وطن-تدخل أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تحوّل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم إلى ورقة ضغط رئيسية في المواجهة بين واشنطن وطهران.
وفي الوقت الذي يصر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التعامل مع المضيق باعتباره «أرضاً أميركية جديدة»، تتمسك إيران بموقفها بأن قرار فتح الممر أو إغلاقه يبقى خاضعاً لإرادتها، رافضة ما تعتبره محاولات أميركية لفرض واقع جديد بالقوة.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
قالت صحيفة «لا راثون» الإسبانية إن مرور ستة أشهر على بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران لم يؤد إلى احتواء تداعيات الصراع، بل جعل أزمة مضيق هرمز إحدى أبرز نتائج المواجهة العسكرية والدبلوماسية بين طهران وإدارة ترامب.
ويكتسب المضيق أهمية استثنائية بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، إذ كانت تمر عبره كميات تعادل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
ومع تعثر المسار العسكري ثم فشل محاولات التفاوض، تحولت المواجهة إلى مرحلة جديدة تعتمد فيها واشنطن بصورة أكبر على العقوبات والضغط الاقتصادي، بينما تستخدم طهران ورقة الملاحة في هرمز للضغط على خصومها.
إيران تربط فتح المضيق بشروط واضحة
على الرغم من أن النظام الإيراني يدرك حجم التداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تترتب على استمرار العقوبات والقيود، فإنه يرى أن التراجع عن موقفه في مضيق هرمز من دون مقابل قد يضعف موقعه التفاوضي.
وبحسب «لا راثون»، بدأت طهران وضع مجموعة من الشروط التي تعتبرها ضرورية قبل إعادة فتح الممر أمام حركة التجارة الدولية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن طهران تطالب الولايات المتحدة باتخاذ «خطوات عملية» قبل الانتقال إلى أي تفاهم بشأن الملاحة.
وتشمل المطالب الإيرانية، وفق التقرير، رفع الحصار البحري والعقوبات الأميركية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب دفع تعويضات مالية عن الأضرار التي تقول طهران إنها نجمت عن «حربين مفروضتين» عليها.
وقف العمليات والإفراج عن الأموال
لا تقتصر المطالب الإيرانية على الجانب الاقتصادي.
فطهران تطالب أيضاً بوقف العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها في المنطقة، وإنهاء ما تعتبره تدخلاً أميركياً في المفاوضات الإقليمية.
وترى الجمهورية الإسلامية أن تنفيذ هذه الإجراءات يمثل الحد الأدنى المطلوب للعودة إلى تفاهم بشأن حركة الملاحة في المضيق.
وبذلك تحاول إيران تحويل أزمة هرمز من مجرد مواجهة عسكرية حول حركة السفن إلى ملف تفاوضي متعدد الأبعاد يشمل العقوبات والأصول المجمدة والعمليات العسكرية والسياسة الإقليمية.
مسقط تبحث عن صيغة وسط
في موازاة التصعيد بين واشنطن وطهران، دخلت سلطنة عمان على خط الأزمة من خلال مشاورات مع الجانب الإيراني بهدف البحث عن صيغة تسمح باستئناف جزء من حركة الملاحة.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، تدور المشاورات حول إمكانية تقسيم حركة العبور بين المياه الإيرانية والعمانية، بما يسمح باستئناف جزئي للتجارة البحرية.
لكن هذه الصيغة لا تعني بالضرورة إعادة فتح المضيق بصورة كاملة وفق التصور الذي تريده الولايات المتحدة، بل يمكن أن تشكل حلاً مؤقتاً يخفف الضغوط على حركة التجارة والطاقة.
عراقجي: العودة إلى الدبلوماسية ممكنة
وعلى الرغم من ارتفاع حدة التصريحات، أبقت طهران الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن «العودة إلى مسار الدبلوماسية ليست مستحيلة»، لكنه شدد على ضرورة أن تدرك الولايات المتحدة أن «الضغط لا ينجح».
وفي السياق نفسه، وصفت الخارجية الإيرانية العقوبات الأميركية بأنها إجراءات «غير قانونية وغير مبررة»، معتبرة أنها تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وتعكس هذه التصريحات محاولة إيرانية للجمع بين التشدد في المطالب والإبقاء على إمكانية التفاوض، من دون تقديم تنازلات مسبقة بشأن مضيق هرمز.
