وطن-تواجه السعودية اختباراً أمنياً متصاعداً مع تكثيف جماعة الحوثيين هجماتها الصاروخية على أراضي المملكة، في تطور يثير تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات الجوية السعودية على حماية المنشآت الحيوية ومراكز الطاقة والمقار الملكية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، نقلاً عن مسؤولين سعوديين وأشخاص مطلعين على تحركات ولي العهد، فإن محمد بن سلمان بات يتنقل بحذر بين قصور شديدة التحصين ومجهزة بملاجئ تحت الأرض، برفقة فريق أمني مختار بعناية، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية.
وتعكس هذه الإجراءات، وفق التقرير، حجم القلق الذي تثيره الهجمات المتكررة، ليس فقط على أمن القيادة السعودية، بل أيضاً على قدرة المملكة على حماية مساحة جغرافية واسعة تضم منشآت نفطية ومطارات ومرافق استراتيجية يصعب تأمينها جميعاً بالدرجة نفسها من الحماية.
نقص الصواريخ الاعتراضية يضغط على الدفاعات السعودية
تتمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجه الرياض، وفق المسؤولين الذين نقلت عنهم الصحيفة الأميركية، في تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدي للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة. وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن السعودية تواجه صعوبة في توفير تغطية دفاعية جوية شاملة لأراضيها، ما يدفعها إلى إعادة توزيع بطاريات الدفاع الجوي وفقاً لأولويات الحماية، مع التركيز على المنشآت الحيوية والبنية التحتية للطاقة والقصور الملكية.
وتكمن المشكلة في أن الدفاع عن موقع واحد قد لا يكون كافياً في مواجهة هجمات متعددة الاتجاهات. فالمطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية والمراكز الحضرية تمثل أهدافاً محتملة، فيما تفرض المساحة الشاسعة للمملكة تحديات لوجستية وعسكرية إضافية. كما أن الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية يطرح معضلة تتعلق بالكلفة والاستدامة؛ إذ قد يؤدي الاستخدام المتكرر لهذه الذخائر إلى استنزاف المخزون، خصوصاً عندما تتطلب الهجمات المتواصلة اعتراض عدد كبير من المقذوفات والطائرات المسيّرة.
القصور المحصّنة تعكس تصاعد المخاوف الأمنية
في موازاة الضغوط التي تواجه منظومات الدفاع الجوي، أفاد تقرير «وول ستريت جورنال» بأن محمد بن سلمان يتنقل بين قصور محصنة ومجهزة بملاجئ تحت الأرض، ضمن ترتيبات أمنية مشددة. وتأتي هذه الإجراءات في وقت أصبحت فيه الهجمات على العاصمة السعودية ومرافقها الحيوية مصدر قلق متزايد، بعدما كشفت الضربات الأخيرة عن مخاطر وصول المقذوفات إلى مواقع مدنية واستراتيجية.
ولا يعني تشديد الحماية الشخصية بالضرورة أن الدفاعات السعودية فقدت قدرتها على التصدي للهجمات، لكنه يعكس ارتفاع مستوى المخاطر التي يتعين على السلطات التعامل معها، في ظل استمرار التصعيد وعدم وضوح مدى قدرة الترتيبات الدفاعية الحالية على احتواء هجمات إضافية. كما تطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى استعداد المملكة لسيناريو طويل الأمد يستنزف مخزون الذخائر الدفاعية، ويجبرها على توزيع مواردها العسكرية بين حماية القيادة والمنشآت الاقتصادية والسكان.
من المطارات إلى النفط.. الهجمات تهدد طموحات رؤية 2030
تتجاوز تداعيات التصعيد الجانب العسكري لتطال الخطط الاقتصادية التي يراهن عليها ولي العهد لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماده على النفط. فالهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت الحيوية يمكن أن تؤثر في حركة الطيران وثقة المستثمرين والشركات الدولية، كما قد ترفع كلفة التأمين والحماية وتؤخر بعض المشاريع إذا استمر الوضع الأمني في التدهور.
وتبرز هنا أهمية المشاريع الكبرى، من مدينة نيوم إلى خطط تحويل الرياض إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة والاستثمار. فنجاح هذه الطموحات لا يعتمد على التمويل والبنية التحتية وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة أمنية مستقرة تمنح المستثمرين والزوار شعوراً بالثقة.
وإذا طال أمد المواجهة، فقد تجد الحكومة السعودية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين الإنفاق على المشاريع التنموية وتوفير الموارد اللازمة لتعزيز الدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية. ومع ذلك، فإن حجم التأثير الاقتصادي الفعلي سيعتمد على مدى استمرار الهجمات، وقدرة المملكة على احتوائها، والإجراءات التي ستتخذها لتأمين حركة الطيران والطاقة والاستثمارات.
واشنطن أمام اختبار دعم حليفها السعودي
تضع التطورات الأخيرة العلاقة العسكرية بين الرياض وواشنطن أمام اختبار جديد. فالسعودية تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات تسليح وتعاون دفاعي مع الولايات المتحدة، فيما تسعى إلى الحصول على دعم إضافي لتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات. لكن تقرير «وول ستريت جورنال» أشار إلى أن واشنطن لم تستجب لطلب سعودي يتعلق بتقديم دعم عسكري مباشر لاستعادة مناطق سيطر عليها الحوثيون في اليمن، واكتفت، وفق التقرير، بتقديم مساعدة في التخطيط العملياتي وإرسال مستشارين.
ويعكس هذا الموقف تبايناً محتملاً بين ما تريده الرياض من دعم أميركي أوسع وما تبدو واشنطن مستعدة لتقديمه، في ظل مخاطر اتساع المواجهة وتداعياتها الإقليمية. وتسعى المملكة، في المقابل، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والبحث عن دعم من شركاء آخرين، في محاولة لتقليل الضغط على منظوماتها الحالية وتأمين احتياجاتها من الصواريخ الاعتراضية.
هل تستطيع الرياض استعادة زمام المبادرة؟
تكشف الهجمات المتكررة عن معضلة استراتيجية تواجه السعودية: كيف يمكن حماية أراضٍ واسعة ومنشآت متباعدة من هجمات متواصلة، من دون استنزاف مخزون الدفاعات الجوية أو الدخول في مواجهة أوسع تزيد المخاطر الأمنية والاقتصادية؟ ولا تتوقف الإجابة على امتلاك منظومات تسليح متطورة، بل تشمل سرعة تعويض الذخائر المستهلكة، وتحسين التنسيق بين أنظمة الإنذار والاعتراض، وتأمين المنشآت الأكثر أهمية، إلى جانب الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة لاحتواء التصعيد.
وبالنسبة إلى محمد بن سلمان، لا يقتصر التحدي على حماية القصور والمرافق الاستراتيجية، بل يمتد إلى الحفاظ على صورة السعودية بوصفها وجهة آمنة للاستثمار والسياحة والأعمال. وبين الملاجئ المحصّنة وضغوط الدفاع الجوي، تواجه الرياض مرحلة حساسة ستحدد قدرتها على حماية أمنها الداخلي ومشاريعها الاقتصادية، في وقت لا تزال فيه نهاية التصعيد مع الحوثيين غير واضحة.
اقرأ المزيد
الحوثيون يحذرون من استخدام المطارات السعودية عقب هجوم الرياض الأخير..
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض.. اضطرابات واسعة في مطارات السعودية باستثناء مكة والمدينة
قتلى وطائرة متضررة.. الحوثيون يوسّعون هجماتهم على الرياض ويضعون الدفاعات السعودية أمام اختبار حاسم

