وطن-تعود حرب اليمن إلى واجهة التصعيد الإقليمي مع تجدد الهجمات المنسوبة إلى جماعة الحوثيين على السعودية، وسط مخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أوسع تهدد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة «ميدل إيست آي»، أسفرت هجمات استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن سقوط قتلى ومئات المصابين، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات السعودية على احتواء التصعيد، واحتمالات امتداده إلى منشآت حيوية وممرات الشحن البحري.
وتتهم السعودية وحلفاؤها جماعة الحوثيين بالوقوف وراء الهجمات، فيما تتوعد الجماعة بمواصلة عملياتها ما لم تتوقف الضربات المفروضة على اليمن وما تصفه بالحصار. وفي ظل تبادل التهديدات، تتزايد المخاوف من أن تتحول المواجهة من صراع يمني إلى أزمة إقليمية تمس أمن الطاقة وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
من التهدئة الهشة إلى خطر العودة للحرب الشاملة
لم يأتِ التصعيد الأخير بمعزل عن المسار المضطرب للحرب اليمنية، التي شهدت منذ عام 2022 تراجعاً كبيراً في وتيرة القتال بفضل هدنة رعتها الأمم المتحدة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق سلام شامل. لكن استمرار الخلافات بشأن الترتيبات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التوترات الإقليمية، أبقى احتمالات تجدد المواجهات قائمة. ومع عودة الهجمات العابرة للحدود، تتجدد المخاوف من انهيار ما تبقى من التهدئة وعودة القتال إلى جبهات متعددة.
وتكتسب مناطق الساحل الغربي أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى قربها من طرق الملاحة الدولية ومضيق باب المندب. كما أن أي تقدم عسكري على طول الساحل قد يغير حسابات الأطراف المتحاربة بشأن السيطرة على الموانئ وخطوط الإمداد. وفي الداخل اليمني، يظل المدنيون الأكثر عرضة لتداعيات التصعيد، سواء بسبب القتال المباشر أو النزوح وتعطل الخدمات الأساسية وتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية.
من هم الحوثيون وكيف توسع نفوذهم؟
تُعرف الجماعة رسمياً باسم «أنصار الله»، ونشأت في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي ضمن حركة ذات جذور دينية وسياسية مرتبطة بالزيدية، وهي أحد المذاهب الإسلامية التي يتركز أتباعها تاريخياً في المرتفعات الشمالية للبلاد. وخاضت الجماعة عدة جولات من القتال ضد حكومة الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح بين عامي 2004 و2010. وبعد مقتل مؤسس الحركة حسين الحوثي، انتقلت قيادتها إلى شقيقه عبد الملك الحوثي.
وفي سبتمبر/أيلول 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، قبل أن تتوسع المواجهة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وفي مارس/آذار 2015، تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية دعماً للحكومة، لتدخل الحرب مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً. ومع مرور السنوات، عزز الحوثيون سيطرتهم على مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة، وبنوا قدرات عسكرية مكّنتهم من التأثير في مسار الحرب داخل اليمن وخارجه.
ماذا يريد الحوثيون من التصعيد؟
تتمثل مطالب الحوثيين في الداخل اليمني في ترسيخ سلطتهم السياسية والحصول على اعتراف بدورهم في إدارة البلاد، إلى جانب إنهاء ما يصفونه بالحصار المفروض على اليمن. وتقول الجماعة إن هجماتها تأتي رداً على العمليات العسكرية والقيود المفروضة على مناطق سيطرتها، فيما تعتبر السعودية وحلفاؤها أن تلك الهجمات تمثل تهديداً لأمن المملكة وللحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
لكن تحركات الحوثيين لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، استهدفت الجماعة سفناً تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنة أن عملياتها تأتي دعماً للفلسطينيين. كما أطلقت صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل في إطار التصعيد الإقليمي. وقد أدى استهداف السفن التجارية إلى اضطراب الملاحة وارتفاع المخاوف الأمنية والتكاليف التي تتحملها شركات الشحن، فيما أصبحت الجماعة طرفاً مؤثراً في الحسابات العسكرية والسياسية المتعلقة بأمن البحر الأحمر.
العلاقة مع إيران.. دعم عسكري ونفي للتبعية
تربط الحوثيين بإيران علاقات سياسية وعسكرية، وتضع طهران الجماعة ضمن ما تسميه «محور المقاومة». وتشير تقارير دولية إلى أن الدعم الإيراني أسهم في تطوير بعض قدرات الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيّرة. في المقابل، ينفي الحوثيون أنهم مجرد أداة بيد طهران، ويؤكدون أن قراراتهم تنطلق من حساباتهم الخاصة ومصالحهم داخل اليمن والمنطقة.
