وطن-لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية مجرد محطة غير مسبوقة في تاريخ مشاركة النساء في الحياة السياسية بالمملكة، بل فتح أيضاً باباً واسعاً من التساؤلات حول خلفيتها السياسية، وعلاقاتها بمدينة مراكش ومجتمعها اليهودي، وما إذا كان صعودها سيحمل انعكاسات على ملفات حساسة، من بينها العلاقات المغربية الإسرائيلية.
في 29 سبتمبر/أيلول 2026، عيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول، بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395. وبذلك أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
لكن ما الذي يحيط بهذا المنصب؟ ومن أي مسار سياسي وصلت المنصوري إلى هذا الموقع؟ ولماذا حظي تعيينها باهتمام واضح في الإعلام الإسرائيلي؟
من مراكش إلى رئاسة الحكومة
فاطمة الزهراء المنصوري، المولودة في مراكش عام 1976، محامية في الأصل، وتولت رئاسة المجلس الجماعي لمراكش للمرة الأولى عام 2009، قبل أن تنتخب عضواً في مجلس النواب، ثم تتولى حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بين عامي 2021 و2026.
ومنذ عام 2024، تشغل المنصوري منصب منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي. وبعد فوز الحزب بالمركز الأول في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقع عليها اختيار الملك لتشكيل الحكومة.
ولم يحصل حزب الأصالة والمعاصرة على الأغلبية المطلقة، إذ يملك 97 مقعداً فقط، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، ما يجعل تشكيل ائتلاف حكومي جديد من أولى المهام السياسية أمام رئيسة الحكومة المكلفة.
تهنئة من إسرائيل ورسالة تتجاوز البروتوكول؟
بعد ساعات من تعيينها، وجّه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تهنئة إلى المنصوري عبر منصة «إكس». وقال هرتسوغ إنه، باسم إسرائيل، يوجه «أحر التهاني» إلى المنصوري بمناسبة تعيينها، متمنياً لها النجاح، قبل أن يشيد بما وصفه بقيادة الملك محمد السادس في السعي إلى السلام وتعزيز «الروابط التاريخية» بين الشعبين المغربي والإسرائيلي.
وختم الرئيس الإسرائيلي رسالته بالتعبير عن أمله في مواصلة العمل المشترك من أجل «توسيع دائرة السلام والتسامح» في المنطقة. وتأتي هذه التهنئة في سياق علاقات مغربية إسرائيلية شهدت تطوراً منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما جعل الرسالة الإسرائيلية تحظى باهتمام إعلامي يتجاوز مجرد التهنئة السياسية لرئيسة حكومة جديدة.
لكن الرسالة، في حد ذاتها، لا تثبت أن المنصوري تتبنى موقفاً معيناً تجاه إسرائيل، ولا تكشف وحدها عن طبيعة السياسة التي ستنتهجها الحكومة الجديدة في هذا الملف.
حضور الجالية اليهودية في قصة المنصوري
الاهتمام الإسرائيلي بالمنصوري لم يبدأ مع تهنئة هرتسوغ فقط، ففي تقرير نشره موقع «واي نت» عقب تعيينها، تحدث جاكي قدوش، رئيس الجالية اليهودية في مراكش، عن معرفته القديمة بالمنصوري وعائلتها، وقال إنها «نشأت معنا»، مشيراً إلى العلاقة التي ربطتها بالجالية خلال فترة توليها رئاسة المجلس الجماعي للمدينة.
كما تحدث قدوش عن زيارة سابقة قامت بها المنصوري إلى كنيس يهودي في مراكش خلال يوم الغفران، وقال إنها جلست في قسم النساء وطلبت منه أن يدعو لها. وفي حديثه للموقع الإسرائيلي، عبّر قدوش عن اعتقاده بأنها «ستسير في طريق الملك»، وقال إنها لن تتسامح مع أجندة الإسلاميين.
وهنا تبرز نقطة مهمة: هذه العبارات الأخيرة هي تقييم شخصي منسوب إلى جاكي قدوش، وليست تصريحات صادرة عن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها.
