وطن-في مواجهة الجدل الذي أثاره الوثائقي «نازا» بعد عرضه في مهرجان فينيسيا، أطلقت إسرائيل فيلماً وثائقياً مضاداً بعنوان «نازا: القصة الحقيقية»، يسعى إلى تقديم رواية مغايرة بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، والتشكيك في الشهادات التي تضمنها العمل الأصلي حول آليات اختيار الأهداف واستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
وقالت صحيفة «إل دياريو» الإسبانية إن الفيلم الجديد جاء قريباً في فكرته وبنيته من الوثائقي الأصلي الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل تسور، والذي حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا خلال سبتمبر/أيلول الماضي. ووفق الصحيفة، يركز الفيلم المضاد على الدفاع عن أداء الجيش الإسرائيلي والرد على الاتهامات التي وردت في العمل الأول.
فيلم مضاد أُنجز في وقت قياسي
وبحسب «إل دياريو»، أُنتج «نازا: القصة الحقيقية» خلال فترة زمنية قصيرة، وتبلغ مدته نحو 49 دقيقة، ويجمع الرواية التي يكررها الجيش الإسرائيلي والحكومة بشأن العمليات العسكرية في غزة منذ بدء الحرب.
ويأتي إطلاق الفيلم في ظل استمرار الجدل حول حصيلة الحرب، في وقت تشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى مقتل أكثر من 74 ألف شخص في قطاع غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي.
أما الوثائقي الأصلي «نازا»، فقد أثار ردود فعل غاضبة داخل إسرائيل بعد عرضه للمرة الأولى في منتصف سبتمبر/أيلول ضمن مهرجان فينيسيا، حيث تلقى تصفيقاً استمر نحو 25 دقيقة، بحسب الصحيفة الإسبانية.
شهادات عسكريين إسرائيليين في قلب الجدل
استند الوثائقي الأصلي إلى مقابلات مع أكثر من 20 عسكرياً إسرائيلياً، تحدثوا، وفق ما أوردته «إل دياريو»، عن آليات اختيار الأهداف في قطاع غزة وعن دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في العملية العسكرية.
وبحسب شهادات نقلها الفيلم، جرى في بعض الحالات استهداف مبانٍ وأحياء كاملة بهدف ضرب عناصر يُعتقد أنهم ينتمون إلى حركة حماس، مع معرفة مسبقة باحتمال سقوط أفراد من عائلات المستهدفين، بمن فيهم أطفال.
وظهر الشهود في الوثائقي الأصلي بوجوه مخفية وأصوات معدلة، بهدف حماية هوياتهم. وقال بعضهم، وفق الفيلم، إنهم كانوا جزءاً من منظومة اتخاذ القرار العسكري وإنهم كانوا على علم باحتمالات سقوط ضحايا مدنيين في بعض الهجمات.
ماذا يعني اسم «نازا»؟
يحمل عنوان الوثائقي دلالة عسكرية محورية. ووفق «إل دياريو»، فإن «نازا» اختصار عبري يُستخدم داخل الجيش الإسرائيلي للإشارة إلى المدنيين الذين قد يُقتلون خلال هجوم، في إطار ما يُعرف عسكرياً بـ«الأضرار الجانبية».
وبحسب الرواية التي يقدمها الوثائقي، يتم تقدير عدد الضحايا المدنيين المحتملين قبل الموافقة على تنفيذ بعض الضربات، وهو ما يجعل المصطلح جزءاً أساسياً من الجدل الذي أثاره الفيلم حول طريقة اتخاذ القرارات العسكرية.
إسرائيل تقدم رواية مضادة
يفتتح فيلم «نازا: القصة الحقيقية» بصوت راوٍ ينتقد الوثائقي الأصلي، قائلاً إن إنتاج فيلم بعيداً عن «خط النار» يسمح، وفق روايته، بالمونتاج والحذف وبناء رواية يعتبرها زائفة بشأن الجيش الإسرائيلي.
وترى «إل دياريو» أن هذه الرسالة تتطابق مع الخطاب الذي تستخدمه الدعاية الإسرائيلية منذ سنوات لتقديم الجيش باعتباره ملتزماً بمعايير أخلاقية مرتفعة.
ويعتمد الفيلم المضاد بدوره على مقابلات مع عسكريين مجهولي الهوية، يظهرون من الخلف ولا تكشف أسماؤهم أو وجوههم، مع الإشارة إلى مواقعهم أو مهامهم المفترضة.
كما صُورت المقابلات في شرفة مزينة بالنباتات، في أسلوب بصري بدا قريباً من طريقة تصوير مقابلات الوثائقي الأصلي، الذي اعتمد مشاهد ليلية على أسطح مبانٍ في تل أبيب مع أضواء المدينة في الخلفية.
«حماس تستخدم المناطق المدنية».. الرواية التي يطرحها الفيلم
يمزج الفيلم الإسرائيلي بين شهادات العسكريين ومشاهد من العمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك لقطات يقول عسكريون إسرائيليون إنها تظهر العثور على أسلحة وملابس عسكرية وأنفاق مرتبطة بحماس داخل منازل ومستشفيات ومدارس، إضافة إلى منشآت مرتبطة بوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وفي إحدى الشهادات، يقول عسكري مجهول إن مقاتلي حماس «ينسحبون إلى مناطق مكتظة جداً بالسكان»، لأنهم يعلمون، وفق قوله، أن الجيش الإسرائيلي «لا يطلق النار عشوائياً».
