وطن-تكشف وثائق مسرّبة، بحسب تحقيق صحفي نشر حديثاً، تفاصيل عملية واسعة استهدفت منظمات وشخصيات مسلمة في الولايات المتحدة، من خلال إعداد تقارير تتهمها بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، ثم استخدام وسائل إعلامية وسياسية ومالية للتأثير في صورتها أمام الرأي العام وصنّاع القرار.
وتشير الوثائق التي حصل عليها موقع «دروب سايت نيوز» إلى أن شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية «ألب سيرفيسز» كانت تعمل لصالح جهات إماراتية، وأنها استعانت عام 2018 بالباحث الأمريكي من أصول إيطالية لورينزو فيدينو لإعداد تقرير عن نشاط جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة.
تقرير بألفي يورو وقائمة واسعة من الأسماء
بحسب التحقيق، أرسل فيدينو في مايو/أيار 2018 تقريره إلى «ألب سيرفيسز» عبر تطبيق واتساب، إلى جانب مذكرات أخرى تناولت منظمات إسلامية في شيكاغو ومجموعات مرتبطة بالحكومة التركية.
وتظهر وثائق أخرى، وفق التحقيق، أن الأجر المقترح لإعداد التقرير بلغ نحو 2000 يورو. وشملت القائمة التي أعدها التقرير عدداً كبيراً من المنظمات والشخصيات المسلمة في الولايات المتحدة، من بينها «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية» و«الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية» و«مجلس الشؤون العامة للمسلمين» و«الجمعية الإسلامية الأمريكية» و«الإغاثة الإسلامية في الولايات المتحدة».
لكن التحقيق يقول إن التقرير لم يقدم أدلة تثبت أن الأشخاص والمنظمات الواردة في القائمة كانوا جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين أو من شبكة عابرة للحدود، رغم تقديمهم باعتبارهم جزءاً من شبكة واسعة مرتبطة بالجماعة.
وفي المقابل، قال فيدينو في تصريحات سابقة، ضمن تقارير عن علاقته بـ«ألب سيرفيسز»، إنه كان يعمل مستشاراً للشركة ولم يكن يعرف هوية العميل النهائي، مؤكداً أن عمله البحثي لم يكن، من وجهة نظره، متعارضاً مع استقلاليته.
«أرنيكا 6».. من جمع المعلومات إلى الضغط
الأكثر إثارة في الوثائق هو ما يتعلق بعملية حملت اسم «أرنيكا 6»، فبحسب التحقيق، حصلت «ألب سيرفيسز» في فبراير/شباط 2018 على الموافقة لتنفيذ خطة لم تقتصر على جمع المعلومات، بل تضمنت مجموعة من الأساليب التي تستهدف سمعة الجهات والأشخاص المدرجين في الملفات.
وتشمل الخطة، وفق الوثائق، نشر مواد إعلامية سلبية، وتقديم إحاطات إلى صحفيين من دون الكشف عن مصدرها، وإجراء تعديلات سلبية على صفحات المستهدفين في ويكيبيديا، وإرسال معلومات ضارة إلى قواعد بيانات الامتثال التنظيمي والمالي، إضافة إلى ممارسة ضغط سياسي بصورة غير معلنة.
وبذلك، لم يعد الأمر يتعلق فقط بإعداد تقرير بحثي حول جماعة أو شبكة مزعومة، وإنما بخطة متعددة المسارات يمكن أن تؤثر في السمعة والصورة الإعلامية وحتى العلاقات السياسية والمالية للجهات المستهدفة.
شركة إماراتية تظهر في قلب العملية
وتشير الوثائق، بحسب التحقيق، إلى أن المواد التي أعدها فيدينو جرى تطويرها لاحقاً داخل «ألب سيرفيسز» في صورة تقرير موجه إلى شركة إماراتية تحمل اسم «أرياف للدراسات والأبحاث». كما جمعت الشركة ملفاً منفصلاً لاجتماع عُقد في أغسطس/آب 2018 مع مسؤول إماراتي ظهر في الوثائق باعتباره جهة اتصال للعميل في عملية «أرنيكا».
ولم تستجب «ألب سيرفيسز» ولا فيدينو، وفق التحقيق، لطلبات التعليق، كما لم ترد وزارة الخارجية الإماراتية على الأسئلة التي وجهها إليها الموقع بشأن الوثائق.
