وطن-لم تعد أفكار «نهاية العالم» حبيسة الكتب الدينية أو روايات الخيال العلمي، بل أصبحت، بحسب تحقيق نشره موقع «ميدل إيست آي»، جزءاً من خطاب سياسي وفكري تتقاطع فيه بعض دوائر اليمين المسيحي في الولايات المتحدة مع شخصيات نافذة في وادي السيليكون، بينهم مستثمرون ومليارديرات ينشطون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
ويجمع هذا المشهد، وفق التحقيق، بين تصورات دينية عن «نهاية الأزمنة»، ومخاوف من الانهيار السياسي والاجتماعي، وأفكار تكنولوجية تتحدث عن مستقبل يتجاوز الإنسان، إلى جانب استثمارات في مجالات يُنظر إليها باعتبارها مرتبطة بمستقبل شديد الاضطراب.
جي دي فانس: «إذا أدى ذلك إلى نهاية الأزمنة فليكن»
أثار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جدلاً بعد حديثه في بودكاست ذي طابع مسيحي عن إيمانه الديني ونظرته إلى ما يسمى «نهاية الأزمنة».
وقال فانس إنه يحاول القيام بأكبر قدر ممكن من «عمل الله»، مضيفاً أنه إذا أدى ذلك إلى نهاية الأزمنة «فليكن». وجاءت تصريحاته خلال مقابلة تناولت الدين والسياسة والذكاء الاصطناعي، وأكد فيها أيضاً أن فكرة نهاية العالم حاضرة في تصوره الديني.
وتكتسب تصريحات فانس أهمية سياسية بسبب موقعه في الإدارة الأمريكية وعلاقاته الطويلة مع دوائر اليمين والمحافظين الجدد، وليس لأنها تمثل، بحد ذاتها، دليلاً على وجود سياسة حكومية تهدف إلى التعجيل بنهاية العالم.
بيتر ثيل.. الملياردير الذي ربط التكنولوجيا بـ«ضد المسيح»
يرتبط صعود فانس السياسي بشكل وثيق بالملياردير التكنولوجي بيتر ثيل، أحد أبرز المستثمرين في وادي السيليكون والمؤسس المشارك لشركة «بالانتير» وأحد مؤسسي «باي بال».
التقى فانس بثيل خلال سنوات دراسته في جامعة ييل، وقال لاحقاً إن إحدى محاضرات الملياردير كانت من أكثر اللحظات تأثيراً في مسيرته الجامعية. وبعد ذلك عمل فانس في شركة استثمارية مرتبطة بثيل، قبل أن يحصل لاحقاً على دعمه المالي في مسيرته السياسية.
وفي عام 2022، قدم ثيل 15 مليون دولار لدعم حملة فانس لعضوية مجلس الشيوخ، في واحدة من أكبر التبرعات الفردية لحملة سياسية أمريكية في ذلك الوقت.
لكن علاقة ثيل بفانس لا تقتصر على السياسة والمال، إذ أصبح الملياردير في السنوات الأخيرة أكثر انخراطاً في الحديث عن الدين والتكنولوجيا ومستقبل الحضارة.
وفي سلسلة محاضرات خاصة ألقاها ثيل عام 2025، وتناول فيها شخصية «ضد المسيح» ونهاية العالم، قال إن «ضد المسيح» في العصر الحديث يمكن أن يكون شخصاً معادياً للتكنولوجيا ويسعى إلى إيقاف العلوم. ووفق تسجيلات راجعتها «واشنطن بوست»، ذكر ثيل الناشطة المناخية غريتا تونبرغ وأحد منتقدي الذكاء الاصطناعي في هذا السياق.
ولا تعني هذه التصريحات أن ثيل يتبنى بالضرورة تصوراً دينياً موحداً حول نهاية العالم، لكنها تكشف، وفق التحقيقات المنشورة، عن الطريقة التي يربط بها بين الدين والتكنولوجيا والسياسة ومستقبل الحضارة.
«التسارعية».. حين يصبح الانهيار فرصة
يضع التحقيق هذه الأفكار ضمن سياق فكري أوسع يعرف باسم «التسارعية»، وهو تيار متنوع يرى بعض أنصاره أن تسريع الأزمات والتغيرات السياسية والاجتماعية قد يقود إلى انهيار النظام القائم وولادة نظام جديد.
ويشير التحقيق إلى أن بعض التيارات المرتبطة بهذه الأفكار تنظر إلى الديمقراطية والمؤسسات التقليدية باعتبارها عائقاً أمام التطور التكنولوجي، فيما يرى منتقدوها أنها قد تبرر الفوضى والعنف وعدم المساواة.
