وطن-في تحول لافت في خريطة تجارة الطاقة بين واشنطن وكاراكاس، ارتفعت واردات الولايات المتحدة من النفط الخام الفنزويلي إلى 701 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز 2026، وهو أعلى مستوى شهري تسجله الواردات منذ عام 2017، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ويأتي هذا الارتفاع قبل ظهور الأثر الكامل للاتفاق النفطي الذي أُعلن عنه في نهاية أغسطس/آب، ما يشير إلى أن عودة الخام الفنزويلي إلى السوق الأمريكية بدأت قبل الاتفاق، ولم تكن نتيجة مباشرة له. وتؤكد البيانات الأمريكية أيضاً أن التدفقات واصلت مستوياتها المرتفعة في الأسابيع التالية.
قفزة بأكثر من خمسة أضعاف خلال أشهر
تكشف بيانات الواردات الأمريكية عن تحول سريع في حجم النفط الفنزويلي المتجه إلى الولايات المتحدة. فبعد أن كانت المصافي الأمريكية تستقبل نحو 137 ألف برميل يومياً في ديسمبر/كانون الأول 2025، قفز المتوسط الشهري إلى 701 ألف برميل يومياً في يوليو 2026. وبذلك ارتفعت الواردات أكثر من خمسة أضعاف خلال فترة قصيرة، لتقترب من مستويات لم تُسجل منذ سنوات.
كما تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة أن الواردات بدأت مساراً صاعداً خلال عام 2026، من مستويات منخفضة نسبياً في بداية العام، قبل أن تصل إلى 701 ألف برميل يومياً في يوليو.
ولم يتوقف الارتفاع عند بيانات يوليو؛ إذ سجلت الواردات الأسبوعية مستويات مرتفعة خلال أغسطس وسبتمبر، بما في ذلك 743 ألف برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، و782 ألفاً في الأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر.
النفط الفنزويلي يجذب المصافي الأمريكية بالسعر
لا يتعلق التحول بحجم الشحنات فقط، بل أيضاً بالسعر، وبحسب الأرقام التي أوردتها صحيفة إيه بي سي الإسبانية استناداً إلى بيانات إدارة معلومات الطاقة، بلغ متوسط تكلفة البرميل الفنزويلي الواصل إلى الولايات المتحدة في يوليو نحو 71.28 دولاراً، مقابل 77.87 دولاراً للبرميل لمتوسط النفط الخام المستورد إلى الولايات المتحدة.
ويعني ذلك أن الخام الفنزويلي كان أقل سعراً بنحو 6.6 دولارات للبرميل، أو ما يقارب 8.5% من متوسط تكلفة الواردات الأمريكية.
كما أوردت الصحيفة أن متوسط سعر الخام الكندي بلغ 75.34 دولاراً للبرميل، والمكسيكي 78.59 دولاراً، والكولومبي 82.87 دولاراً، ما جعل الخام الفنزويلي، وفق هذه المقارنة، من بين الخيارات الأقل تكلفة للمشترين الأمريكيين.
لكن المقارنة السعرية تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن أنواع النفط الخام تختلف في خصائصها. فالنفط الفنزويلي معروف بكون جزء كبير منه خاماً ثقيلاً عالي الكبريت، وهو عادة ما يُباع بخصم مقارنة بالخامات الأخف مثل خام برنت.
لماذا تحتاج المصافي الأمريكية إلى الخام الفنزويلي؟
تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية للنفط الفنزويلي في ملاءمته للبنية التكريرية الأمريكية، ولا سيما في منطقة خليج المكسيك. فقد صُممت أجزاء من هذه البنية التحتية تاريخياً لمعالجة الخامات الثقيلة والكبريتية القادمة من منتجين مثل فنزويلا والمكسيك.
ولهذا فإن عودة النفط الفنزويلي بكميات كبيرة لا تعني فقط زيادة مصدر من مصادر الخام المستورد، وإنما توفر أيضاً للمصافي الأمريكية نوعاً من النفط يتوافق مع تجهيزاتها الحالية. وهذا العامل يمكن أن يكون مهماً في تحديد جاذبية الخام الفنزويلي، إلى جانب سعره وظروف السوق العالمية.
نحو 21.7 مليون برميل في شهر واحد
إذا استمر متوسط الواردات عند 701 ألف برميل يومياً طوال يوليو، فإن الولايات المتحدة تكون قد استقبلت خلال الشهر نحو 21.7 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي. وباحتساب متوسط السعر البالغ 71.28 دولاراً للبرميل، تصل القيمة التقريبية لهذه الكميات إلى نحو 1.55 مليار دولار.
وتوضح هذه الأرقام حجم التحول في العلاقة التجارية النفطية بين البلدين، خصوصاً بعد سنوات من تراجع حاد في التجارة النفطية المباشرة بين فنزويلا والولايات المتحدة.
اتفاق أغسطس جاء بعد بدء ارتفاع الواردات
وبحسب صحيفة إيه بي سي، فإن الزيادة الكبيرة في الواردات سبقت الاتفاق النفطي الذي أُعلن عنه في نهاية أغسطس مع رجل الأعمال أليخاندرو بيتانكورت، الذي يواجه تحقيقاً قضائياً في إسبانيا.
ويتعلق الاتفاق، وفق ما أوردته الصحيفة، باستغلال 17 حقلاً نفطياً في فنزويلا لفترة تقارب قرناً.
لكن بيانات يوليو كانت قد سجلت بالفعل مستوى مرتفعاً من الواردات، ما يعني أن الاتفاق لم يكن السبب المباشر في القفزة التي ظهرت في بيانات ذلك الشهر.
