وطن-قد نستيقظ أحياناً في منتصف الليل بعد حلم مخيف، مع تسارع ضربات القلب وشعور حقيقي بالخوف، قبل أن ندرك أننا كنا نائمين. لكن لماذا نرى الكوابيس؟ وهل ترتبط فعلاً بما نعيشه من توتر وضغوط خلال النهار؟
على الرغم من التقدم الكبير الذي حققه العلم في فهم النوم والأحلام، لا تزال الكوابيس تحمل جانباً من الغموض. فالعلماء تمكنوا من تحديد بعض الآليات الدماغية والعوامل التي قد تزيد احتمال ظهورها، لكن السؤال الأكبر حول سبب وجودها ووظيفتها لا يزال موضع نقاش بين الباحثين.
لماذا تبدو الكوابيس حقيقية إلى هذا الحد؟
تحدث غالبية الكوابيس خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي يكون فيها الدماغ نشطاً بدرجة كبيرة، على نحو يشبه بعض جوانب نشاطه أثناء اليقظة.
وخلال هذه المرحلة تنشط مناطق دماغية مرتبطة بالعاطفة والذاكرة، ولا سيما اللوزة الدماغية والحُصين. وترتبط اللوزة بمعالجة المشاعر، وخصوصاً الخوف، بينما يؤدي الحُصين دوراً أساسياً في الذاكرة ومعالجة المعلومات المرتبطة بالمكان.
في المقابل، تنخفض نشاطات أجزاء من القشرة الجبهية الأمامية المرتبطة بالتفكير المنطقي والحكم النقدي. وقد يساعد ذلك في تفسير سبب تقبلنا أثناء الحلم لأحداث غير منطقية أو مستحيلة وكأنها حقيقية.
وبعبارة أخرى، قد يكون الدماغ أثناء الكابوس في حالة تسمح للمشاعر والذكريات بالظهور بقوة، بينما يكون الجزء المسؤول عن التشكيك في منطق الأحداث أقل نشاطاً.
التوتر.. أحد أبرز العوامل المرتبطة بالكوابيس
يُعد التوتر من أكثر العوامل التي يمكن أن تزيد احتمال التعرض للأحلام المزعجة. فعندما يمر الإنسان بفترة ضغط نفسي مستمر، ترتفع مستويات هرمونات مرتبطة باستجابة الجسم للتوتر، ومنها الكورتيزول.
وفي الظروف الطبيعية، يفترض أن تساعد مرحلة نوم حركة العين السريعة في معالجة الانفعالات والتخفيف من آثار التوتر. لكن عندما يكون الجسم في حالة تأهب مستمرة، قد تتداخل هذه العملية مع النوم، فتزداد حدة الأحلام المزعجة لدى بعض الأشخاص.
وقد يستيقظ الشخص من الكابوس وهو يعاني من تسارع ضربات القلب أو التعرق أو شعور قوي بالخوف، لأن الجسم قد يتفاعل مع محتوى الحلم كما لو أنه يواجه تهديداً حقيقياً.
عندما تتحول الذكريات المؤلمة إلى كوابيس
تظهر العلاقة بين الكوابيس والذاكرة بصورة أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ففي هذه الحالات قد تتكرر الأحلام المرتبطة بالحدث الصادم، وأحياناً تعيد إنتاج أجزاء منه بصورة شديدة الواقعية.
ويشير تفسير عصبي إلى أن منظومة الاستجابة للتهديد قد تظل شديدة النشاط لدى الأشخاص الذين يعانون من الصدمة، ما يجعل استدعاء ذكرى مؤلمة أثناء النوم مصحوباً باستجابة خوف قوية.
كما يمكن لبعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب، أن ترتبط بزيادة الأحلام المزعجة، في حين قد تؤثر بعض الأدوية المضادة للاكتئاب في طبيعة الأحلام أو في مرحلة نوم حركة العين السريعة.
هل يمكن أن تكون وجبة العشاء سبباً في الكابوس؟
لا ترتبط الكوابيس دائماً بالتوتر أو الاضطرابات النفسية. فقد تؤثر بعض العوامل الجسدية أيضاً في تجربة النوم. وتشير المادة التي نشرها «بوبليكو» إلى دراسة أجريت عام 2015 وشملت 396 طالباً جامعياً، بحثت في العلاقة بين العادات الغذائية والأحلام المزعجة. وطرحت الدراسة احتمال ارتباط بعض الأطعمة التي قد تسبب اضطرابات هضمية، مثل منتجات الألبان أو الأطعمة الحارة، بزيادة احتمال تذكر الأحلام المزعجة.
