وطن-تتسابق الشركات لتوظيف الروبوتات والذكاء الاصطناعي في المصانع والمستودعات ومراكز التوزيع، لكن وراء العروض التقنية المبهرة سؤال اقتصادي حاسم: هل تستطيع هذه الآلات إنجاز العمل بتكلفة أقل من العمالة البشرية؟ تشير تقديرات متباينة إلى أن الإجابة لا تتوقف على سعر شراء الروبوت، بل على عدد الساعات التي يعمل خلالها بكفاءة، وقدرته على أداء المهام بصورة موثوقة دون توقف أو تدخل بشري متكرر.
ووفقاً لما أورده موقع «فينتشر بيت» المتخصص في التكنولوجيا، تتراوح تقديرات تكلفة تشغيل الروبوتات بين دولارين في الساعة، وفق حسابات لشركة «رولاند بيرغر»، و10 إلى 12 دولاراً بحسب تقديرات «جي بي مورغان»، فيما تتجاوز التكلفة في بعض التجارب الصناعية المبكرة 35 دولاراً في الساعة.
ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة تناقضاً في التقديرات، بقدر ما تكشف اختلاف طرق احتساب التكلفة والظروف التشغيلية. فبعض الحسابات تركز على نفقات التشغيل المباشرة، بينما تشمل حسابات أخرى المعدات والصيانة والدمج التقني والإشراف البشري.
وتكمن المسألة الأساسية في مقدار العمل الفعلي الذي يستطيع الروبوت إنجازه داخل بيئة تشغيل حقيقية. فالشركات لا تحتاج إلى آلة منخفضة التكلفة على الورق فحسب، بل إلى نظام قادر على العمل باستمرار وسط ظروف متغيرة، دون أن تتحول أعطاله أو حاجته إلى التدخل البشري إلى مصدر إضافي للنفقات.
ساعات التشغيل تحدد التكلفة الحقيقية للروبوتات
لا يكفي معرفة سعر الروبوت لتحديد جدواه الاقتصادية، إذ يتطلب الحساب توزيع تكلفة شرائه أو استئجاره على ساعات العمل المنتجة طوال عمره التشغيلي، مع إضافة نفقات الطاقة والصيانة والبرمجيات والدمج والإشراف. وكلما زادت ساعات العمل الفعلية، انخفضت تكلفة الساعة الواحدة، في حين يؤدي التوقف المتكرر أو الاستخدام المحدود إلى رفع التكلفة الحقيقية، حتى لو كان سعر شراء الجهاز منخفضاً نسبياً.
وفي هذا السياق، تشمل تقديرات «رولاند بيرغر» البالغة دولارين في الساعة تكاليف الطاقة والبرمجيات والشبكات والصيانة المجدولة، لكنها لا تشمل شراء الروبوت أو استئجاره. ولذلك، لا يمثل هذا الرقم التكلفة الكاملة لنشر الروبوت وتشغيله داخل منشأة صناعية.
وتوضح الحسابات أن روبوتاً تبلغ تكلفته 90 ألف دولار، ويُستهلك على مدى خمس سنوات بمعدل تشغيل يبلغ ألفي ساعة سنوياً، يضيف نحو تسعة دولارات إلى تكلفة كل ساعة تشغيل، مقابل المعدات وحدها. ومع احتساب الصيانة والنفقات الأخرى، قد تقترب التكلفة الإجمالية من 12 دولاراً في الساعة.
أما إذا انخفض التشغيل إلى ألف ساعة سنوياً، فستتضاعف تكلفة المعدات لكل ساعة منتجة تقريباً. ويعني ذلك أن الروبوت نفسه قد يكون مجدياً اقتصادياً في منشأة تعمل على مدار ورديتين، لكنه يصبح أكثر تكلفة في منشأة لا تحتاج إليه إلا خلال فترات محدودة.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند تقييم الروبوتات البشرية الشكل، إذ تشير تقديرات «جي بي مورغان» الواردة في التقرير إلى أن تحقيق إنتاجية تعادل إنتاجية عامل بشري واحد قد يتطلب روبوتين في بعض التطبيقات الحالية، وهو ما قد يرفع التكلفة الفعلية للعمل المنجز. وبالتالي، لا يكمن التحدي في خفض تكلفة تشغيل الآلات وحدها، بل في زيادة إنتاجيتها وساعات استخدامها بالتزامن، حتى تتمكن من منافسة العمالة البشرية من الناحية الاقتصادية.
شركة «أجيليتي روبوتيكس» تكشف الفجوة بين الإيرادات والتكاليف
تقدم شركة «أجيليتي روبوتيكس»، المطورة للروبوت البشري الشكل «ديجيت»، مثالاً على التحديات الاقتصادية التي تواجه هذا القطاع. ووفقاً لما نقله «فينتشر بيت» عن ملف إفصاح قدمته الشركة قبل اندماجها مع «تشرشل كابيتال كورب 11»، سجلت روبوتاتها أكثر من 65 ألف ساعة عمل في تسعة مواقع لعملاء، من بينهم شركة «جي إكس أو» وشركة «شافلر» وشركة «تويوتا موتور مانوفاكتشرينغ كندا».
