وطن-دخل قطاع تعدين الذهب في إثيوبيا مرحلة جديدة من التنافس الدولي، بعد إتمام صفقة استثمارية بين شركة أليد غولد الكندية وشركة زيجين غولد إنترناشيونال الصينية، تشمل أصولاً تعدينّية من بينها امتياز كورموك في إقليم بني شنقول-قمز غربي إثيوبيا، بالقرب من الحدود السودانية.
ولا تكتسب الصفقة أهميتها من قيمتها المالية فقط، بل من الموقع الجغرافي الحساس للمنجم، الذي يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح التعدين مع التوترات الأمنية وحرب السودان، إلى جانب اتهامات وتقارير تتحدث عن أدوار إماراتية وإثيوبية مرتبطة بقوات الدعم السريع السودانية.
صفقة تفتح الباب أمام الصين
أعلنت شركة أليد غولد إتمام استثمار استراتيجي من شركة زيجين غولد إنترناشيونال، منح الأخيرة نحو 9.2% من الأسهم العادية في الشركة الكندية، مقابل مبلغ يقل قليلاً عن 300 مليون دولار.
وتشمل الصفقة محفظة من الأصول التعدينية في مالي وساحل العاج، إضافة إلى امتياز كورموك في غرب إثيوبيا، الذي تراهن عليه الشركة الكندية ليصبح أحد مشاريعها الرئيسية خلال السنوات المقبلة.
وتتوقع أليد غولد بدء العمليات في كورموك خلال أغسطس، مع تقديرات بإنتاج يتراوح بين 240 ألفاً و270 ألف أوقية من الذهب خلال عام 2027، وهو إنتاج قد تصل قيمته إلى نحو مليار دولار وفق مستويات أسعار الذهب الحالية.
لكن موقع كورموك يمنح الصفقة بعداً يتجاوز حسابات الأرباح والإنتاج، إذ يقع المنجم في منطقة قريبة من الحدود السودانية، وفي محيط شهد خلال السنوات الأخيرة اضطرابات ونزوحاً ونشاطاً تعدينياً غير رسمي.
من صفقة استحواذ إلى شراكة استراتيجية
تأتي الصفقة الجديدة بعد سلسلة من المحاولات التي لم تكتمل للاستحواذ على أليد غولد، فقد شهد العام الماضي محاولة من شركة إماراتية لشراء أصول الشركة، قبل أن تنهار الصفقة لاحقاً. كما دخلت زيجين غولد نفسها في مفاوضات للاستحواذ الكامل على الشركة الكندية مقابل نحو 4 مليارات دولار، إلا أن الصفقة تعثرت بسبب عدم الحصول على الموافقات التنظيمية الصينية المطلوبة.
وبدلاً من الاستحواذ الكامل، اتجه الطرفان إلى صيغة استثمار جزئي، منحت الشركة الصينية حصة مؤثرة في أليد غولد، ووفرت لها موطئ قدم في مشاريع الشركة، ومن بينها منجم كورموك.
وتزداد أهمية هذه الخطوة مع وجود صلات استثمارية بين رأس المال الصيني والإماراتي. إذ يُعد جهاز أبوظبي للاستثمار من كبار المساهمين في شركة زيجين للتعدين، الشركة الأم لزيجين غولد إنترناشيونال.
وكانت أليد غولد قد وقعت في فبراير 2025 اتفاقاً بقيمة نحو 500 مليون دولار مع شركة إماراتية تدعى أمبروسيا، يمنحها حصة تبلغ 50% في بعض أصول الشركة التعدينية.
لكن الاتفاق لم يكتمل لاحقاً، قبل أن تدخل زيجين غولد على خط الصفقة من خلال محاولة الاستحواذ على الشركة الكندية بالكامل، وهي المحاولة التي انتهت بدورها إلى اتفاق استثماري جزئي.
رأس المال الإماراتي يلتقي بالاستثمار الصيني
تثير هذه التطورات تساؤلات حول طبيعة التشابك المتزايد بين الاستثمارات الصينية والإماراتية في قطاع الذهب الإثيوبي، ففي الوقت الذي تدخل فيه شركة صينية كبرى إلى أصول أليد غولد، يمتلك جهاز أبوظبي للاستثمار حصة في الشركة الصينية الأم، ما يجعل رأس المال الإماراتي حاضراً بصورة غير مباشرة في هيكل الاستثمار الجديد.