والتفسير المحتمل هو أن عسر الهضم أو الانتفاخ أو الارتجاع قد يؤدي إلى استيقاظات قصيرة ومتكررة أثناء النوم، ما يجعل الشخص أكثر قدرة على تذكر الحلم الذي كان يراوده.
لكن ذلك لا يعني أن تناول طعام معين يؤدي حتماً إلى حدوث كابوس، إذ تبقى العلاقة أكثر تعقيداً وتتداخل فيها عوامل النوم والحالة النفسية والجسدية.
لماذا نرى الكوابيس أصلاً؟
هنا يصل العلم إلى واحدة من أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام: هل للكوابيس وظيفة مفيدة، أم أنها مجرد نتيجة جانبية لطريقة عمل الدماغ أثناء النوم؟
من بين النظريات المعروفة نظرية محاكاة التهديدات التي طرحها الفيلسوف الفنلندي أنتي ريفونسو. ووفق هذه الفكرة، قد يعمل الحلم وكأنه محاكاة افتراضية لمواقف خطرة، بما يسمح للدماغ بالتدرب على التعرف إلى التهديدات والتعامل معها في بيئة آمنة.
وطوّر ريفونسو لاحقاً تصوراً يتعلق بالمخاطر الاجتماعية أيضاً، إذ يمكن أن تتضمن الأحلام المزعجة مواقف مثل الرفض أو فقدان شخص عزيز أو التعرض للإهانة أو الدخول في صراع.
وبحسب هذه الرؤية، قد تكون بعض الأحلام المزعجة نوعاً من التدريب الدماغي على التعامل مع الأخطار المحتملة.
نظرية أخرى: الكابوس قد يكون فشلاً في تنظيم المشاعر
لكن هذه الفكرة ليست محل إجماع. فهناك باحثون يرون أن البحث عن وظيفة تطورية مباشرة للكوابيس قد يكون مبالغاً فيه.
ويرتبط أحد هذه التصورات بأعمال عالم الأعصاب ماثيو ووكر، الذي يرى أن وظيفة نوم حركة العين السريعة قد تكون مرتبطة بمعالجة التجارب العاطفية والتخفيف من تأثيرها النفسي.
وبحسب هذا التصور، قد لا تكون الكوابيس نفسها آلية مفيدة تطورت بهدف تدريب الإنسان على مواجهة المخاطر، بل قد تظهر عندما تصبح الحمولة العاطفية، الناتجة عن التوتر أو الصدمات، أكبر من قدرة نظام تنظيم المشاعر أثناء النوم.
متى تستحق الكوابيس الانتباه؟
رؤية كابوس من حين إلى آخر أمر شائع ولا تعني بالضرورة وجود مشكلة صحية. لكن عندما تصبح الكوابيس متكررة جداً، أو تؤدي إلى الخوف من النوم، أو تسبب الاستيقاظ المتكرر والإرهاق خلال النهار، فقد يكون من المفيد البحث عن السبب.
وقد تكون الكوابيس المتكررة مرتبطة بحالة من التوتر أو القلق، أو بتجارب صادمة سابقة، أو باضطرابات في النوم أو الصحة النفسية. وفي هذه الحالات، يكون التعامل مع السبب الأساسي أهم من محاولة تجاهل الكابوس نفسه.
وتشير مصادر طبية ونفسية إلى أن تحسين عادات النوم، وتقليل التوتر، وممارسة النشاط البدني، ومعالجة المشكلات النفسية عند وجودها، يمكن أن تساعد في التعامل مع الأحلام المتكررة. أما الكوابيس المرتبطة بصدمات نفسية، فقد تحتاج إلى تقييم ومساعدة من مختص.
وفي النهاية، لا تزال الكوابيس واحدة من المناطق التي تكشف مدى تعقيد الدماغ البشري. فالحلم المخيف قد يكون انعكاساً للتوتر، أو استدعاءً لذكرى مؤلمة، أو نتيجة لتداخل العمليات العاطفية والذاكرة أثناء النوم، بينما لا يزال السؤال حول وظيفته التطورية مفتوحاً أمام العلم.
قد يعجبك
عادة قديمة تعود بقوة.. هل تمنحك ورقة الغار نومًا أكثر هدوءًا؟
لماذا تترك بعض النساء أزواجهن بعد الأربعين؟ أسباب صامتة تقود إلى الانفصال رغم استمرار الحب..
لماذا لا ينصح خبراء النوم بإغلاق الستائر تماماً أثناء الليل؟
إضاءة الليل تهدد جودة النوم.. دراسات تحذر من اضطراب الساعة البيولوجية وتراجع تعافي الجسم