ويُنتظر بالتالي أن تكشف البيانات اللاحقة عن مدى قدرة الاتفاق على تعزيز الإنتاج والصادرات الفنزويلية نحو الولايات المتحدة، وتحويل الارتفاع الحالي في التدفقات إلى علاقة نفطية أكثر استقراراً.
عودة إلى مستويات ما قبل انهيار العلاقات النفطية
تكشف المقارنة التاريخية حجم التحول بصورة أوضح، ففي يوليو 2017، كانت الولايات المتحدة تستورد نحو 655 ألف برميل يومياً من فنزويلا، بينما بلغ الرقم في يوليو 2026 نحو 701 ألف برميل يومياً.
ولم تُسجل مستويات شهرية أعلى بقليل من ذلك منذ مايو 2017، عندما بلغت الواردات نحو 708 آلاف برميل يومياً، وفق السلسلة التاريخية للبيانات الأمريكية.
لكن هذه الأرقام تبقى بعيدة عن المستويات التي كانت قائمة قبل سنوات من التراجع، فخلال تسعينيات القرن الماضي، تجاوزت الواردات الأمريكية من فنزويلا في بعض الأشهر حاجز المليون برميل يومياً، ووصلت إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً في أكتوبر 1997، بحسب البيانات التاريخية لإدارة معلومات الطاقة.
وفي أغسطس 2002، وصلت الواردات إلى نحو 1.514 مليون برميل يومياً.
من أكثر من مليون برميل إلى مستويات شبه معدومة
بدأ التراجع الطويل في العلاقة النفطية خلال عهد هوغو تشافيز، قبل أن يتعمق لاحقاً خلال حكم نيكولاس مادورو. وفي عام 2019، تسارعت وتيرة الانخفاض بشكل حاد، حيث تراجعت الواردات الأمريكية من نحو 561 ألف برميل يومياً في يناير إلى 242 ألفاً في فبراير، ثم 47 ألفاً في مارس، قبل أن تهبط إلى مستويات متدنية للغاية في الأشهر التالية.
وخلال إدارة جو بايدن، بدأت عودة تدريجية للنفط الفنزويلي إلى السوق الأمريكية. ووصلت الواردات إلى مئات الآلاف من البراميل يومياً في بعض أشهر 2024.
أما عام 2025، فقد شهد تراجعاً حاداً، قبل أن تبدأ الواردات في الارتفاع مجدداً خلال 2026.
وتظهر البيانات الرسمية أن متوسط الواردات الأسبوعية ارتفع بقوة خلال الربيع والصيف، وصولاً إلى المستويات المرتفعة التي سجلها يوليو وأغسطس وسبتمبر.
واشنطن وكاراكاس أمام مرحلة نفطية مختلفة
ويحمل هذا التحول أبعاداً تتجاوز مجرد ارتفاع أرقام الاستيراد، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يوفر الخام الفنزويلي مصدراً إضافياً للنفط، مع الاستفادة من خام ثقيل يتلاءم مع جزء مهم من قدراتها التكريرية في خليج المكسيك.
أما بالنسبة إلى فنزويلا، فإن الوصول مجدداً إلى السوق الأمريكية يعني استعادة منفذ تجاري مهم لقطاع النفط، بعد سنوات من العقوبات والتراجع الحاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، نقلت إيه بي سي عن المتحدث باسم البيت الأبيض تايلور روجرز قوله إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترى في إعادة توجيه النفط الفنزويلي نحو الولايات المتحدة خطوة تدعم زيادة الاستثمارات الخاصة وإمدادات الطاقة.
وتبقى هذه التصريحات جزءاً من الموقف السياسي للإدارة الأمريكية، فيما تؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة بصورة مستقلة الارتفاع الكبير في حجم الواردات.
هل تتحول العودة إلى علاقة نفطية طويلة الأمد؟
المؤشر الأبرز خلال المرحلة المقبلة سيكون قدرة فنزويلا على الحفاظ على مستويات الإنتاج والتصدير، ومدى استمرار الطلب الأمريكي على خامها.
فبيانات يوليو تؤكد أن النفط الفنزويلي عاد بالفعل إلى مستويات مرتفعة في السوق الأمريكية، كما تشير البيانات الأسبوعية اللاحقة إلى استمرار تدفقات كبيرة خلال أغسطس وسبتمبر.
لكن استمرار هذا الاتجاه سيتوقف على مجموعة من العوامل، من بينها الإنتاج الفنزويلي، والاستثمارات في قطاع النفط، والسياسة الأمريكية تجاه كاراكاس، إضافة إلى تطورات الأسعار العالمية وقدرة المصافي الأمريكية على استيعاب المزيد من الخام الثقيل.
وبذلك تبدو عودة النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة أكثر من مجرد زيادة مؤقتة في الشحنات؛ فهي تعيد تشكيل جزء من العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وكاراكاس، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تجارة الطاقة بين البلدين، في وقت تراقب فيه الأسواق ما إذا كانت هذه العودة ستتحول إلى مسار طويل الأمد.
اقرأ المزيد
ترامب يصطدم بحقيقة نفط فنزويلا الثقيل: تكاليف باهظة وتحديات بيئية تهدد الصفقة النفطية
دور قطر في أزمة فنزويلا: الدوحة بين الوساطة الدبلوماسية وصراع النفط الدولي
محاكمة مادورو تقترب.. تساؤلات تتصاعد حول مليارات النفط الفنزويلي تحت إدارة واشنطن