من الملفات الأوروبية إلى الساحة الأمريكية
ولا تأتي هذه الوثائق بمعزل عن تحقيقات سابقة حول أنشطة «ألب سيرفيسز» وعلاقتها بجهات إماراتية، فقد كشفت تحقيقات صحفية سابقة عن استخدام الشركة لمعلومات وتقارير وأسماء مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في حملات استهدفت أفراداً ومنظمات في أوروبا، كما ظهر اسم لورينزو فيدينو في ملفات تلك التحقيقات.
وفي إحدى القضايا الأمريكية المرتبطة برجل الأعمال حازم ندى، تتضمن وثائق الدعوى ادعاءات بأن «ألب سيرفيسز» استخدمت معلومات مرتبطة بعمل فيدينو لإضفاء قدر من المصداقية الأكاديمية على بعض المواد التي كانت تستخدم ضد أهدافها. وهذه تبقى ادعاءات واردة في ملف قضائي، وليست حكماً قضائياً يثبت جميع ما ورد فيها.
الحملة لم تبقَ في أرشيف 2018
وتكتسب الوثائق أهمية إضافية بسبب ظهور بعض الأفكار التي تناولتها في نقاش سياسي أمريكي حديث. ففي 5 أغسطس/آب 2026 عقدت اللجنة الفرعية للمحاكم الفيدرالية والرقابة وحقوق الولايات في مجلس الشيوخ الأمريكي جلسة بعنوان «المختفي على مرأى من الجميع: مواجهة شبكة الإخوان المسلمين في أمريكا»، وشارك فيها ثلاثة شهود، بينهم لارا بيرنز، الباحثة في برنامج مكافحة التطرف بجامعة جورج واشنطن.
وتناولت الجلسة مزاعم بشأن وجود شبكة مرتبطة بالإخوان المسلمين داخل الولايات المتحدة، بينما قدم المشاركون مواقف مختلفة بشأن طبيعة هذه الروابط ومدى انتشارها.
كما استندت بعض الشهادات إلى أعمال لورينزو فيدينو، ما يعيد فتح النقاش حول الكيفية التي يمكن بها لبحوث أو تقارير أُعدت قبل سنوات أن تنتقل لاحقاً إلى المجال السياسي وتصبح جزءاً من النقاش حول منظمات وشخصيات مسلمة داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، قاطع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الجلسة، وقالوا إن الطريقة التي عولج بها الملف تستهدف المجتمع المسلم وتؤجج المخاوف منه، وهو ما يعكس الانقسام السياسي الأمريكي حول كيفية التعامل مع هذه القضية.
تحقيق أمني أم حملة تأثير؟
تطرح الوثائق سؤالاً يتجاوز مضمون التقارير نفسها: أين تنتهي عملية البحث وجمع المعلومات، وأين تبدأ حملة التأثير السياسي والإعلامي؟ فالوثائق التي نقلها التحقيق تشير إلى انتقال العملية من إعداد قوائم وتقارير عن منظمات وشخصيات إلى اقتراح وسائل للتأثير في صورتها، من الإعلام وويكيبيديا إلى قواعد البيانات والضغط السياسي.
لكن في المقابل، فإن مجرد ورود منظمة أو شخصية في هذه الملفات لا يثبت بحد ذاته ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، كما أن الاتهامات الواردة في التقارير لا تصبح حقائق لمجرد إعادة استخدامها في سجالات سياسية لاحقة.
وهنا تكمن أهمية الوثائق الجديدة: فهي لا تكشف فقط عن مضمون الاتهامات التي وُجهت إلى منظمات مسلمة أمريكية، بل تفتح أيضاً نقاشاً حول الجهات التي تقف وراء جمع هذه المعلومات، والطرق التي يمكن أن تنتقل بها من ملف استخباراتي أو بحثي إلى الإعلام والسياسة وصناعة الرأي العام.
اقرأ المزيد
الإمارات والمسلمون في أوروبا.. هل تقود أبوظبي حملة لتشويه صورة الإسلام؟
هل تستثمر أبوظبي في صعود الخطاب المعادي للمسلمين في أوروبا؟ تحقيق جديد يثير الجدل

