وطن-قد تبدو كلمة «شكراً» من أبسط عبارات المجاملة اليومية، لكن تكرارها عشرات المرات في اليوم، حتى في مواقف لا تستدعي ذلك، قد يحمل دلالات نفسية أعمق مما قد يبدو للوهلة الأولى. فبين الامتنان الحقيقي، والقلق من إزعاج الآخرين، والرغبة في الظهور بصورة الشخص اللطيف دائماً، يرى مختصون في علم النفس أن الإفراط في قول «شكراً» لا يكون مجرد عادة اجتماعية بريئة في جميع الحالات.
وقالت مجلة “أوفيمينا” الفرنسية إن بعض الأشخاص ينهون تقريباً كل تفاعل اجتماعي بعبارة شكر، سواء تعلق الأمر برسالة بريد إلكتروني، أو كوب ماء، أو معلومة كان من الطبيعي الحصول عليها. ومن الخارج، قد يبدو هذا السلوك دليلاً على التهذيب وحسن التربية، لكنه قد يكشف أيضاً، وفق مختصين، عن الطريقة التي يحمي بها الإنسان نفسه، ويبني علاقاته، وينظر إلى قيمته الذاتية.
الامتنان الحقيقي.. عندما يكون الشكر انعكاساً للتقدير
بحسب ما أوردته مجلة “أوفيمينا” الفرنسية، فإن الأشخاص الذين يكثرون من شكر الآخرين على الخدمات الصغيرة يعبرون، في كثير من الأحيان، عن شعور حقيقي بالامتنان، وهو إحساس يقوم على إدراك ما يتلقاه الإنسان من الآخرين وتقديره.
وتعود كلمة «الامتنان» في أصلها اللاتيني إلى كلمة غراتوس التي تعني «المحبب» أو «الممتع». وتشير دراسات الشخصية إلى أن هذا السلوك يرتبط غالباً بارتفاع سمات مثل الود والضمير الحي، وهما من السمات التي يضمها نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية الذي وضعه الباحثان بول كوستا وروبرت ماكري.
لكن المجلة أوضحت أن كثرة استخدام كلمة «شكراً» لا تعني بالضرورة وجود نمط نفسي واحد، إذ قد تعكس شخصيات مختلفة؛ فقد تكون تعبيراً عن امتنان صادق، أو عن شخصية قلقة، أو وسيلة لتحسين الصورة الاجتماعية أمام الآخرين.
علم النفس الإيجابي يرى الامتنان نقطة قوة
في إطار علم النفس الإيجابي، يُنظر إلى الامتنان المتكرر بوصفه إحدى نقاط القوة النفسية. فالأشخاص الذين يتأثرون بسهولة بأي لفتة مساعدة، حتى وإن كانت بسيطة، يميلون إلى التركيز على الجوانب الإيجابية في حياتهم أكثر من تركيزهم على النواقص والإحباطات.
وأضافت مجلة “أوفيمينا” الفرنسية أن دراسة أجراها الباحثان روبرت إيمونز ومايكل ماكولوغ عام 2003 طلبت من مجموعة من المشاركين تدوين يوميات أسبوعية. وكتب بعضهم عن الأشياء التي يشعرون بالامتنان تجاهها، بينما ركز آخرون على المتاعب اليومية.
وأظهرت النتائج أن المجموعة التي دوّنت مشاعر الامتنان كانت أكثر تفاؤلاً، وأكثر رضاً عن الحياة، وأقل معاناة من الأعراض الجسدية، كما مارست نشاطاً بدنياً بصورة أكبر مقارنة بالمجموعة الأخرى.
ومن هذا المنظور، قد يكون تكرار كلمة «شكراً» انعكاساً لطريقة إيجابية في النظر إلى الحياة، حيث يتحول الامتنان إلى أسلوب دائم في إدراك الخير وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
أشخاص يميلون بطبيعتهم إلى الامتنان
أشارت مجلة “أوفيمينا” الفرنسية إلى وجود أشخاص يمكن وصفهم بأنهم «كثيرو الامتنان» بطبيعتهم. وغالباً ما يتميز هؤلاء بالدفء، والاعتماد عليهم، ولا يقتصر شكرهم على الكلمات، بل ينعكس أيضاً في سلوكهم، مثل المساعدة، والانتباه لاحتياجات الآخرين، ورد الجميل عندما تتاح لهم الفرصة.
وتشير أبحاث الشخصية إلى أن الامتنان بوصفه سمة مستقرة يرتبط غالباً بارتفاع مستوى الرضا عن الحياة، حتى بعد احتساب تأثير سمات الشخصية الأساسية الأخرى.