وكان ثيل قد قال في مناسبات مختلفة إنه لم يعد يرى انسجاماً كاملاً بين الحرية والديمقراطية، كما وصف التكنولوجيا بأنها بديل أكثر إثارة من السياسة التقليدية.
وتزداد أهمية هذه الأفكار بسبب نفوذ أصحابها. فثيل ليس مستثمراً عادياً، بل شخصية تتمتع بعلاقات وثيقة مع عدد من المسؤولين والسياسيين الأمريكيين، بينما أصبح عدد من الأشخاص المرتبطين بشبكته السابقة حاضرين في مواقع مؤثرة داخل السياسة والتكنولوجيا.
إيلون ماسك.. من المريخ إلى السياسة
ويضع التحقيق إيلون ماسك أيضاً ضمن هذا المشهد، وإن كان مساره مختلفاً عن ثيل، فماسك بنى جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري والتجاري حول مستقبل البشرية خارج الأرض، ولا سيما فكرة إقامة مستوطنات بشرية على المريخ، بالتوازي مع اهتمامه المتزايد بالذكاء الاصطناعي.
كما أصبح ماسك خلال السنوات الأخيرة لاعباً سياسياً مؤثراً في الولايات المتحدة وخارجها، واستخدم منصة «إكس» لتوسيع حضور أفكار وشخصيات سياسية مختلفة، خصوصاً من اليمين.
ويربط التحقيق بين هذا الطموح التكنولوجي وبين تصور أوسع لدى بعض مليارديرات القطاع يقوم على الاستعداد لمستقبل قد يشهد اضطرابات سياسية أو اقتصادية أو بيئية واسعة.
من «مدن الحرية» إلى الملاجئ تحت الأرض
ولا يقتصر استعداد بعض الأثرياء لمستقبل مضطرب على الاستثمار في التكنولوجيا، فقد ظهرت خلال السنوات الماضية مشاريع وأفكار تتحدث عن إنشاء ملاجئ فاخرة تحت الأرض، أو «مدن حرة» ومناطق تتمتع بدرجة عالية من الاستقلال عن الحكومات والقوانين التقليدية.
ويستند جزء من هذه المشاريع إلى تصور مفاده أن الأزمات العالمية المقبلة قد تدفع أصحاب الثروات إلى البحث عن مناطق معزولة أو أنظمة بديلة للحياة، تعتمد بدرجة أكبر على التكنولوجيا والروبوتات والعملات المشفرة.
ويطرح هذا الاتجاه سؤالاً سياسياً واقتصادياً أوسع: هل تستعد بعض النخب لمواجهة الأزمات، أم أنها تبني لأنفسها مخارج خاصة من أزمات يعاني منها بقية المجتمع؟
بالانتير.. التكنولوجيا في قلب الأمن والهجرة
ويشير التحقيق كذلك إلى شركة «بالانتير»، التي شارك ثيل في تأسيسها، باعتبارها مثالاً على تداخل التكنولوجيا مع مجالات الأمن والهجرة والمراقبة. وقد حصلت الشركة على عقود حكومية في الولايات المتحدة وبريطانيا، من بينها عقود مرتبطة بوزارة الدفاع الأمريكية ووكالة الهجرة والجمارك الأمريكية وهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.
ويقول منتقدو الشركة إن تقنياتها تمنح الحكومات قدرات واسعة في جمع البيانات وتحليلها، بينما تؤكد الشركة أن منتجاتها مصممة لمساعدة المؤسسات على تحليل المعلومات واتخاذ القرارات. ويكتسب الجدل أهمية إضافية مع توسع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في مجالات الأمن والهجرة والحروب.
اليمين المسيحي و«نهاية الأزمنة»
ولا تقتصر أفكار نهاية العالم على أوساط التكنولوجيا، ففي الولايات المتحدة، توجد تيارات دينية مسيحية تؤمن بأن أحداثاً سياسية وجيوسياسية معينة يمكن أن تكون مرتبطة بنبوءات دينية حول نهاية الأزمنة وعودة المسيح.
ويشير التحقيق إلى صعود نفوذ بعض هذه التيارات داخل اليمين الأمريكي، وربطها بقضايا مثل إسرائيل والشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية. كما تختلف المعتقدات داخل المسيحية الإنجيلية والقومية المسيحية بشكل كبير، ولا يمكن اختزال جميع المؤمنين بها في موقف واحد من نهاية العالم أو السياسة الأمريكية.
لكن الباحث جيمس بيازا يرى، وفق ما نقله «ميدل إيست آي»، أن بعض أشكال التفكير القيامي يمكن أن تؤثر في المواقف السياسية، خصوصاً عندما يُنظر إلى أحداث العالم على أنها جزء من مسار ديني لا يمكن تغييره.