ترامب يرفع سقف التصعيد
في الجانب الأميركي، عاد الرئيس دونالد ترامب إلى التصعيد عبر منصة «تروث سوشال»، متحدثاً عن مضيق هرمز باعتباره «أرضاً أميركية جديدة».
كما أشار إلى أن الولايات المتحدة ليست في عجلة من أمرها لاستئناف المحادثات المباشرة مع إيران بشأن السلام.
وتشير هذه التصريحات إلى استمرار الفجوة بين الموقفين الأميركي والإيراني، خصوصاً أن واشنطن تربط الضغط الاقتصادي والعسكري بموقفها التفاوضي، بينما تحاول طهران جعل تخفيف هذه الضغوط شرطاً مسبقاً لأي تفاهم.
خلاف حول السيطرة على المضيق
وفي تطور آخر، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن مضيق هرمز أصبح مفتوحاً، بعد أن قالت إن القوات الأميركية أزالت الألغام الموجودة فيه.
لكن إيران رفضت الرواية الأميركية، مؤكدة أن وضع المضيق لا يمكن تحديده من خلال إعلانات عسكرية تصدرها واشنطن.
ويكشف هذا الخلاف عن واحدة من أكثر النقاط حساسية في الأزمة: من يملك القرار الفعلي بشأن حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية؟
رد إيراني حاد على ترامب
جاء الرد الإيراني على تصريحات ترامب شديد اللهجة. ووصف مسؤولون في طهران الرئيس الأميركي بأنه يعاني اضطراباً في إدراك الواقع السياسي والجغرافي.
ونشر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أشار فيها إلى اضطرابات التفكير وتشوه إدراك الواقع، في رد مباشر على تصريحات ترامب بشأن المضيق.
وأضاف المسؤول الإيراني أن «مضيق هرمز لا يمكن الاستيلاء عليه بتغريدة، ولا بحاملة طائرات، ولا بأمر، ولا بخطاب انتخابي»، مؤكداً أن المضيق «كان إيرانياً، وهو إيراني، وسيبقى إيرانياً»، وأن قرار إغلاقه أو فتحه لن يكون إلا بقرار من إيران.
الطاقة العالمية أمام اختبار جديد
تضع أزمة مضيق هرمز أسواق الطاقة العالمية أمام مرحلة شديدة الحساسية، فاستمرار تعطيل حركة الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال، خصوصاً أن المضيق يمثل ممراً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية.
وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن قد يزيد تكاليف النقل والتأمين، ويدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر جيوسياسية أكبر. وفي ظل استمرار تبادل التصريحات التصعيدية بين واشنطن وطهران، يبقى مستقبل المضيق مرتبطاً بقدرة الطرفين على الانتقال من سياسة الضغط والتهديد إلى تفاوض واضح يحدد شروط الملاحة ويمنع تحول الأزمة إلى مواجهة أوسع.
هرمز.. ورقة ضغط تتجاوز النفط
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لنقل النفط والغاز، بل تحول إلى ورقة استراتيجية في صراع أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، فواشنطن تريد ضمان حرية الملاحة وإظهار قدرتها على حماية خطوط التجارة الدولية، بينما تسعى طهران إلى استخدام موقعها الجغرافي لتعزيز قدرتها التفاوضية في مواجهة العقوبات والضغوط الأميركية.
وبين الموقفين، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، لأن أي تصعيد جديد في هرمز قد لا يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
اقرأ المزيد
ناقلات النفط تحصد 510 آلاف دولار يومياً وسط توتر مضيق هرمز.. حرب الخليج تقلب سوق الشحن العالمي
إيران تحذر من “مفاجآت استراتيجية” وسط توتر في مضيق هرمز واتهامات لقطر بشأن طيارين مفقودين
ترامب يهدد عُمان بقصفها بسبب مضيق هرمز.. وإيران ومسقط تتوصلان إلى تفاهم بشأن مسار العبور
ترامب يؤجل ضربة لإيران مقابل اتفاق نووي وفتح مضيق هرمز.. والسعودية تدخل على خط التهدئة