عندما يصبح الشكر وسيلة لإخفاء القلق
لكن الوجه الآخر لهذا السلوك يظهر عندما يكون الدافع وراء كلمة «شكراً» هو القلق الاجتماعي. وبحسب ما نقلته مجلة “أوفيمينا” الفرنسية عن مختصين، قد تتحول عبارة «شكراً» إلى درع نفسي يستخدمه البعض لتجنب الشعور بأنهم يشكلون عبئاً على الآخرين. وفي هذه الحالة، لا يكون الشكر تعبيراً عن الامتنان بقدر ما يكون محاولة سريعة لسداد «دين معنوي» مقابل أي مساعدة تلقوها.
ويصبح الشكر هنا رد فعل دفاعياً؛ إذ يخشى الشخص أن يُنظر إليه باعتباره قليل الذوق، أو أن يكون قد أزعج الآخرين، أو يشعر بأنه مطالب دائماً بالاعتذار الضمني عن احتياجاته. ومع مرور الوقت، قد تتحول كلمة «شكراً» إلى استجابة تلقائية تخفي وراءها شعوراً دائماً بالتوتر أو الذنب.
هل يمكن أن يخدم الشكر صورة الإنسان عن نفسه؟
كشفت مجلة “أوفيمينا” الفرنسية أيضاً عن جانب آخر تناولته دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة الشخصية والفروق الفردية، وشملت 462 مشاركاً، وناقشت أنماطاً متعددة من النرجسية، من بينها ما يُعرف بـالنرجسية المجتمعية. ويقوم هذا النمط على بناء صورة ذاتية لشخص كريم، وأخلاقي، ومحب للخير بصورة لافتة.
وفي هذا السياق، قد تتحول بعض عبارات الشكر إلى وسيلة لتعزيز صورة الشخص أمام الآخرين، لا إلى تعبير خالص عن الامتنان. فهو يشكر لأنه يريد أن يبدو مهذباً ومثالياً، وربما ينتظر في المقابل اعترافاً من الآخرين بحسن أخلاقه أو لطفه.
ما الذي يحدد ما إذا كان الشكر أمراً صحياً؟
تؤكد مجلة “أوفيمينا” الفرنسية أن كثرة قول «شكراً» ليست سلوكاً سلبياً في حد ذاته، بل إن العامل الحاسم هو الدافع الداخلي. فهل يقول الإنسان «شكراً» لأنه يشعر فعلاً بالامتنان؟ أم لأنه يخشى إغضاب الآخرين؟ أم لأنه يريد تأكيد صورته كشخص مثالي؟
وتدعم هذه الفكرة نتائج تحليل شمولي نُشر عام 2023 في مجلة فرونتيرز في علم النفس، والذي أظهر أن ممارسات الامتنان، عندما تكون واعية ونابعة من رغبة حقيقية، ترتبط بتحسن الصحة النفسية، وانخفاض أعراض القلق والاكتئاب. وبالتالي، لا تكمن الفكرة في تقليل استخدام كلمة «شكراً»، وإنما في فهم الدور النفسي الذي تؤديه داخل كل موقف.
متى يكون الامتنان صحياً؟
إذا كانت كلمة «شكراً» تمنح صاحبها شعوراً بالراحة، وتقربه من الآخرين، وتشجعه على التعاون ورد الجميل، فإنها غالباً تعكس امتناناً صحياً. أما إذا كانت تصدر بدافع الخوف، أو الشعور المستمر بالذنب، أو القلق من نسيان توجيه الشكر، أو الخشية من تقييم الآخرين، فقد تكون مؤشراً على قلق اجتماعي أو حساسية مفرطة تجاه نظرة المحيطين.
كما تشير مجلة “أوفيمينا” الفرنسية إلى علامة أخرى، تتمثل في تركيز الشخص بصورة مبالغ فيها على أفعاله الطيبة وانتظاره المستمر لاعتراف الآخرين بها، وهو ما قد يحول الامتنان إلى وسيلة للحصول على التقدير الاجتماعي.
كلمة بسيطة… لكنها قد تكشف الكثير
في النهاية، تبقى كلمة «شكراً» من أكثر الكلمات قدرة على تحسين العلاقات اليومية، لكنها قد تكشف أحياناً أكثر مما يقصده صاحبها. فقد تكون تعبيراً عن امتنان صادق، أو انعكاساً لقلق داخلي، أو تعبيراً عن حاجة إلى التقدير.
ولا يكمن الفارق الحقيقي في عدد مرات قولها، بل في الشعور الذي يسبقها: هل يصدر الشكر عن راحة وامتنان حقيقي، أم عن خوف، أو توتر، أو رغبة مستمرة في إثبات القيمة أمام الآخرين؟
قد يعجبك
لماذا يساعد بعض الأشخاص النادل في ترتيب الطاولة؟ علم النفس يفسّر هذا السلوك اليومي
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟
7 عبارات ذكية للتعامل مع الشخص العدواني السلبي.. هكذا تنزع فتيل التوتر بهدوء
التفكير الزائد ليس ضعفاً.. علم النفس يكشف الصفات الخفية لمن يفرطون في التفكير