ماذا عن عائلتها؟
تربط تقارير إعلامية أيضاً اسم المنصوري بعائلة لها حضور سياسي وقانوني قديم في مراكش، فوالدها عبد الرحمن المنصوري كان محامياً وشغل منصب باشا مراكش، وفق السيرة المنشورة عن ابنته.
أما الادعاءات المتداولة حول توليه منصب سفير المغرب لدى الإمارات، أو كونه أول مسؤول مغربي يلتقي علناً وزير الخارجية الإسرائيلي عام 1999، أو قيامه بتنسيق عمل مكتب الاتصال الإسرائيلي في المغرب قبل استئناف العلاقات الدبلوماسية، فلم نعثر في المصادر الموثوقة التي راجعناها على توثيق مستقل كافٍ لهذه التفاصيل، ولذلك لا يصح تقديمها في صيغة حقائق محسومة.
والأمر نفسه ينطبق على الادعاء بأن المنصوري دعت إلى «تجنيس جماعي» للإسرائيليين من أصول مغربية؛ فقد ظهر هذا الادعاء في مصادر ثانوية متداولة، لكن لم نجد في المصادر الموثوقة التي راجعناها توثيقاً أصلياً كافياً يسمح بنسبته إليها كحقيقة مؤكدة.
هل يعني ذلك استمرار النهج تجاه إسرائيل؟
هذا هو السؤال الذي سيبقى مفتوحاً مع بداية تشكيل الحكومة الجديدة. فالمنصوري تدخل رئاسة الحكومة في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة حساسة، وفي وقت تعمل فيه الرباط وتل أبيب على تطوير العلاقات الثنائية. لكن من السابق لأوانه اختزال برنامج الحكومة الجديدة في هذا الملف وحده.
فالمنصوري تواجه على المستوى الداخلي ملفات اقتصادية واجتماعية كبيرة، من بينها التشغيل والقدرة الشرائية، إضافة إلى التحضير للاستحقاقات المرتبطة باستضافة المغرب لكأس العالم 2030، وتشكيل أغلبية برلمانية قادرة على دعم حكومتها.
كما أن المنصوري نفسها لم تعلن، منذ تكليفها بتشكيل الحكومة، عن برنامج جديد خاص بالعلاقات مع إسرائيل. ولذلك فإن الربط بين تعيينها وبين استمرار أو تغيير سياسة الرباط تجاه تل أبيب يبقى، في هذه المرحلة، موضوعاً للتحليل السياسي أكثر منه سياسة حكومية معلنة.
وماذا عن فلسطين؟
العلاقات المغربية الإسرائيلية لا تلغي الموقف الرسمي المغربي المعلن بشأن القضية الفلسطينية، كما أن تطور العلاقات بين الرباط وتل أبيب لا يعني تلقائياً أن الحكومة الجديدة ستتبنى موقفاً مختلفاً عن الموقف الرسمي للدولة. لذلك، فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ بل أيضاً: كيف ستتعامل حكومتها مع التوازن الدقيق بين العلاقات مع إسرائيل، والموقف المغربي من القضية الفلسطينية، وبقية الملفات الداخلية والخارجية؟
وحتى تتضح تركيبة الحكومة وبرنامجها الرسمي، ستظل الإجابة مرتبطة بما ستعلنه رئيسة الحكومة الجديدة وما ستتخذه مؤسسات الدولة من قرارات، لا بمجرد التغطيات الإعلامية أو التوقعات المرتبطة بخلفيتها وعلاقاتها السابقة
اقرأ المزيد
دولة في الاتحاد الأوروبي تُلزم 6200 مغربي بمغادرة أراضيها وسط تشديد إجراءات الهجرة
ملك أنهكه المرض وولي عهد بلا خبرة.. هل يقترب القصر بالرباط من أخطر أزمات الخلافة؟
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول امرأة تكلّف برئاسة الحكومة في تاريخ المغرب

