وطن-تتجه قطر إلى توسيع دورها الاقتصادي في لبنان من خلال دعم قطاع الكهرباء والمساهمة في جهود إعادة إعمار المناطق المتضررة في الجنوب، في خطوة تستهدف مساعدة البلاد على تجاوز تداعيات الانهيار المالي والحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
وأعلن رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال زيارة إلى بيروت، أن الدوحة ستساعد لبنان في إنعاش اقتصاده المتعثر، مع التركيز على إعادة تأهيل قطاع الكهرباء ودعم جهود إعادة الإعمار في الجنوب اللبناني، وفق ما أوردته وكالة «أسوشيتد برس».
وجاءت التصريحات عقب لقاء المسؤول القطري رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، في إطار مباحثات تناولت سبل دعم الاقتصاد اللبناني وتعزيز الاستقرار في البلاد، إلى جانب استمرار المساندة القطرية للجيش اللبناني.
وأكد رئيس الوزراء القطري أن بلاده ستواصل دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، واصفاً إياها بأنها مؤسسة وطنية تحافظ على أمن البلاد ووحدتها واستقرارها، في وقت تواجه فيه المؤسسات الرسمية تحديات مالية وأمنية متزايدة.
وحافظت الدوحة خلال السنوات الماضية على علاقات وثيقة مع لبنان، كما شاركت في جهود الوساطة خلال أزمات سياسية داخلية وإقليمية. وقدمت قطر مساعدات مالية للجيش اللبناني منذ بدء الانهيار الاقتصادي عام 2019، مع تراجع قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها وتغطية نفقاتها الأساسية.
مشروع قطري للطاقة الشمسية بالشراكة مع «توتال إنرجيز»
في خطوة تستهدف معالجة أحد أبرز أوجه الأزمة الاقتصادية اللبنانية، كشف رئيس الوزراء القطري عن توصل شركة «قطر للطاقة» إلى اتفاق مع شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية لتطوير محطة للطاقة الشمسية في لبنان.
ويُطرح المشروع باعتباره خطوة أولية ضمن مسار أوسع لدعم قطاع الكهرباء، الذي يعاني منذ سنوات نقصاً في الإنتاج وتقادم البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل، فضلاً عن تداعيات الأزمة المالية التي حدّت من قدرة الدولة على الاستثمار في مشاريع جديدة.
وأوضح المسؤول القطري أن الهدف يتمثل في تطوير مشروع استثماري كبير يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني، ويحقق في الوقت نفسه عوائد ومصالح اقتصادية للشركات والجهات القطرية المشاركة فيه.
من جانبه، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أنه سيعرض الخطط المتعلقة بقطاع الكهرباء على مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن المشروع سيُموَّل ويُنفَّذ ويُشغَّل من الجانب القطري، من دون تحميل الدولة اللبنانية أعباء مالية مباشرة، وفق ما نقلته وكالة «أسوشيتد برس».
وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، إذ تواجه الحكومة صعوبات في توفير التمويل اللازم لمشاريع البنية التحتية، ما يجعل الاستثمارات الخارجية إحدى الأدوات المطروحة لدعم الخدمات الأساسية. ومع ذلك، يظل الأثر الفعلي للمشروع مرتبطاً بتفاصيل تنفيذه وحجمه والقدرة الإنتاجية التي سيوفرها، فضلاً عن المراحل الإدارية والفنية اللازمة للانتقال من الاتفاق إلى التشغيل.
أزمة الكهرباء في لبنان.. خسائر بمليارات الدولارات
يُعد قطاع الكهرباء أحد أكثر القطاعات استنزافاً للمالية العامة في لبنان، إذ تراكمت خسائره على مدى عقود نتيجة مشكلات هيكلية شملت ضعف الإدارة، وتقادم المنشآت، وارتفاع تكاليف إنتاج الطاقة، إلى جانب اختلالات في نظام التمويل والتشغيل. وبحسب ما أوردته وكالة «أسوشيتد برس»، بلغت الخسائر المرتبطة بمؤسسة كهرباء لبنان نحو 40 مليار دولار خلال العقود الماضية، ما جعلها أحد أبرز مصادر الأعباء المالية التي ساهمت في تعقيد أزمة الدين العام.
ورغم أهمية القطاع للاقتصاد والخدمات العامة، لا تزال الكهرباء الرسمية غير متاحة بصورة منتظمة في مناطق عديدة من البلاد، الأمر الذي يدفع الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على المولدات الخاصة لتغطية احتياجاتها. ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة النفقات الشهرية للأسر وارتفاع تكاليف تشغيل الشركات والمحال التجارية والمصانع، كما يحد من قدرة المؤسسات الاقتصادية على التخطيط والاستثمار في ظل غياب إمدادات مستقرة للطاقة.
واضطرت الدولة اللبنانية، في مراحل سابقة، إلى الاعتماد على تمويل من مصرف لبنان المركزي لتوفير الوقود اللازم لتشغيل معامل الكهرباء، في ظل عجزها عن تغطية الاحتياجات المالية للمؤسسة من مواردها المعتادة. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الاستثمار في الطاقة الشمسية باعتباره أحد الخيارات الممكنة لتنويع مصادر الإنتاج وتخفيف الاعتماد على الوقود التقليدي، غير أن معالجة الأزمة بصورة مستدامة تتطلب أيضاً إصلاحات في الإدارة والتمويل وشبكات النقل والتوزيع.