لكن البيانات المالية الواردة في الملف أظهرت أن الشركة حققت مبيعات صافية بلغت 1.78 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل خسارة تشغيلية وصلت إلى 140.2 مليون دولار. كما كشف الملف عن طلبات بقيمة 300 مليون دولار من عميل واحد، مرتبطة بتحقيق مراحل محددة.
وتوضح هذه الأرقام الفارق بين الاهتمام التجاري بالروبوتات والقدرة على تحويل هذا الاهتمام إلى إيرادات مستدامة، مع ضرورة التمييز بين قيمة الطلبات المتوقعة والإيرادات المحققة فعلياً.
ويعرض الملف كذلك نموذجاً لتكلفة الجيل التالي من روبوتات الشركة، تبلغ قيمته نحو 400 ألف دولار على مدى خمس سنوات من التشغيل. وعند تشغيل الروبوت ألفي ساعة سنوياً، تصل التكلفة إلى نحو 40 دولاراً لكل ساعة في وردية واحدة، وتنخفض إلى قرابة 20 دولاراً عند تشغيله في ورديتين، وفق الحسابات الواردة في التقرير.
وبمقارنة هذه التكاليف بمعيار تقديري لتكلفة العامل البشري يبلغ 30 دولاراً في الساعة، فإن الروبوت يحتاج إلى العمل أكثر من 2700 ساعة سنوياً حتى تصبح تكلفته أقل من هذا المعيار، وفق الافتراضات المستخدمة في الحساب.
وتكشف هذه المقارنة أن الجدوى الاقتصادية لا ترتبط بالتقدم التقني وحده، بل بقدرة الشركة على إبقاء الروبوتات قيد التشغيل لفترات أطول، وتقليل الأعطال، وتجنب تكاليف التدخل البشري المتكرر.
لماذا تفشل بعض الروبوتات في تحقيق الجدوى داخل المصانع؟
تختلف بيئة المصنع أو المستودع عن المختبر الذي تُختبر فيه الروبوتات. ففي البيئات التجريبية، تكون الظروف غالباً مضبوطة، والمهام محددة، والعناصر المحيطة معروفة مسبقاً. أما في مواقع العمل الحقيقية، فقد تتغير مواقع المعدات، أو تصل الصناديق بأشكال غير متوقعة، أو تعترض حركة الروبوت عوائق مفاجئة، أو تتبدل طبيعة المهمة خلال اليوم. وقد يؤدي أي تغيير من هذه التغييرات إلى تعطيل النظام أو الحاجة إلى تدخل بشري لمعالجة المشكلة.
ويشير «فينتشر بيت» إلى أن الفجوة بين الأداء في العروض التجريبية والقدرة على الإنتاج المستمر تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام الذكاء الاصطناعي المادي، الذي يجمع بين البرمجيات والأنظمة الذكية والآلات القادرة على تنفيذ أعمال في العالم الحقيقي. فالروبوت الذي يحتاج إلى مهندس في كل مرة تتغير فيها ظروف العمل لا يمثل بالضرورة بديلاً اقتصادياً مستقلاً عن الإنسان، بل قد يتحول إلى مشروع دمج وصيانة مستمر يرفع النفقات التشغيلية.
ولهذا، تتجاوز معايير النجاح قدرة الروبوت على تنفيذ مهمة واحدة بصورة مثالية، لتشمل استمرارية الأداء، والتعامل مع الاستثناءات، والانتقال بين المهام، وتقليل فترات التوقف، والعمل بأقل قدر ممكن من الإشراف البشري.
وتكتسب هذه المعايير أهمية خاصة لدى الشركات التي تفكر في نشر أعداد كبيرة من الروبوتات، إذ إن أي خلل في الموثوقية قد يتحول إلى خسارة متكررة على امتداد أسطول كامل من الآلات.
نموذج «العمالة كخدمة» يغير طريقة حساب الأرباح
بدلاً من بيع الروبوتات باعتبارها معدات تشتريها الشركات وتتحمل تكاليف تشغيلها، تتجه بعض نماذج الأعمال إلى تقديم ما يُعرف بـ«العمالة كخدمة»، حيث يدفع العميل مقابل إنجاز مهمة محددة، مثل نقل المنصات أو تفريغ الشاحنات أو إيصال القطع إلى خطوط التجميع أو فرز الطرود.
في هذا النموذج، لا يحتاج العميل بالضرورة إلى شراء المعدات أو تحمل كامل مخاطر إدخال تقنية جديدة، بل يشتري نتيجة تشغيلية محددة، بينما يتولى مقدم الخدمة جانباً أكبر من مسؤوليات النشر والصيانة والبرمجيات وضمان استمرارية التشغيل.
ويغير هذا النموذج طبيعة المنافسة بين شركات الروبوتات، إذ تصبح الإيرادات مرتبطة بالعمل المنجز فعلياً، وليس بمجرد بيع الأجهزة أو توقيع العقود.
كما يفرض على مزودي الخدمة تحسين استخدام الروبوتات وتقليل فترات توقفها، لأن انخفاض الإنتاجية ينعكس مباشرة على تكلفة تنفيذ المهام وقدرة الشركة على تحقيق الأرباح.
