وطن-دخل حزب «التجمع الوطني» الفرنسي في مواجهة سياسية وإعلامية جديدة، بعد نشر تحقيق صحفي فرنسي رسائل خاصة قديمة نُسبت إلى رئيس الحزب جوردان بارديلا، وتضمنت، بحسب التحقيق، عبارات معادية للسامية ونظريات مؤامرة بشأن اليهود والبنوك وإسرائيل.
ويأتي الجدل في توقيت حساس بالنسبة إلى الحزب، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، ومع تقديم مارين لوبان بارديلا بوصفه مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة في حال وصولها إلى قصر الإليزيه.
لكن القضية لا تزال محل نزاع؛ إذ يؤكد موقع «ميديابارت» أنه تمكن من التحقق من المحادثات التي نشرها بعد تحقيق استمر أشهراً، بينما يرفض بارديلا بصورة قاطعة أن يكون قد كتب هذه الرسائل، ويصفها بأنها «أكاذيب مفبركة» وحملة تهدف إلى زعزعة حملته السياسية. كما أعلن تقديم شكوى بتهمة التشهير.
رسائل تعود إلى بدايات بارديلا السياسية
بحسب تحقيق «ميديابارت»، تعود المحادثات إلى الفترة بين 2013 و2015، عندما كان بارديلا شاباً في بدايات مسيرته السياسية داخل «الجبهة الوطنية»، الاسم السابق لـ«التجمع الوطني».
وتقول الصحيفة إنها اعتمدت على عشرات المحادثات المكتوبة، التي قالت إنها تحققت منها بصورة مستقلة، إلى جانب شهادات أشخاص عرفوا بارديلا خلال تلك المرحلة.
ومن بين العبارات التي نسبت إليه حديث عن امتلاك اليهود للبنوك، ونظريات حول ارتباط المصارف بالصهيونية وإسرائيل، إضافة إلى حديث عن «نظام عالمي جديد» تهيمن عليه إسرائيل وتكون القدس عاصمته، وفق التحقيق.
كما نسبت «ميديابارت» إليه عبارات أخرى تنتقد تولي عدد من الوزراء في حكومة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند، على أساس ما وصفه التحقيق بمصالح مرتبطة بإسرائيل والقطاع المصرفي.
بارديلا: «أكاذيب مفبركة»
في المقابل، رفض بارديلا جميع هذه الاتهامات، مؤكداً أنه لم يدلِ بهذه التصريحات، سواء بصورة علنية أو خاصة، شفهياً أو كتابياً.
وقال، في رده على أسئلة «ميديابارت»، إن المواد التي وصلت إلى الصحيفة، إذا كانت موجودة بالفعل، لا يمكن أن تكون سوى «أكاذيب مفبركة» و«عملية قذرة» تستهدفه.
كما أشار إلى أنه كان قاصراً خلال الفترة التي تعود إليها بعض الرسائل، وشكك في الرواية التي قدمتها الصحيفة بشأن نشاطه السياسي في ذلك الوقت.
ولم يكتفِ بارديلا بالنفي، إذ أعلن لاحقاً أن محاميه قدم شكوى بتهمة التشهير ضد «ميديابارت»، في خطوة تنقل الخلاف من السجال السياسي والإعلامي إلى المسار القضائي.
«ميديابارت»: تحقيق يستند إلى محادثات وشهادات
في المقابل، تتمسك «ميديابارت» بروايتها، وتقول إن التحقيق استند إلى عشرات المحادثات الخاصة التي تمكنت من التحقق منها بصورة مستقلة، فضلاً عن شهادات عدد من الأشخاص الذين تعاملوا مع بارديلا في بدايات نشاطه السياسي.
وتضمن التحقيق أيضاً شهادة مسؤول سابق في شباب «الجبهة الوطنية» بمنطقة سين سان دوني، قال إنه عرف بارديلا خلال الفترة بين 2013 و2014، وتحدث عن اهتمام الأخير آنذاك بنظريات تتعلق باحتمال نجاة أدولف هتلر بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه الشهادة، مثل بقية ما ورد في التحقيق، تمثل رواية قدمتها «ميديابارت» وليست حكماً قضائياً على صحة الاتهامات.
كما أشار التحقيق إلى تأثر بارديلا آنذاك بأفكار الكاتب الفرنسي آلان سورال، المعروف بخطابه المعادي للسامية، بحسب «ميديابارت»، التي أوردت أيضاً رسائل أخرى قالت إن بارديلا عبّر فيها عن نظريات مؤامرة مرتبطة بالبنوك والصهيونية وهجمات 11 سبتمبر/أيلول.
أزمة تضرب استراتيجية «التطبيع السياسي»
تكمن حساسية القضية بالنسبة إلى «التجمع الوطني» في أنها تمس أحد أبرز مسارات إعادة تقديم الحزب خلال السنوات الماضية.
