وطن-دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من الجدل الدولي، بعدما دعا رؤساء شركات تقنية كبرى إلى وضع ضوابط وقواعد دولية واضحة للتعامل مع التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، محذرين من أن سوء إدارتها قد يحولها من أداة للابتكار والتقدم إلى مصدر خطر على البشرية والأمن العالمي.
وخلال جلسة أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، شارك فيها عدد من أبرز قادة قطاع الذكاء الاصطناعي، برزت تحذيرات من أن القدرات المتزايدة للأنظمة الذكية قد تتجاوز في مرحلة ما قدرة البشر على التحكم فيها، ما يفرض، بحسب المشاركين، ضرورة التحرك قبل أن يصبح تنظيمها أكثر صعوبة.
أمودي: الذكاء الاصطناعي قد يصبح خطراً على البشرية
حذّر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، من أن الذكاء الاصطناعي إذا أُدير بصورة خاطئة يمكن أن يشكل خطراً واسع النطاق على البشرية.
وجاء تحذيره في وقت تتسابق فيه الشركات على تطوير أنظمة أكثر قدرة على التحليل والاستدلال وتنفيذ المهام المعقدة، بينما لا تزال الحكومات والمنظمات الدولية تبحث عن آليات قادرة على مواكبة هذه السرعة.
ويرى قادة القطاع أن التعامل مع المخاطر المحتملة لا يمكن أن يقتصر على الشركات المطورة للتكنولوجيا، بل يحتاج إلى إطار دولي يحدد المسؤوليات ويضع حدوداً واضحة للاستخدامات الأكثر حساسية.
ألتمان: قد نفقد السيطرة على المستقبل
من جانبه، حذّر الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، سام ألتمان، من احتمال أن يفقد البشر السيطرة على مستقبلهم لصالح أنظمة الذكاء الاصطناعي إذا لم تُوضع الضمانات المناسبة.
وتكتسب تصريحات ألتمان أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تؤديه شركته في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها أنظمة قادرة على إنتاج النصوص وتحليل المعلومات وتنفيذ سلسلة من المهام المعقدة.
ولا يتعلق النقاش، وفق الطرح الذي ظهر خلال جلسة مجلس الأمن، بالتطور التقني في حد ذاته، وإنما بكيفية ضمان بقاء القرارات ذات التأثير الخطير تحت رقابة بشرية فعالة.
من يسيطر على قوة الذكاء الاصطناعي؟
من أبرز المخاوف التي طُرحت خلال الاجتماع خطر تركّز القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي في يد شركة واحدة أو دولة واحدة. ويحذر مؤيدو وضع قواعد دولية من أن امتلاك جهة محدودة لقدرات حاسوبية وأنظمة متقدمة بصورة تفوق بقية الأطراف يمكن أن يؤدي إلى اختلالات كبيرة في موازين القوة، سواء في الاقتصاد أو الأمن أو المجال العسكري.
ولهذا يبرز داخل النقاش الدولي سؤال آخر لا يقل أهمية عن سؤال السلامة التقنية: من يملك الحق في التحكم في هذه القدرات، ومن يحدد الحدود التي لا ينبغي تجاوزها؟ فكلما أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً باستقلالية أكبر، أصبح تحديد المسؤولية عن قراراتها واستخداماتها أكثر أهمية.
عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى ساحة الحرب
لم يعد القلق الدولي من الذكاء الاصطناعي مرتبطاً فقط بسوق العمل أو الاقتصاد أو الخصوصية، إذ تتزايد المخاوف بشأن استخدامه في المجالات العسكرية والأمنية.
وجاء اجتماع مجلس الأمن بعد تحذيرات للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن ما يعرف بـ«الروبوتات القاتلة»، في إشارة إلى أنظمة الأسلحة الذاتية التي يمكن أن تتخذ قرارات تتعلق بالاستهداف من دون تدخل بشري مباشر أو مع تدخل بشري محدود. وتثير هذه الأنظمة سؤالاً بالغ الحساسية: هل يمكن السماح لآلة بتحديد هدف عسكري واتخاذ قرار قد يؤدي إلى وفاة إنسان؟
ويرى داعمو التنظيم الدولي أن الإجابة لا يمكن تركها للتطور التقني وحده، لأن آثار استخدام هذه الأنظمة قد تتجاوز حدود الدول وتؤثر في الأمن والسلم الدوليين.
مجلس الأمن يبحث حدود التدخل
ناقشت جلسة مجلس الأمن عدداً من الأسئلة التي أصبحت أكثر إلحاحاً مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي: هل ينبغي فرض قيود على بعض القدرات المتقدمة؟ ومن الجهة التي يجب أن تضع هذه القيود؟ وكيف يمكن تطبيقها على شركات تعمل في دول مختلفة؟ ومتى يجب أن يبدأ التدخل الدولي؟
وتزداد صعوبة هذه الأسئلة بسبب سرعة تطور التكنولوجيا مقارنة بسرعة صياغة القوانين والاتفاقيات الدولية. فما كان قبل سنوات مجرد تصور مستقبلي أصبح اليوم جزءاً من الاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي، فيما تتوسع قدراته في التحليل والتنبؤ والأتمتة واتخاذ القرارات.
من الابتكار إلى قضية أمن دولي
تكشف المناقشات داخل الأمم المتحدة عن تحول تدريجي في طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان النقاش يتركز أساساً على فوائده الاقتصادية وقدرته على تحسين الإنتاج والخدمات، أصبح الأمن الدولي وإدارة المخاطر جزءاً أساسياً من مستقبل هذه التكنولوجيا.
ولا يعني ذلك أن المجتمع الدولي يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطراً بحد ذاته، بل إن جوهر النقاش يتمحور حول كيفية ضمان استخدامه بطريقة آمنة ومسؤولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأسلحة والأمن القومي والقرارات التي يمكن أن تؤثر في حياة البشر.
وبينما تدفع الشركات نحو تطوير أنظمة أكثر قوة وقدرة، تحاول الحكومات والمنظمات الدولية اللحاق بالتطور عبر وضع قواعد تضمن عدم تحول السباق التكنولوجي إلى سباق يصعب التحكم في نتائجه.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة هو: كيف يمكن للبشر الاستفادة من القدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مع ضمان بقاء القرارات المصيرية، وخصوصاً تلك المرتبطة بالحياة والموت، تحت مسؤولية الإنسان ورقابته؟
فالجدل داخل مجلس الأمن يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه قضية تقنية إلى ملف يرتبط مباشرة بمستقبل الأمن والسلم الدوليين، في وقت لا تزال فيه الدول تبحث عن صيغة توازن بين الابتكار والرقابة، وبين المنافسة التكنولوجية والحاجة إلى قواعد مشتركة.
قد يعجبك
ترامب يتحدى مخاوف العلماء: لا قيود على الذكاء الاصطناعي.. والصين هي الخطر
حل الذكاء الاصطناعي مسألة رياضية عمرها 350 عامًا بكتابة أطول برهان على الإطلاق
من غزة إلى العالم.. منظمات حقوقية تحذر من تحويل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح يقرر من يعيش ومن يموت
استقالة مفاجئة لمدير مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بعد 3 أشهر من تعيينه