إسرائيل في قلب بعض التصورات الدينية
ويلفت التحقيق إلى حضور الصهيونية المسيحية في هذا المشهد، وهي حركة دينية وسياسية تضم تيارات مسيحية ترى أن عودة اليهود إلى الأراضي التي تعتبرها «الأرض المقدسة» مرتبطة بنبوءات توراتية وبأحداث آخر الزمان.
ويظهر هذا التصور لدى بعض الشخصيات الأمريكية المؤيدة بشدة لإسرائيل، بينهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي ووزير الدفاع بيت هيغسيث، بحسب التحقيق.
غير أن الصهيونية المسيحية ليست تياراً موحداً، كما أن دوافع دعم إسرائيل تختلف من شخصية إلى أخرى، بين الاعتبارات الدينية والسياسية والاستراتيجية.
الذكاء الاصطناعي.. التكنولوجيا أم «نهاية العالم»؟
في موازاة ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي نفسه باعتباره الحلقة الأحدث في هذه السردية، فبعض الشخصيات البارزة في قطاع التكنولوجيا حذرت من احتمال أن يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً وجودياً على البشرية، فيما يرى آخرون أن هذه المخاوف مبالغ فيها أو تُستخدم لتبرير مواقف اقتصادية وسياسية معينة.
وكان ماسك قد حذر منذ سنوات من المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، فيما تحدث مسؤولون تنفيذيون في شركات التكنولوجيا عن احتمالات بعيدة المدى تتراوح بين تحول جذري في الاقتصاد وبين مخاطر وجودية.
أما بيتر ثيل، فقد ربط في محاضراته الخاصة بين تنظيم التكنولوجيا ومفهوم «ضد المسيح»، بحسب التسجيلات التي راجعتها «واشنطن بوست».
ويشير «ميدل إيست آي» إلى أن هذا الخطاب يمنح الذكاء الاصطناعي بعداً يتجاوز الاقتصاد والتكنولوجيا، ليصبح جزءاً من سردية أوسع عن مستقبل البشرية والصراع بين قوى يُنظر إليها باعتبارها تقدمية وأخرى باعتبارها تهديداً للحضارة.
بين الخطر الحقيقي وسردية الكارثة
ويكمن الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذا المشهد في صعوبة الفصل بين المخاطر الواقعية والسرديات التي تحيط بها.
فالذكاء الاصطناعي يطرح بالفعل أسئلة تتعلق بالوظائف والخصوصية والأمن السيبراني والأسلحة الذاتية واستهلاك الطاقة، كما أن تغير المناخ والحروب والتوترات الجيوسياسية تمثل أزمات واقعية.
لكن تحويل هذه المخاطر إلى سردية حتمية عن «نهاية العالم» يغيّر طبيعة النقاش، بحسب منتقدين لهذه الأفكار، لأنه قد يجعل الكارثة تبدو قدراً لا يمكن تفاديه بدلاً من كونها نتيجة لقرارات سياسية واقتصادية يمكن تغييرها.
وفي المقابل، يرى بعض المدافعين عن تطوير التكنولوجيا أن التحذير من المخاطر المستقبلية لا يعني الدعوة إلى الكارثة، بل قد يكون وسيلة للضغط من أجل تطوير أكثر أماناً ومسؤولية.
عندما تلتقي السياسة بالدين والتكنولوجيا
في النهاية، يرسم تحقيق «ميدل إيست آي» صورة لتقاطع ثلاثة عوالم كانت تبدو منفصلة: اليمين المسيحي، ورأس المال التكنولوجي، والسياسة الأمريكية.
وتختلف دوافع الشخصيات والتيارات التي يتناولها التحقيق، كما تختلف رؤاها بشأن الدين والديمقراطية والذكاء الاصطناعي وإسرائيل ومستقبل العالم. لكن الرابط الذي يلفت إليه التقرير هو حضور فكرة الانهيار أو «نهاية الأزمنة» في خطاب بعض الشخصيات المؤثرة.
ومن تصريحات جي دي فانس عن «نهاية الأزمنة»، إلى محاضرات بيتر ثيل حول «ضد المسيح»، مروراً بمشاريع المريخ والذكاء الاصطناعي والملاجئ، يبدو أن فكرة الاستعداد لعالم مختلف جذرياً لم تعد مجرد موضوع في الخيال العلمي، بل أصبحت جزءاً من نقاشات حقيقية داخل دوائر سياسية وتكنولوجية ذات نفوذ واسع.
اقرأ المزيد
“حرب مقدسة لتعجيل هرمجدون”.. قادة بالجيش الأمريكي يخبرون جنودهم أن غزو إيران “مباركة من المسيح”