وفي مارس، أفادت تقارير بأن جهاز أبوظبي للاستثمار ضخ نحو 680 مليون دولار في شركة زيجين للتعدين، ما عزز موقعه بين كبار مساهمي الشركة الصينية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود إدارة مشتركة للمشروع أو اتفاق مباشر بين أبوظبي وبكين بشأن منجم كورموك، لكنه يكشف عن شبكة مالية واستثمارية تتقاطع فيها مصالح الطرفين في قطاع التعدين والمعادن الثمينة.
لماذا كورموك تحديداً؟
تكمن حساسية الصفقة في الموقع الجغرافي لمنجم كورموك، فالمنجم يقع في إقليم بني شنقول-قمز، على مسافة قريبة من الحدود السودانية، وهي منطقة تشهد نشاطاً تعدينياً واسعاً، إلى جانب توترات أمنية محلية.
كما يقع موقع كورموك على بعد نحو 20 كيلومتراً من منطقة سودانية تحمل الاسم نفسه، حيث ظهرت تقارير عن اكتشاف مقابر جماعية يُعتقد أنها تضم أشخاصاً قتلوا خلال الحرب السودانية.
ويمنح هذا القرب الجغرافي من مناطق الصراع الصفقة أبعاداً سياسية وأمنية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
كما يقع المنجم على مسافة تقارب 100 كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي، ما يجعل المنطقة ذات أهمية إضافية بالنسبة إلى الحسابات الجيوسياسية في القرن الأفريقي وحوض النيل.
اتهامات بشأن الدعم لقوات الدعم السريع
تزداد حساسية المنطقة بسبب تقارير سابقة تحدثت عن وجود مراكز لوجستية وعسكرية في إقليم بني شنقول-قمز، وربطتها بدعم قوات الدعم السريع في السودان.
وتتهم تقارير دولية الإمارات بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. كما تنفي إثيوبيا أي تورط في الحرب السودانية أو دعم أحد طرفيها.
وبحسب تقارير نقلها موقع “ميدل إيست آي“، فإن مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول-قمز، تضم منشآت لوجستية قيل إنها استخدمت في عمليات مرتبطة بتدريب وتسليح مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع.
غير أن هذه الادعاءات تظل موضع نزاع، ولا تعني بالضرورة أن الاستثمار الجديد في كورموك مرتبط مباشرة بأي نشاط عسكري أو بدعم طرف من أطراف الحرب السودانية.
الذهب.. الثروة التي تربط السودان بدبي
يمثل الذهب أحد أهم مصادر الثروة في السودان، كما أصبح خلال الحرب أحد أبرز الملفات المرتبطة بتمويل أطراف النزاع. وتشير تقارير إلى أن كميات كبيرة من الذهب السوداني تصل إلى الإمارات، ولا سيما إلى سوق الذهب في دبي، سواء عبر قنوات رسمية أو من خلال شبكات تجارية غير رسمية.
وتتهم جهات دولية وإقليمية قوات الدعم السريع بالاستفادة من تجارة الذهب لتمويل عملياتها العسكرية، فيما تنفي الإمارات الاتهامات المتعلقة بدعم القوات بالسلاح أو التمويل.
وتشير تقديرات نقلها موقع “ميدل إيست آي” عن خبراء في قطاع الذهب السوداني إلى أن الجزء الأكبر من الإنتاج يأتي من التعدين الأهلي، قبل أن ينتقل الذهب إلى التجار والمصدرين، ومنهم من ينقلونه إلى الأسواق الخارجية.
وقال الخبير السوداني في تجارة الذهب سليمان بلدو إن نسبة كبيرة من إنتاج الذهب السوداني تأتي من التعدين الأهلي، فيما تلعب شبكات التجار والوسطاء دوراً رئيسياً في شراء الذهب ونقله إلى الخارج.
الصين بين الحياد والمصالح الاقتصادية
أما الصين، فتؤكد رسمياً التزامها الحياد تجاه الحرب السودانية، وتدعو إلى وقف القتال والحفاظ على وحدة السودان. لكن توسع الاستثمارات الصينية في قطاعات التعدين والطاقة في المنطقة يضع بكين أمام معادلة أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تقع المشاريع الجديدة بالقرب من مناطق نزاع أو طرق تجارية مرتبطة بالدول المتورطة في الأزمة.