وتزداد أهمية هذه العلاقة مع اتساع نطاق التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يمكن لأي تصعيد بين هذه الأطراف أن ينعكس على حسابات الحوثيين وتحركاتهم في البحر الأحمر أو تجاه السعودية. ومع ذلك، فإن وجود علاقات بين طهران والجماعة لا يعني بالضرورة أن كل عملية عسكرية ينفذها الحوثيون تصدر بقرار إيراني مباشر؛ إذ يتطلب تحديد طبيعة التنسيق في كل حالة أدلة مستقلة.
قدرات الحوثيين ترفع كلفة المواجهة
اعتمد الحوثيون خلال سنوات الحرب على مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، ما منحهم القدرة على استهداف مواقع بعيدة عن خطوط القتال التقليدية. وتشير تقديرات متباينة إلى توسع القوة البشرية للجماعة خلال السنوات الماضية، لكن الأرقام المتعلقة بحجم قواتها وقدراتها الفعلية تختلف بحسب المصادر، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها إحصاءات محسومة.
وتكمن خطورة هذه القدرات في أنها تتيح للجماعة فتح جبهات متعددة، عبر استهداف الأراضي السعودية أو تهديد الملاحة البحرية، ما يفرض على خصومها توزيع مواردهم الدفاعية بين حماية المنشآت البرية والمرافق الحيوية والسفن التجارية. كما أن استمرار الهجمات قد يؤدي إلى استنزاف منظومات الاعتراض ورفع كلفة التأمين والشحن، حتى في الحالات التي لا تتسبب فيها الضربات بأضرار كبيرة.
لماذا يثير باب المندب مخاوف دولية؟
يمثل مضيق باب المندب حلقة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل المدخل الجنوبي إلى قناة السويس. وتعبره سفن تنقل بضائع وموارد طاقة بين آسيا وأوروبا، ما يجعل استقرار الملاحة فيه مصلحة دولية واسعة. وأي تهديد للمضيق قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يزيد مدة الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، وقد ينعكس على أسعار بعض السلع وسلاسل الإمداد.
وتزداد حساسية الوضع عندما تتزامن التوترات في البحر الأحمر مع اضطرابات في مضيق هرمز، لأن ذلك يضغط على أكثر من مسار رئيسي لنقل الطاقة والتجارة في المنطقة. لكن اتساع المخاطر لا يعني أن إغلاق باب المندب بات أمراً محسوماً؛ إذ يتوقف حجم التأثير على طبيعة الهجمات وتواترها، ومدى قدرة القوات البحرية والدول المعنية على حماية حركة السفن.
السعودية بين حماية أراضيها ومنع اتساع الحرب
تواجه الرياض معادلة أمنية معقدة: الرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة طويلة قد تزيد الضغط العسكري والاقتصادي وتعيد اليمن إلى حرب مفتوحة. وتعتمد قدرة السعودية على احتواء التصعيد على فاعلية دفاعاتها الجوية، ومدى توفر الذخائر الاعتراضية، والتنسيق مع الشركاء الدوليين، إلى جانب الخيارات السياسية التي يمكن أن تعيد الأطراف إلى مسار تفاوضي.
وفي الوقت نفسه، قد يؤدي استمرار القتال إلى زيادة المخاطر على منشآت الطاقة وحركة الطيران والاستثمارات، فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن. وتبقى فرص احتواء التصعيد مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لوقف الهجمات والعودة إلى التفاوض بشأن القضايا العالقة، بما فيها الترتيبات الأمنية والاقتصادية ومستقبل السلطة في اليمن.
هل تتحول حرب اليمن إلى أزمة بحرية عالمية؟
يعكس تجدد الهجمات على السعودية هشاشة التهدئة التي عرفتها اليمن خلال السنوات الماضية، ويكشف مدى الترابط بين الجبهات اليمنية والتوترات الإقليمية وأمن الممرات البحرية.
فالمواجهة لم تعد تقتصر على السيطرة على المدن والجبهات داخل اليمن، بل باتت ترتبط أيضاً بحماية المنشآت الحيوية السعودية واستقرار حركة الشحن في البحر الأحمر وباب المندب.
ومع غياب تسوية سياسية شاملة، يظل خطر اتساع الصراع قائماً، لكن حجم التصعيد المقبل سيعتمد على طبيعة الردود العسكرية ومواقف القوى الإقليمية والدولية، ومدى قدرة الوساطات على منع تحول المواجهة إلى حرب أوسع تتجاوز حدود اليمن.
اقرأ المزيد
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض.. اضطرابات واسعة في مطارات السعودية باستثناء مكة والمدينة
الحوثيون يحذرون من استخدام المطارات السعودية عقب هجوم الرياض الأخير..
الحوثيون يصعّدون هجماتهم على أهداف للحكومة اليمنية والسعودية وسط اتساع دائرة العنف
مقاطع صادمة في اليمن.. مدرعة تدهس مقاتلين وأشخاصاً يرفعون أيديهم للاستسلام خلال معارك الساحل الغربي
انهيار القطاع الصحي في اليمن مع اتساع القتال.. أطفال بلا أسرّة ومستشفيات على حافة الإغلاق