أما الشركات المستفيدة، فعليها مقارنة تكلفة الخدمة بالتكلفة الإجمالية لإنجاز العمل باستخدام العمالة البشرية، بما يشمل الأجور الإضافية، وصعوبات التوظيف، ودوران العمالة، والوظائف الشاغرة، ومخاطر السلامة، والخسائر الناتجة عن تعطل الإنتاج.
وقد تكون الروبوتات أكثر جاذبية في المهام المتكررة أو الشاقة أو الخطرة، خصوصاً عندما تواجه الشركات صعوبة في استقطاب العمال أو الاحتفاظ بهم. لكن ذلك لا يعني أن الأتمتة تحقق وفورات في جميع الوظائف أو القطاعات، إذ تختلف النتائج باختلاف طبيعة العمل وظروف التشغيل.
لماذا تبدأ الشركات بمهام محددة بدلاً من روبوت يفعل كل شيء؟
رغم أن تطوير روبوت بشري الشكل قادر على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام يمثل أحد الطموحات الرئيسية للصناعة، فإن الوصول إلى انتشار تجاري واسع قد يبدأ من تطبيقات أكثر تحديداً. وتتمثل الفكرة في اختيار مهمة متكررة ضمن بيئة تسمح بتشغيل الروبوت بصورة موثوقة، مع وجود حاجة اقتصادية واضحة إلى أتمتتها. وقد تشمل هذه المهام نقل المواد داخل المستودعات، أو تغذية خطوط الإنتاج، أو مناولة القطع في مصانع السيارات، أو نقل البضائع في مراكز التوزيع.
ويمنح التركيز على مهمة محددة الشركات فرصة لاختبار أداء الروبوت في ظروف حقيقية، وجمع البيانات اللازمة لتحسين قدراته، قبل الانتقال إلى أعمال أكثر تعقيداً. ومع تكرار عمليات النشر، تستطيع الأنظمة جمع معلومات عن اختلافات بيئات العمل والأعطال والاستثناءات التي يصعب محاكاتها بالكامل داخل المختبرات. ويمكن الاستفادة من هذه البيانات لتحسين أداء الروبوتات وزيادة موثوقيتها وتوسيع نطاق المهام التي تستطيع تنفيذها.
وإذا أدى هذا التحسن إلى زيادة ساعات التشغيل وتقليل الحاجة إلى التدخل البشري، فقد تنخفض تكلفة المهمة الواحدة تدريجياً، ما يفتح المجال أمام نشر الروبوتات في تطبيقات إضافية. لكن هذا المسار ليس مضموناً بصورة تلقائية؛ إذ يعتمد على جودة البيانات، وكفاءة الأنظمة، وطبيعة المهام، وقدرة الشركات على تحويل التحسينات التقنية إلى مكاسب تشغيلية قابلة للقياس.
سوق بمليارات الدولارات.. لكن النجاح لن يُقاس بعدد الروبوتات
تفتح الروبوتات والذكاء الاصطناعي المادي المجال أمام تغيير واسع في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والتخزين، حيث يمكن للأتمتة أن تساعد على زيادة الإنتاجية وتحسين السلامة وتقليل الاعتماد على بعض الأعمال المتكررة. غير أن حجم الفرصة الاقتصادية لا يعني أن جميع الشركات العاملة في القطاع ستتمكن من تحقيق الأرباح، أو أن الروبوتات ستتفوق على العمالة البشرية في جميع التطبيقات.
فالمعيار الحاسم يتمثل في مقدار العمل المفيد الذي تنجزه الآلات، والتكلفة الكاملة لهذا العمل، ومدى قدرتها على الأداء بصورة مستقرة في بيئات الإنتاج الفعلية. ووفقاً للتحليل الذي نشره «فينتشر بيت»، قد تكون الشركات الأكثر قدرة على تحقيق النجاح هي تلك التي تركز على الانضباط التشغيلي والمهام ذات العائد الواضح، بدلاً من الاكتفاء بعرض قدرات تقنية لافتة أو التوسع السريع في بيع الأجهزة.
في النهاية، لا يكفي أن يكون الروبوت متطوراً أو منخفض السعر حتى يصبح استثماراً مربحاً. فالجدوى الحقيقية تبدأ عندما يستطيع العمل لساعات كافية، وإنجاز مهام مفيدة بموثوقية، وتقليل التكاليف دون أن تلتهم الصيانة والتوقفات والإشراف البشري الوفورات المتوقعة. وهنا يتحدد مستقبل ثورة الذكاء الاصطناعي المادي: ليس بعدد الروبوتات التي تدخل المصانع والمستودعات، بل بقدرتها على التحول إلى قوة عمل منتجة ومستدامة اقتصادياً.
قد يعجبك
مايكروسوفت تكشف عن «سيرفس لابتوب ألترا» بمعالج إنفيديا لمنافسة «ماك بوك برو» في الذكاء الاصطناعي
قادة الذكاء الاصطناعي يحذرون من فقدان السيطرة.. دعوة أممية لقواعد تمنع «الروبوتات القاتلة»