وتشير تقارير إلى أن أسلحة صينية الصنع وصلت إلى السودان عبر شبكات إقليمية، في وقت تنفي فيه بكين أن تكون طرفاً في الصراع.
وبالتالي، فإن دخول شركة صينية كبرى إلى مشروع ذهبي بالقرب من الحدود السودانية لا يعني تلقائياً انحياز الصين إلى أي طرف في الحرب، لكنه يعكس في المقابل اتساع المصالح الاقتصادية الصينية في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
هل يتحول الذهب إلى ورقة نفوذ؟
السؤال الأهم الذي تطرحه صفقة كورموك لا يتعلق فقط بحجم الذهب المتوقع استخراجه، وإنما بما يمكن أن يعنيه المشروع بالنسبة إلى موازين النفوذ في المنطقة.
فالمشروع يقع في منطقة حدودية حساسة، بالقرب من حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وفي إقليم ترتبط به تقارير عن أنشطة عسكرية ولوجستية مثيرة للجدل.
وفي الوقت نفسه، تدخل شركة صينية كبرى إلى المشروع، بينما يرتبط رأس المال الإماراتي بالشركة الصينية الأم، في وقت تُعد فيه الإمارات من أهم الأسواق العالمية للذهب ومركزاً رئيسياً لتجارة المعدن النفيس.
هذه المعطيات لا تثبت وجود تنسيق سياسي أو عسكري بين الأطراف المشاركة في الصفقة، لكنها تكشف عن شبكة مصالح اقتصادية متشابكة تجعل الذهب جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها التجارة والاستثمار والنفوذ والأمن الإقليمي.
شركة التعدين أمام أسئلة صعبة
أثار موقع “ميدل إيست آي” تساؤلات حول قدرة أليد غولد على ضمان عدم استخدام الذهب المستخرج من كورموك بصورة مباشرة أو غير مباشرة لتمويل جماعات مسلحة في السودان.
ولم تقدم الشركة، وفق الموقع، رداً رسمياً على هذه الأسئلة، كما لم ترد زيجين غولد على الاستفسارات المتعلقة بالموضوع.
في المقابل، رحب وزير المناجم الإثيوبي بتوسع الاستثمارات في قطاعات الذهب والمعادن الحيوية والنفط والأسمدة، في رسالة تعكس رغبة أديس أبابا في جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية إلى قطاع التعدين.
وتخطط أليد غولد لاستخدام عائدات الصفقة في تطوير عملياتها التعدينية، واستكمال مشروع كورموك ورفع قدرته الإنتاجية، إلى جانب تمويل مشاريع أخرى تابعة للشركة.
الذهب على حدود حرب مفتوحة
تأتي صفقة كورموك في لحظة حساسة بالنسبة إلى السودان والمنطقة بأكملها، فالحرب السودانية أدت إلى نزوح ملايين الأشخاص، وتسببت في أزمة إنسانية واسعة، بينما تحولت الثروات الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، إلى أحد أهم مصادر التمويل المتنازع عليها.
وفي هذه البيئة، يصبح أي استثمار ضخم في التعدين بالقرب من الحدود السودانية محط أنظار سياسي وأمني، خصوصاً عندما تتقاطع فيه شركات كندية وصينية، ورؤوس أموال إماراتية، ومصالح إثيوبية، مع منطقة ترتبط بتقارير عن الحرب السودانية.
ولهذا، فإن منجم كورموك قد لا يكون مجرد مشروع جديد لاستخراج الذهب؛ بل نقطة تلتقي عندها الثروة الطبيعية مع المنافسة الصينية والإماراتية، وحسابات إثيوبيا الإقليمية، وتداعيات الحرب السودانية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول ثروة كورموك إلى محرك للتنمية في منطقة حدودية فقيرة، أم تصبح حلقة جديدة في شبكة المصالح التي تجعل ذهب المنطقة جزءاً من صراعات النفوذ والحروب؟
اقرأ أيضاً
ملايين الدولارات وتلال من الذهب.. هل تفجر قضية طهند العباسي” أكبر زلزال فساد في العراق؟
مودي يعلن “تقشف الطاقة” في الهند: وقف شراء الذهب وخفض استهلاك البنزين لمواجهة أزمة هرمز
من خزائن البنك المركزي السوداني إلى دبي.. كيف تحول ذهب السودان إلى وقود للحرب؟

