وطن-لم تعد الهجمات المنطلقة من اليمن باتجاه السعودية مجرد صواريخ تعبر الحدود، بل تحولت إلى تصعيد يهدد منشآت حيوية داخل المملكة، بعدما استهدفت ضربات متتالية مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفرت عن قتلى ومئات المصابين وأضرار مادية، في تطور يثير تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات السعودية على احتواء الهجمات المتكررة، وحدود الحل العسكري في حرب طال أمدها.
ففي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرض مطار الملك خالد الدولي لهجومين استهدفا مرافقه وطائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة سعوديين وإصابة عدد من المواطنين والمقيمين، وفق الهيئة العامة للطيران المدني السعودية. وأكدت الهيئة وقوع أضرار مادية، فيما أعلنت الجهات المختصة التعامل مع الحادثتين واستئناف العمليات التشغيلية بالمطار.
لكن التصعيد لم يتوقف عند ذلك. ففي 10 أكتوبر، أدى هجوم جديد على المطار إلى مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، بحسب حصيلة أعلنتها السلطات السعودية، وسط تقارير عن إصابات خطرة وأضرار في مرافق المطار. وفي 11 أكتوبر، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تعرض المطار لهجوم آخر تسبب في إصابات، بينما استمرت عمليات تقييم الأضرار والتحقق من سلامة المرافق.
وتكشف هذه الهجمات المتتالية عن تصاعد خطير في المواجهة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن منظومة الدفاع السعودية فقدت قدرتها على التصدي للتهديدات، أو أن الحوثيين باتوا يمتلكون تفوقاً عسكرياً. غير أنها تطرح تحدياً واضحاً أمام الرياض: كيف يمكن حماية المنشآت المدنية الحيوية من هجمات متكررة، في وقت لا تزال فيه الحرب اليمنية بعيدة عن تسوية نهائية؟
مطار الرياض.. هدف حيوي في قلب المعادلة
لا تقتصر أهمية مطار الملك خالد الدولي على كونه منشأة داخل العاصمة السعودية، بل تمتد إلى دوره في حركة النقل الجوي والاقتصاد وحركة المسافرين. ولذلك، فإن استهدافه لا يقتصر أثره على الأضرار المادية المباشرة، بل قد يفرض إجراءات أمنية إضافية، ويؤثر في حركة الطيران وثقة المسافرين، ويرفع كلفة حماية البنية التحتية المدنية.
كما أن تضرر طائرة تابعة للخطوط السعودية وهي على الأرض يسلط الضوء على المخاطر التي تواجه الطيران المدني في مناطق النزاع. فالأضرار قد تنتج عن إصابة مباشرة أو عن آثار جانبية للهجوم، ولا يمكن تحديد تفاصيلها الفنية من الصور المتداولة وحدها.
وتضع هذه التطورات السلطات السعودية أمام اختبار مزدوج: تأمين المنشآت الحيوية من جهة، وضمان استمرار الخدمات وحماية المدنيين والعاملين من جهة أخرى.
هل يفرض الحوثيون معادلة استنزاف؟
تعتمد معادلة الاستنزاف على استخدام هجمات متكررة لإجبار الخصم على إنفاق موارد متواصلة على الدفاع، حتى عندما يمتلك تفوقاً كبيراً في القدرات العسكرية التقليدية. وقد يسعى الطرف الأضعف إلى جعل حماية المنشآت الحيوية مكلفة، وإبقاء حالة التهديد قائمة، بدلاً من السعي إلى تحقيق تفوق عسكري شامل.
وفي الحالة السعودية، قد تفرض الهجمات المتكررة أعباء إضافية تتعلق بتعزيز الدفاعات، ورفع جاهزية الأجهزة الأمنية، وفحص المرافق المدنية، والتعامل مع الخسائر البشرية وتعطّل بعض العمليات.
لكن قياس حجم الاستنزاف الفعلي يحتاج إلى بيانات دقيقة عن تكلفة الهجمات وعمليات الاعتراض، ونوعية الأسلحة المستخدمة، ونسبة المقذوفات التي وصلت إلى أهدافها. ولا يمكن استنتاج ميزان القوى من عدد القتلى أو حجم الأضرار وحدهما.