قطر تبحث دعم إعادة إعمار جنوب لبنان
لم تقتصر المباحثات القطرية اللبنانية على قطاع الكهرباء، بل شملت أيضاً الأوضاع في جنوب لبنان، حيث تسببت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في أضرار واسعة طالت بلدات ومناطق سكنية، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان. وخلال زيارته إلى بيروت، التقى رئيس الوزراء القطري الرئيس اللبناني ورئيس مجلس النواب، وبحث مع المسؤولين التطورات الأمنية والاحتياجات المرتبطة بإعادة الإعمار.
وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف هجماتها، مشيراً إلى أن قطر تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة لتهيئة الظروف اللازمة لإعادة إعمار الجنوب مستقبلاً، بما يساعد على عودة النازحين إلى منازلهم.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه عملية التعافي تواجه تحديات كبيرة، تشمل حجم الأضرار التي لحقت بالمباني والبنية التحتية، واحتياجات السكان الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم، فضلاً عن محدودية الموارد المالية المتاحة لدى الحكومة اللبنانية. ومن شأن توفير التمويل الخارجي وتنسيق الجهود الدولية أن يساهما في دعم إعادة تأهيل المساكن والمرافق الأساسية، لكن سرعة التنفيذ ستظل مرتبطة بالتطورات الأمنية والظروف الميدانية والقدرة على توفير الموارد اللازمة.
الحرب والنزوح يزيدان الضغوط على الاقتصاد اللبناني
اندلعت المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في سياق تصعيد إقليمي أوسع، بعدما أطلق الحزب صواريخ باتجاه شمال إسرائيل في أوائل مارس، عقب بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في 28 فبراير، وفق التسلسل الزمني الذي أوردته وكالة «أسوشيتد برس».
وتسببت الحرب في موجة نزوح واسعة داخل لبنان، إذ وصل عدد النازحين إلى نحو 1.2 مليون شخص في ذروة التصعيد، ما زاد الضغوط على الخدمات العامة والمرافق الصحية والاجتماعية، وأدى إلى تفاقم الأعباء الاقتصادية على الدولة والمجتمعات المضيفة. ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو، عاد كثير من النازحين إلى مناطقهم، لكن أكثر من 300 ألف شخص ظلوا خارج منازلهم، وفق البيانات التي أوردتها الوكالة نقلاً عن المنظمة الدولية للهجرة.
ولا تقتصر تداعيات النزوح على فقدان المساكن، بل تشمل أيضاً تعطل مصادر الدخل وتراجع النشاط التجاري والزراعي في المناطق المتضررة، ما يجعل إعادة الإعمار مرتبطة باستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحياة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز دعم قطاع الكهرباء باعتباره جزءاً من احتياجات التعافي، إذ إن استقرار إمدادات الطاقة ضروري لإعادة تشغيل المؤسسات والمحال التجارية والمرافق العامة، إلى جانب تسهيل أعمال ترميم البنية التحتية.
هل يفتح الاستثمار القطري مساراً جديداً للتعافي؟
تعكس التحركات القطرية توجهاً نحو الجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والمساهمة في إعادة الإعمار، بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدات الطارئة. ويضع هذا التوجه قطاع الكهرباء في صلب الجهود الرامية إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية عن لبنان، بالتوازي مع معالجة تداعيات الحرب في الجنوب. لكن نجاح هذه المبادرات سيعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تحويل الاتفاقات المعلنة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وتحديد جداول زمنية واضحة، وضمان استدامة التمويل والتشغيل، إلى جانب توفير الظروف الأمنية اللازمة لإعادة الإعمار.
كما أن معالجة الأزمة الاقتصادية اللبنانية لا تتوقف على مشاريع الطاقة وحدها، بل تتطلب إصلاحات أوسع في إدارة المال العام والقطاعات الخدمية وتعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها. وبين مشروع الطاقة الشمسية المرتقب وخطط دعم الجنوب، تراهن بيروت على الاستثمارات والشراكات الخارجية للمساعدة في استعادة الخدمات الأساسية وتحريك النشاط الاقتصادي، فيما تترقب الأوساط اللبنانية تفاصيل المبادرات القطرية وما قد تحققه من نتائج ملموسة على مستوى الكهرباء وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
اقرأ أيضاً
العراق ولبنان في الأمم المتحدة.. إصلاح اقتصادي في بغداد واستعادة للسيادة في بيروت
المنصوري جنوب لبنان تختفي تحت القصف الإسرائيلي.. سكان يراقبون قريتهم تُمحى خلال وقف إطلاق النار
لبنان أمام موجة غلاء جديدة.. ارتفاع الوقود يضغط على الخبز والنقل والنقابات تلوّح بإضراب عام
انفجار مرفأ بيروت.. ست سنوات على كارثة لم تنتهِ في ذاكرة اللبنانيين
سكان جنوب لبنان على “الخط الأصفر” مع إسرائيل.. قلق يومي وضغوط نفسية تحت وطأة التوتر الحدودي

