات مكتب الشرطة الجنائية في ولاية ساكسونيا، تضم هذه البيئة ما بين 700 و1000 شخص موزعين على أربع عائلات سورية كبيرة، فيما يظهر نحو 130 شخصاً منهم في السجلات الشرطية على خلفية جرائم.
عائلة سورية تتجاوز 60 شخصاً
وتبرز بين هذه العائلات حالة رجل سوري تصفه السلطات بأنه أحد الشخصيات المؤثرة داخل إحدى هذه البنى العائلية. ووفق المعطيات المنشورة، فإن الرجل متزوج من ثلاث نساء على الأقل وفق أحكام الزواج الإسلامي، وله 32 ابناً على الأقل، إضافة إلى نحو 25 حفيداً معروفين لدى السلطات في ولاية ساكسونيا. وبذلك يتجاوز عدد أفراد أسرته المباشرة 60 شخصاً.
وتشير البيانات الشرطية إلى أن نحو 70% من أفراد هذه النواة العائلية ظهروا في ملفات جنائية، وبعضهم أكثر من مرة، فيما تشمل الجرائم المسجلة اتهامات بالعنف والاتجار بالمخدرات وغسل الأموال والاتجار بالبشر والإصابات والسرقة والاحتيال المرتبط بالمساعدات. لكن من المهم التأكيد أن ظهور شخص في ملف شرطي أو خضوعه للتحقيق لا يعني بالضرورة صدور حكم قضائي نهائي بحقه.
هل تحصل العائلة فعلاً على 100 ألف يورو؟
أكثر الأرقام إثارة للجدل في القضية هو الحديث عن إمكانية حصول الأسرة على نحو 100 ألف يورو سنوياً من إعانات الأطفال. لكن هذا الرقم يحتاج إلى توضيح دقيق.
فهو ليس، بحسب المعطيات المتاحة، مبلغاً أثبتت السلطات أنه دُفع فعلياً للعائلة، وإنما يمثل حساباً نظرياً يستند إلى قيمة إعانة الأطفال الألمانية. وتبلغ الإعانة في عام 2026 نحو 259 يورو شهرياً لكل طفل مستحق. وبحساب 32 طفلاً، تصبح المعادلة: 32 × 259 يورو × 12 شهراً = 99,456 يورو سنوياً. أي ما يقارب 100 ألف يورو.
لكن هذه النتيجة تفترض أن الأطفال الـ32 جميعهم مستحقون للإعانة في الوقت نفسه، وهو أمر لا يمكن افتراضه تلقائياً. فالاستحقاق يرتبط بعمر الطفل ووضعه القانوني والإقامة وشروط أخرى، ولذلك لا يمكن تحويل الحساب النظري إلى دليل على أن الأسرة حصلت بالفعل على 100 ألف يورو.
المساعدات الاجتماعية تحت المجهر
ولا يتوقف الملف عند إعانات الأطفال. فالسلطات الألمانية تبحث أيضاً في احتمال استغلال أنظمة المساعدات الاجتماعية، من بينها إعانات المعيشة الأساسية، عبر شبكات عائلية وطلبات منفصلة وأشخاص قد يعملون كواجهات لصالح آخرين.
وتكمن حساسية القضية بالنسبة للسلطات في احتمال تداخل الروابط العائلية مع أنشطة غير قانونية أو استخدامها لتسهيل الوصول إلى بعض المزايا الاجتماعية.
لكن وجود شبهات أو تحقيقات لا يعني أن جميع أفراد الأسرة متورطون في جرائم، كما أن عدد المشتبه بهم لا يساوي عدد المدانين قضائياً.
لماذا تحظى لايبزيغ باهتمام الشرطة؟
تضع السلطات الألمانية ما تسميه «بيئة العشائر» ضمن الملفات التي تتطلب متابعة خاصة عندما تتداخل الروابط العائلية مع النشاط الإجرامي أو النفوذ المحلي. وفي لايبزيغ، تشير السلطات إلى وجود أربع عائلات سورية كبيرة ضمن هذه البيئة، التي تضم مئات الأشخاص.
وتطرح القضية سؤالاً أوسع: كيف تستطيع الدولة الألمانية ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وفي الوقت نفسه منع استغلال نظام الدعم الاجتماعي من جانب شبكات إجرامية؟
رقم الـ100 ألف يورو بين الحساب والحقيقة
ربما يكون أهم تفصيل في القضية هو الفصل بين الرقم المحسوب والرقم المثبت. فالـ100 ألف يورو ليست كشف حساب مصرفياً، ولا دليلاً منشوراً يثبت أن الأسرة حصلت فعلياً على هذا المبلغ.
إنها نتيجة عملية حسابية مبنية على افتراض حصول 32 طفلاً على الإعانة الشهرية الكاملة طوال عام كامل. ولهذا فإن استخدام الرقم كأنه مبلغ مؤكد تلقته الأسرة قد يكون مضللاً.
الهجرة والجريمة في قلب النقاش الألماني
تأتي القضية في وقت تشهد فيه ألمانيا نقاشاً واسعاً حول الهجرة والجريمة والاندماج ونظام المساعدات الاجتماعية.
وتستخدم أحزاب سياسية، من بينها حزب البديل من أجل ألمانيا، مثل هذه القضايا للمطالبة بتشديد سياسات الهجرة، وتسريع ترحيل الأجانب المدانين بجرائم، وتشديد الرقابة على أنظمة الدعم.
في المقابل، تحذر أصوات أخرى من تحويل جرائم ارتكبها أفراد إلى اتهام جماعي لمجموعة مهاجرة بأكملها، وتؤكد ضرورة الفصل بين المسؤولية الفردية والأصل العائلي أو الجنسية.
قضية تتجاوز عائلة واحدة
في النهاية، لا تختصر قضية لايبزيغ في رجل لديه 32 ابناً أو في رقم يقارب 100 ألف يورو. فالملف يختبر قدرة السلطات الألمانية على مواجهة الجريمة المنظمة وشبكات النفوذ العائلي، وفي الوقت نفسه حماية أنظمة المساعدات الاجتماعية من الاستغلال، من دون تحويل الجنسية أو الانتماء العائلي إلى دليل بحد ذاته على ارتكاب الجريمة.
وبينما تواصل السلطات متابعة هذه الملفات، تبقى الأرقام المتعلقة بالمشتبه بهم والجرائم بحاجة إلى تمييز واضح عن الأحكام القضائية النهائية، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات بشأن حجم هذه الشبكات وطريقة عملها داخل ألمانيا.
اقرأ المزيد
واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. خطوة تاريخية وسط توتر مع إسرائيل
من إدلب إلى دمشق: قصة النموذج التكافلي الذي غيّر مفهوم الرعاية بعد إعادة توحيد سوريا

