وطن-في أقصى جنوب الأرجنتين، حيث تمتد الغابات والجبال والبحيرات، تعيد حرائق باتاغونيا فتح النقاش حول الأرض والثروات والسيادة، بالتزامن مع تعزيز الرئيس خافيير ميلي علاقات بلاده بإسرائيل. وبينما يستحضر الجدل تصورات تاريخية عن إقامة وطن قومي لليهود خارج فلسطين، يبرز سؤال أساسي: أين تنتهي الوقائع التاريخية، وأين تبدأ الروايات التي لا تسندها أدلة؟
من «الدولة اليهودية» إلى فلسطين
تعود جذور الحكاية إلى عام 1896، حين نشر تيودور هرتزل كتابه «الدولة اليهودية»، عارضاً تصوره لإقامة كيان سياسي يهودي، ومشيراً إلى فلسطين والأرجنتين بوصفهما خيارين محتملين. وجاء ذلك في سياق بحث الحركة الصهيونية الناشئة عن مكان لإقامة وطن قومي لليهود، وسط تصاعد معاداة السامية في أوروبا.
وفي أغسطس/آب 1897، انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، وأقر برنامجاً هدفه إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين، وفق ما يورده التاريخ الرسمي للحركة الصهيونية. وبذلك، تركز المشروع السياسي الصهيوني على فلسطين، فيما لم تتحول الأرجنتين إلى بديل معتمد لإقامة الدولة.
لكن الإشارة التاريخية إلى الأرجنتين ظلت حاضرة في نقاشات لاحقة، وأصبحت أساساً لروايات تتحدث عن مخطط سري لإقامة دولة يهودية في باتاغونيا، وهي روايات لا يثبتها مجرد ورود الأرجنتين ضمن الخيارات التي ناقشها هرتزل.
باتاغونيا في قلب السياسة الأرجنتينية
تكتسب هذه الحكاية اهتماماً جديداً في ظل التحول السياسي الذي تشهده الأرجنتين بقيادة الرئيس خافيير ميلي، المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، والذي عزز علاقاته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي سبتمبر/أيلول 2026، عقد ميلي لقاءً مع نتنياهو في نيويورك، وفق بيان رسمي للرئاسة الأرجنتينية، في مؤشر على استمرار التقارب السياسي بين البلدين.
غير أن هذا التقارب، مهما بلغت درجته، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود مشروع لإقامة كيان يهودي في باتاغونيا. كما أن الاهتمام بالاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والسياحة لا يثبت وجود صلة بين تلك الاستثمارات وبين التصورات الصهيونية التي طُرحت في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فإن اتساع النقاش حول ملكية الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية يجعل المنطقة محوراً حساساً في الجدل بشأن السيادة والعدالة الاجتماعية ومستقبل المجتمعات المحلية.
حرائق باتاغونيا بين الكارثة والاتهامات
أعادت الحرائق التي شهدتها أجزاء من باتاغونيا، ولا سيما في مقاطعة تشوبوت، تسليط الضوء على هشاشة المناطق الطبيعية أمام الكوارث، وعلى الخلافات السياسية المتعلقة بإدارة الأراضي وحماية الغابات. وبالتزامن مع انتشار النيران، تداولت منصات التواصل روايات تتهم إسرائيل والحكومة الأرجنتينية بالوقوف وراء الحرائق أو استغلالها لتمهيد الطريق أمام بيع الأراضي وإقامة مشروعات استثمارية.
لكن منصة التحقق الأرجنتينية «تشيكيادو» نشرت في يناير/كانون الثاني 2026 تقريراً عن هذه الروايات، ووصفت عدداً منها بأنه مضلل أو زائف، موضحة أن بعض الادعاءات المتداولة بشأن إلغاء قانون إدارة الحرائق أو وجود اعترافات بإشعالها عمداً وبيع الأراضي لا تتطابق مع الوقائع التي فحصتها. لذلك، لا يمكن التعامل مع فرضية افتعال الحرائق أو توظيفها لإقامة مشروع مرتبط بإسرائيل باعتبارها حقيقة ثابتة، ما لم تظهر أدلة مستقلة وموثوقة تدعمها.
وفي المقابل، يظل النقاش بشأن حماية الأراضي والموارد الطبيعية مشروعاً، خصوصاً في ظل المخاوف من توسع الأنشطة الاقتصادية على حساب البيئة وحقوق السكان المحليين، بمن فيهم المجتمعات الأصلية التي ترتبط أراضيها بهويتها وسبل عيشها.
هل تعود فكرة «باتاغونيا اليهودية»؟
تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة: حقيقة أن هرتزل طرح الأرجنتين ضمن الخيارات النظرية في كتابه عام 1896، وحقيقة التقارب السياسي الحالي بين بوينس آيرس وتل أبيب، ثم الادعاء بوجود مخطط معاصر لإقامة كيان يهودي في باتاغونيا.
المستويان الأول والثاني تدعمهما مصادر تاريخية ورسمية، أما الثالث فلا تثبته هذه المعطيات وحدها. فالانتقال من فكرة تاريخية إلى اتهام سياسي معاصر يتطلب وثائق وأدلة مباشرة، لا مجرد تزامن الحرائق مع التحولات السياسية أو تداول روايات على شبكات التواصل.
وبينما تتواصل الأسئلة بشأن مستقبل باتاغونيا، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بكيفية إدارة أراضيها وثرواتها، وضمان ألا تتحول الكوارث البيئية أو الاستثمارات الكبرى إلى وسيلة للإضرار بحقوق المجتمعات المحلية.
فباتاغونيا ليست فلسطين، والتاريخ لا يثبت وحده عودة مشروع قديم. لكن الجدل حولها يفتح نقاشاً أوسع بشأن من يملك الأرض، ومن يقرر مصيرها، وكيف يمكن حماية السيادة والحقوق في مواجهة المصالح الاقتصادية والسياسية.
اقرأ المزيد
كيف ساهم الخلط بين معاداة السامية ومعارضة الصهيونية في صعود اليمين المتطرف بألمانيا؟
لابيد يحذر من تآكل المعايير الأخلاقية في إسرائيل مع تصاعد خطاب قتل الفلسطينيين
«كل البنوك يملكها اليهود».. التسريبات التي زلزلت اليمين المتطرف في فرنسا!