كما يقول عسكري آخر إن الموافقة على أي هجوم، حتى لو كان قصفاً مدفعياً، تتطلب أولاً التأكد من أن المنطقة تمثل، وفق المعايير القانونية التي يعتمدها الجيش، منطقة قتال، مضيفاً أن استهداف مواقع قريبة من مساجد أو عيادات أو مدارس يتطلب «تصاريح خاصة».
وبحسب «إل دياريو»، يسعى الفيلم من خلال هذه الشهادات إلى تثبيت روايتين أساسيتين: الأولى أن حماس تستخدم البنية المدنية في غزة للاختباء والعمل العسكري، والثانية أن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف المدنيين بصورة متعمدة.
الضحايا المدنيون في مواجهة الرواية العسكرية
في المقابل، تشير الصحيفة الإسبانية إلى أن النساء والأطفال يشكلون نسبة كبيرة من ضحايا الحرب في غزة، استناداً إلى بيانات وزارة الصحة الفلسطينية التي تعتمدها الأمم المتحدة في تقاريرها.
ومن هنا، يكتسب الوثائقي الأصلي أهمية خاصة في النقاش الإعلامي، إذ لا يعتمد فقط على شهادات ناشطين أو منظمات خارج المؤسسة العسكرية، وإنما يقدم روايات منسوبة إلى عسكريين إسرائيليين سابقين أو حاليين حول آليات اتخاذ القرار والعمليات في القطاع.
لكن الجيش الإسرائيلي رفض هذه الرواية في بيان مطول، وفنّد، بحسب «إل دياريو»، عدداً من الشهادات والأرقام التي تضمنها الفيلم.
الجيش الإسرائيلي ينفي استخدام الذكاء الاصطناعي لاختيار الأهداف
ومن أبرز نقاط الخلاف استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، فقد نفى الجيش الإسرائيلي، وفق الصحيفة، أن يكون قد استخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف أو لاتخاذ قرار ضربها، كما نفى أن يكون قد خطط أو وافق أو نفذ غارة كان من المتوقع أن تؤدي إلى مقتل 500 مدني، في إشارة إلى الرقم المرتبط بالمصطلحات التي يناقشها الوثائقي.
ويأتي هذا النفي رغم أن تقارير صحفية سابقة كانت قد تناولت استخدام أنظمة آلية أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف الإسرائيلية، وهو ما جعل هذه المسألة واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل حول الحرب.
معركة روايات تتجاوز السينما
لا يقتصر الخلاف حول «نازا» على الجانب السينمائي، بل تحول إلى مواجهة إعلامية وسياسية بشأن رواية الحرب في غزة.
ويحظى الفيلم الإسرائيلي المضاد بترويج رسمي، وهو متاح بتسع لغات، بينها الإسبانية، عبر موقع إلكتروني مخصص له، كما جرى الترويج له عبر سفارة إسرائيل في الولايات المتحدة. ويشير الموقع الخاص بالفيلم إلى أنه حقق ملايين المشاهدات.
في المقابل، لم يُعرض الوثائقي الأصلي بعد في دور السينما داخل إسرائيل، كما لم يكن متاحاً عبر الإنترنت وقت إعداد التقرير، رغم إعلان مخرجيه أنه سيصبح متاحاً اعتباراً من نوفمبر/تشرين الثاني.
وقبل وصول الفيلم إلى الجمهور الإسرائيلي على نطاق واسع، تعرض المخرجان يوفال أبراهام وراشيل تسور لهجوم سياسي وإعلامي، ووُجّهت إليهما اتهامات بالخيانة، فيما لوّحت الحكومة الإسرائيلية بسحب جنسيتهما. كما طلب وزير الثقافة الإسرائيلي من أجهزة الاستخبارات التحقيق في هوية الشهود الذين ظهروا في الوثائقي من دون الكشف عن وجوههم.
بين الحياة في تل أبيب والدمار في غزة
وترى «إل دياريو» أن أحد أكثر الجوانب حساسية في الوثائقي الأصلي يتمثل في المقارنة بين استمرار الحياة اليومية في تل أبيب، داخل المنازل والشوارع، وبين المشهد في قطاع غزة، الذي يقع على مسافة عشرات الكيلومترات فقط، حيث استمر القصف وسقط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
وبذلك، تحولت مواجهة «نازا» و«نازا: القصة الحقيقية» إلى أكثر من خلاف حول فيلم وثائقي؛ فهي تعكس صراعاً على تفسير ما جرى خلال الحرب، وعلى تحديد المسؤولية عن الضحايا المدنيين، وعلى طبيعة القرارات العسكرية التي اتُخذت خلال العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وفي ظل استمرار الحرب وتضارب الروايات بشأن الأهداف والأساليب المستخدمة، أصبح الوثائقيان جزءاً من معركة إعلامية أوسع لتحديد الرواية التي ستصل إلى الجمهور الإسرائيلي والدولي بشأن واحدة من أكثر مراحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إثارة للجدل.
اقرأ المزيد
“لأنهم وثقوا قتل المدنيين”.. غضب سياسي في إسرائيل ومطالبات بتجريد مخرجي فيلم “نازا” من جنسيتهما!
سفارتا إسرائيل في واشنطن ولندن تروجان لوثائقي مضاد لمواجهة اتهامات الإبادة الجماعية في غزة

