وطن-وسّعت الولايات المتحدة حملتها المالية ضد إيران، مستهدفة هذه المرة فروع بنك مصر في الإمارات، في خطوة تعكس تصعيداً جديداً في مساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب لتجفيف القنوات التي تقول واشنطن إنها تتيح لطهران الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الجمعة، إجراءً جديداً يستهدف الذراع الإماراتية لبنك مصر، ثاني أكبر بنك في مصر، من خلال اقتراح قيود تحرم فروعه في الإمارات من الوصول إلى حسابات المراسلة المصرفية لدى المؤسسات المالية الأمريكية، ما قد يحد من قدرتها على تنفيذ معاملات بالدولار عبر النظام المالي الأمريكي.
قيود أمريكية على فروع بنك مصر في الإمارات
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، من المقرر أن تدخل الإجراءات المقترحة حيز التنفيذ في 28 سبتمبر المقبل، ما لم تطرأ تعديلات على القرار خلال فترة الإخطار والمراجعة.
وقالت وزارة الخزانة إن شبكة إنفاذ الجرائم المالية، المعروفة باسم «FinCEN»، اقترحت قاعدة جديدة تهدف إلى منع فروع بنك مصر في الإمارات من استخدام حسابات المراسلة المصرفية لدى البنوك الأمريكية.
وبررت واشنطن الخطوة باعتبار هذه الفروع «نقطة مهمة» في وصول النظام الإيراني إلى الدولار الأمريكي، في إطار ما تصفه الإدارة الأمريكية بشبكات الالتفاف على العقوبات.
القرار لا يدخل حيز التنفيذ فوراً
ولا يعني الإعلان الأمريكي أن القيود أصبحت نافذة بصورة مباشرة. فالقرار يخضع لفترة إخطار مدتها 30 يوماً، تتيح للأطراف المختلفة تقديم تعليقاتها وملاحظاتها قبل اتخاذ الخطوة النهائية.
وتتيح هذه الآلية للجهات المؤيدة أو المعارضة للإجراء تقديم ملاحظاتها، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالنظام المصرفي الدولي يمكن أن تكون لها تداعيات مالية وسياسية واسعة.
وطالبت الخزانة الأمريكية البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية باتخاذ «خطوات معقولة» لمنع معالجة معاملات عبر حسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة إذا كانت مرتبطة بفروع بنك مصر في الإمارات. كما دعت المؤسسات المالية إلى تطبيق إجراءات عناية واجبة إضافية على حسابات المراسلة الأجنبية ذات الصلة.
«المنبوذ الاقتصادي».. حملة جديدة ضد إيران
يأتي هذا الإجراء ضمن حملة أوسع تطلق عليها إدارة ترامب اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي». وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن عن الحملة في وقت تتزايد فيه الضغوط على إيران، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بـمضيق هرمز، الممر البحري الحيوي لتجارة الطاقة العالمية.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الاستراتيجية إلى استهداف القنوات المالية التي تقول إنها تساعد إيران على تجاوز العقوبات، خصوصاً تلك المرتبطة بالوصول إلى الدولار والنظام المصرفي الدولي.
وبذلك يتجاوز نطاق العقوبات الكيانات الإيرانية المباشرة، ليشمل مؤسسات مالية وتجارية وأفراداً في دول أخرى ترى واشنطن أنهم يوفرون لطهران منافذ للالتفاف على القيود.
بنك ملي الإيراني يدخل دائرة العقوبات
ولم تقتصر الإجراءات المعلنة الجمعة على بنك مصر. فقد استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية أيضاً فرع بنك ملي الإيراني في دبي، وفرضت عقوبات على مديره رضا محمد تائدي.
ويعد بنك ملي من أبرز المؤسسات المصرفية التجارية في إيران، وكان يؤدي دور البنك المركزي الإيراني قبل الثورة عام 1979، كما يمتلك شبكة من الفروع في عدد من الدول الأوروبية والشرق أوسطية.
واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية البنك بأداء دور رئيسي في تمويل مؤسسات عسكرية إيرانية، من بينها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة، وهما كيانان مدرجان بالفعل على قوائم العقوبات الأمريكية.
شركة في هونغ كونغ على قائمة الاستهداف
وشملت الحزمة الأمريكية كذلك شركة مقرها هونغ كونغ تحمل اسم Kameng Trading Limited. واتهمت واشنطن الشركة بالعمل كواجهة مالية لصالح جهة صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات.
وقالت وزارة الخزانة إن شركة Pedram Pirouzan Exchange House، المعروفة أيضاً باسم Opal Exchange، استخدمت الشركة المسجلة في هونغ كونغ في عمليات قالت واشنطن إنها مرتبطة بغسل أموال لصالح إيران.
وتكشف هذه الخطوة عن اعتماد الولايات المتحدة بشكل متزايد على استهداف الشبكات المالية العابرة للحدود، بدلاً من الاكتفاء بفرض عقوبات على المؤسسات الإيرانية نفسها.
واشنطن توسع الضغط خارج إيران
وتشير الإجراءات الجديدة إلى تحول واضح في طبيعة العقوبات الأمريكية على طهران. فبدلاً من التركيز فقط على المؤسسات الحكومية والشركات الإيرانية، باتت واشنطن تستهدف البنية المالية المحيطة بإيران، بما في ذلك المصارف والشركات والأفراد الموجودين في مراكز مالية إقليمية ودولية.
وتراهن الإدارة الأمريكية على أن التضييق على هذه القنوات سيجعل من الصعب على إيران الوصول إلى الدولار وإجراء التحويلات التجارية والمالية عبر النظام المصرفي العالمي.
لكن اتساع دائرة الاستهداف يرفع في المقابل من حساسية الإجراءات الأمريكية، خصوصاً عندما تطال مؤسسات مالية مرتبطة باقتصادات ودول حليفة لواشنطن.
الصين تراقب العقوبات على إيران
وتأتي الخطوة الأمريكية في وقت تتابع فيه الصين بحذر تصاعد الضغوط المالية على إيران، في ظل العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية الوثيقة بين بكين وطهران.
وتبرز الطاقة في مقدمة هذه العلاقات، إذ تعد الصين أكبر مستورد لصادرات الطاقة الإيرانية، ما يجعل أي تشديد أمريكي على شبكات التمويل والتجارة المرتبطة بإيران ملفاً حساساً بالنسبة إلى بكين.
وعندما سُئل بيسنت، الاثنين، عن انعكاسات العقوبات على العلاقات الأمريكية الصينية، قال إن واشنطن ترى أن «أفضل طريقة للتعامل مع الدول هي الدبلوماسية الهادئة»، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل على توضيح توقعاتها للدول المختلفة.
العقوبات الإيرانية تتقاطع مع صراع واشنطن وبكين
وتأتي التطورات الجديدة في وقت تستعد فيه العلاقات الأمريكية الصينية لمرحلة اختبار جديدة، مع توقع زيارة دولة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البيت الأبيض الشهر المقبل.
وتتقاطع على أجندة واشنطن وبكين عدة ملفات شديدة الحساسية، من بينها العقوبات المفروضة على إيران، وأمن الطاقة، والتجارة الدولية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، لا تبدو العقوبات الجديدة مجرد إجراء مالي يستهدف عدداً من المؤسسات، بل جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع للضغط على إيران عبر النظام المالي العالمي.
ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة واشنطن على إغلاق القنوات المالية المحيطة بإيران، من دون أن يؤدي اتساع العقوبات إلى فتح جبهات اقتصادية ودبلوماسية جديدة مع شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، أو مع الصين التي ترتبط بمصالح استراتيجية مباشرة مع طهران.
اقرأ المزيد
لسداد الديون.. أرض جديدة في الساحل الشمالي تدخل دائرة الاستثمارات الإماراتية وتثير جدلًا في مصر

