وطن-تحوّلت مواقع التنقيب الأهلي عن الذهب في شمال السودان إلى مسرح لمأساة دامية، بعد غارات جوية استهدفت عمال تعدين قرب الحدود المصرية، وسط اتهامات سودانية للجيش المصري بالوقوف وراء الهجوم، وتضارب في حصيلة القتلى والجرحى، ومخاوف من اتساع الكارثة الإنسانية.
وبحسب شهادات ناجين نقلتها وسائل إعلام سودانية، فإن القصف الذي وقع يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول استهدف مواقع للتعدين التقليدي في منطقة شمال الوادي، بالقرب من الحدود السودانية المصرية، حيث يعمل آلاف السودانيين في البحث عن الذهب وسط ظروف قاسية، دفعت كثيرين منهم إلى هذه المهنة بحثاً عن مصدر رزق في ظل الحرب والأزمة الاقتصادية.
نحو 200 قتيل وفق روايات ناجين
تتباين الأرقام بشأن حصيلة الضحايا. فقد نقلت صحيفة «سودان تريبيون» عن ناجين تقديرات تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 200 شخص وإصابة مئات آخرين، مع مخاوف من ارتفاع العدد بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة ونقص الخدمات الطبية.
في المقابل، تحدثت منظمة «محامو الطوارئ» عن مقتل 72 معدّناً مدنياً على الأقل، وفق ما أوردته تقارير إعلامية سودانية. ويعكس هذا التفاوت صعوبة التحقق من الحصيلة النهائية في منطقة نائية، حيث تعرقل وعورة التضاريس وضعف الإمكانات الطبية عمليات الإنقاذ وإحصاء الضحايا.
وتشير إفادات محلية إلى أن طائرات نفذت غارات على مواقع التعدين ومخيمات العمال، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتدمير أماكن كانت تؤوي العاملين. غير أن العدد النهائي للضحايا وتفاصيل العملية لا يزالان بحاجة إلى تحقق مستقل.
اتهامات للجيش المصري.. ولا تأكيد مستقل لهوية المنفذين
وجّهت منظمات سودانية وناجون اتهامات إلى الجيش المصري بتنفيذ القصف، وقالت منظمة مناصرة ضحايا دارفور إن طائرتين عسكريتين مصريتين شاركتا في الهجوم وألقتا نحو تسع قنابل على المنطقة، ما أدى، وفق تقديراتها، إلى مقتل نحو 200 شخص وإصابة 120 آخرين. كما تحدثت المنظمة عن تحركات جوية سبقت الهجوم خلال الأيام التي تلت ذلك، وعن نقل مصابين لتلقي العلاج في مناطق مجاورة.
لكن هذه التفاصيل تظل منسوبة إلى المنظمة والشهود الذين استندت إليهم، ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة. ولم تتضمن التقارير المتاحة وقت نشرها تعليقاً رسمياً مصرياً يحسم الاتهامات أو يوضح ملابسات الحادثة. ويأتي ذلك في ظل توترات متكررة في المناطق الحدودية، حيث تتداخل أنشطة التنقيب الأهلي عن الذهب مع الخلافات المتعلقة بالحدود والتهريب والسيطرة على الموارد المعدنية.
نزوح جماعي ومخاوف على مصير المفقودين
لم تقتصر آثار القصف على القتلى والجرحى؛ إذ أفادت منظمة مناصرة ضحايا دارفور بأن نحو عشرة آلاف شخص نزحوا من المنطقة خوفاً من تكرار الغارات، فيما تحدثت تقارير أخرى عن فرار أعداد أكبر من العاملين في التعدين. وتزيد المسافات الطويلة وغياب الرعاية الصحية الكافية من معاناة المصابين والناجين، الذين يواجه بعضهم صعوبات في الوصول إلى العلاج والمأوى والمياه، في منطقة صحراوية قاسية.
كما أثارت المنظمة مخاوف بشأن مصير 13 عاملاً قالت إن الجيش المصري اعتقلهم واقتادهم إلى داخل الأراضي المصرية، من دون أن تتضح أوضاعهم حتى الآن. ويظل هذا الادعاء بحاجة إلى توضيح رسمي ومعلومات موثوقة بشأن هوية المحتجزين ومكان وجودهم وأسباب احتجازهم.
حادثة جديدة تعيد المخاوف من استهداف مناجم الذهب
تعيد الغارات الأخيرة إلى الواجهة تقارير عن حوادث سابقة استهدفت مواقع للتعدين قرب الحدود المصرية السودانية. ففي يونيو/حزيران الماضي، سُجلت تقارير عن قصف مواقع للتنقيب عن الذهب وسقوط قتلى وجرحى، وسط اتهامات سودانية للقوات المصرية.
وتكتسب هذه الحوادث أهمية خاصة لأن التعدين الأهلي يشكّل مصدر دخل لعدد كبير من السودانيين، خصوصاً مع استمرار الحرب منذ أبريل/نيسان 2023 وتراجع فرص العمل وسبل العيش في مناطق واسعة من البلاد. ومع تكرار التقارير عن سقوط ضحايا في المناطق الحدودية، تتصاعد المطالب بتوضيح ملابسات الهجمات، والتحقيق في المسؤولية عنها، وضمان حماية المدنيين والعاملين في التعدين، أياً كانت الجهة المنفذة.
من يحاسب المسؤولين عن سقوط المدنيين؟
تثير مأساة شمال الوادي أسئلة تتجاوز حصيلة القتلى: من المسؤول عن حماية العمال الذين يبحثون عن مصدر رزقهم في مناطق النزاع؟ وما مصير المصابين والمفقودين والمحتجزين الذين تحدثت عنهم المنظمات السودانية؟ وهل تُفتح تحقيقات مستقلة لتحديد الجهة التي نفذت الغارات والظروف التي أحاطت بها؟
حتى تتضح الوقائع، تبقى حصيلة الضحايا وهوية منفذي الهجوم من أبرز النقاط التي تحتاج إلى تحقيق موثوق. لكن المؤكد أن المدنيين والعاملين في التعدين يدفعون ثمناً باهظاً في منطقة تتشابك فيها الحرب والفقر والتوترات الحدودية، حيث بات البحث عن الذهب محفوفاً بمخاطر قد تنتهي بالموت.
قد يعجبك
سد النهضة يدخل أخطر اختبار.. الجفاف يكشف تحديات إدارة السد وتأثيرها على السودان ومصر
مؤتمر سري في لندن يشعل السودان… بريطانيا تستضيف جناح الدعم السريع وتغيب الخرطوم!
إثيوبيا تتهم مصر والسودان بدعم التمرد وسط تصعيد تيغراي
شركة صينية مدعومة إماراتياً تستحوذ على حصة في منجم ذهب بإثيوبيا قرب منطقة الحرب في السودان