فالحزب الذي كان يُعرف سابقاً باسم «الجبهة الوطنية» خضع منذ وصول مارين لوبان إلى قيادته لمحاولة تغيير صورته السياسية، وهي استراتيجية عُرفت في فرنسا باسم «إزالة الشيطنة»، هدفت إلى تقديم الحزب بصورة أكثر اعتدالاً وقابلية لاستقطاب شرائح أوسع من الناخبين.
وفي هذا السياق، أصبح بارديلا أحد أبرز الوجوه الجديدة للحزب، وخصوصاً بين الناخبين الشباب، بينما سعى الحزب إلى إظهار مسافة أكبر عن إرث مؤسسه جان ماري لوبان وتصريحاته السابقة بشأن اليهود والمحرقة.
ولهذا السبب، فإن اتهامات من هذا النوع، حتى مع استمرار بارديلا في نفيها، تضع الحزب أمام اختبار سياسي يتعلق بصورة قيادته الحالية ومدى نجاح محاولات إعادة تشكيل صورته.
لوبان تدافع عن حليفها
وسارعت مارين لوبان إلى الدفاع عن بارديلا، ورفضت التحقيق المنشور ضده، معتبرة أن ما يحدث محاولة لضرب الحزب قبل الانتخابات الرئاسية.
كما وقف بارديلا وحلفاؤه خلف رواية مفادها أن نشر هذه الاتهامات في هذا التوقيت يستهدف المسار الانتخابي للحزب، في حين تؤكد «ميديابارت» أن تحقيقها مستقل عن الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات.
وأعلن بارديلا أن القضية جزء من محاولة لـ«زعزعة» حملته، فيما وصفت لوبان الهجوم بأنه عملية تستهدف إرباك الحزب.
من إرث جان ماري لوبان إلى معركة 2027
تحمل القضية بعداً إضافياً بالنسبة إلى مارين لوبان نفسها، باعتبارها ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية»، الذي ارتبط اسمه على مدى عقود بتصريحات مثيرة للجدل بشأن اليهود والمحرقة.
ومنذ توليها قيادة الحزب، عملت لوبان على إبعاد التنظيم عن أجزاء من إرث والدها السياسي، في محاولة لتوسيع قاعدته الانتخابية وتحويله إلى قوة قادرة على الوصول إلى الحكم.
أما بارديلا، الذي يمثل جيلاً أصغر داخل الحزب، فقد أصبح جزءاً أساسياً من هذه الاستراتيجية. ولذلك فإن الاتهامات المنسوبة إلى رسائل كتبها في سنوات مراهقته وشبابه السياسي المبكر تفتح مجدداً النقاش حول مدى الانفصال بين الخطاب الحالي لبعض قيادات الحزب وماضيه السياسي.
إسرائيل في قلب الجدل أيضاً
وتأتي القضية في وقت حاول فيه «التجمع الوطني» بناء علاقات أكثر انفتاحاً مع إسرائيل، ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف مواقفه الخارجية والتأكيد على معارضة معاداة السامية.
وتشير التقارير الحالية إلى أن هذا التقارب أصبح جزءاً من التحولات التي شهدها خطاب الحزب خلال السنوات الأخيرة، بينما يرى منتقدوه أن الكشف عن رسائل قديمة منسوبة إلى بارديلا يعيد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بجذور الحزب السياسية وتاريخه.
لكن بارديلا ينفي أن تكون تلك الرسائل صادرة عنه، فيما تقول «ميديابارت» إنها تحققت من المواد التي نشرتها. وبالتالي، فإن الحسم في هذه المسألة لا يزال مرتبطاً بالنزاع بين رواية التحقيق ورواية السياسي، وبما قد تكشفه الإجراءات القانونية المقبلة.
معركة سياسية وقضائية قبل انتخابات 2027
تتحول قضية بارديلا بذلك إلى أكثر من مجرد جدل حول رسائل قديمة؛ فهي تجمع بين نزاع إعلامي، ودعوى تشهير أعلنها رئيس «التجمع الوطني»، ومعركة سياسية تسبق الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027.
وبينما يتمسك بارديلا بالنفي ويقول إن الاتهامات مفبركة، تتمسك «ميديابارت» بنتائج تحقيقها وبالمواد التي تقول إنها تحققت منها.
وفي انتظار ما قد تكشفه الإجراءات القضائية، يبقى أثر القضية على صورة «التجمع الوطني» وحملته الانتخابية مرتبطاً بما إذا كانت الاتهامات ستظل في إطار السجال السياسي والإعلامي، أم ستتحول إلى ملف قانوني أوسع قبل الاستحقاق الرئاسي الفرنسي.
اقرأ المزيد
مارين لوبان تعزز نفوذها بتشكيل أول كتلة لحزبها في مجلس الشيوخ الفرنسي..
نتنياهو يهاجم زهران ممداني من منبر الأمم المتحدة ويتهمه بتهديد يهود نيويورك
من المسيح الدجال إلى الذكاء الاصطناعي.. الأفكار التي تجمع بعض نخب اليمين والتكنولوجيا