ومع ذلك، فإن تكرار استهداف منشأة واحدة خلال أيام قليلة يبرز صعوبة ضمان الحماية الكاملة، ويزيد الضغوط على السلطات لتقليص فرص تكرار الهجمات.
قدرات الحوثيين.. ما الذي تثبته الهجمات؟
تظهر الهجمات الأخيرة أن الحوثيين ما زالوا قادرين على تهديد أهداف داخل الأراضي السعودية، رغم سنوات من العمليات العسكرية التي استهدفت قدراتهم. لكن هذا لا يعني تلقائياً أن قدراتهم أصبحت مكافئة للقدرات السعودية، أو أن ميزان الحرب انقلب لمصلحتهم.
فالتقييم العسكري يعتمد على عوامل متعددة، من بينها دقة الإصابة، ونوع السلاح المستخدم، والقدرة على تكرار الهجمات، ومدى نجاح الدفاعات في اعتراض المقذوفات، وحجم الخسائر التي تسبب بها كل هجوم.
كما أن الحديث عن وصول سلاح إلى هدف يبعد نحو ألف كيلومتر يتطلب التحقق من نقطة الإطلاق ومسار السلاح ونوعه، ولا يمكن الجزم بهذه التفاصيل اعتماداً على مقاطع مصورة أو منشورات متداولة فقط. وتظل المفارقة أن التفوق في حجم الترسانة لا يضمن منع جميع الهجمات، خصوصاً عندما يواجه الطرف الأقوى خصماً يعتمد على عمليات متكررة ويستفيد من تعقيدات الجغرافيا وطبيعة الحرب غير المتكافئة.
معضلة الرياض.. إلى متى يمكن الاعتماد على القوة؟
تواجه السعودية خيارات معقدة في التعامل مع التصعيد. فقد يؤدي الرد العسكري إلى إضعاف قدرات الحوثيين وتقليص قدرتهم على تهديد المنشآت الحيوية، لكنه قد يفتح الباب أيضاً أمام موجة جديدة من الهجمات والضربات المتبادلة، بما يرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية.
في المقابل، قد تحد الإجراءات الدفاعية من آثار الهجمات، لكنها لا تضمن إنهاء التهديد بصورة دائمة ما دامت الجماعة تحتفظ بقدرات تسمح لها بمواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهنا تتجاوز المعضلة مسألة اعتراض هجوم أو إصلاح الأضرار، لتصل إلى السؤال عن جدوى استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح. فسنوات المواجهة لم تنهِ الصراع اليمني، كما أن استمرار القتال يضاعف معاناة المدنيين ويهدد أمن المنطقة واستقرارها.
بين الرد العسكري والتسوية
تؤكد الهجمات المتتالية على الرياض أن المواجهة دخلت مرحلة أكثر خطورة، مع اتساع دائرة التهديد لتشمل منشآت مدنية حيوية. لكنها لا تحسم وحدها نتيجة الحرب، ولا تثبت أن الحوثيين نجحوا في فرض شروطهم على السعودية.
فالمعادلة المقبلة ستتحدد بقدرة الرياض على حماية أراضيها وتقليص مصادر التهديد، وبقدرة الحوثيين على مواصلة الهجمات وتحمل تبعاتها، فضلاً عن مواقف الأطراف الإقليمية والدولية ومسار الجهود السياسية.
وفي نهاية المطاف، لن يكون التحدي السعودي مجرد التصدي لصاروخ جديد، بل منع تحول الهجمات المتكررة إلى استنزاف طويل الأمد. وبين القوة العسكرية والبحث عن تسوية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحرب إنهاء التهديد، أم أن استمرارها سيجعل كلفة المواجهة أكبر من كلفة التوصل إلى حل سياسي؟
قد يعجبك
هجمات الحوثيين تضرب مطاري الرياض وأبها.. وتركيا وباكستان تتحركان لتعزيز دفاعات السعودية
الحوثيون يصعّدون هجماتهم على أهداف للحكومة اليمنية والسعودية وسط اتساع دائرة العنف
هل عادت الإمارات إلى حرب اليمن من بوابة «ألوية العمالقة»؟ معركة الساحل تكشف صراع النفوذ

