وطن-عاد مستقبل علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي إلى صدارة النقاش السياسي في لندن، بعد أن فتح رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام الباب أمام دراسة مجموعة واسعة من الخيارات، من الإبقاء على ترتيبات ما بعد بريكست وصولاً إلى احتمال إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي.
وجاء التحول خلال مؤتمر حزب العمال في ليفربول، حيث قال برنهام إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تسبب، في تقديره، في «ضرر أكبر من الفائدة»، داعياً إلى نقاش وطني حول العلاقة طويلة الأمد مع الشركاء الأوروبيين. وبعد خطابه، أوضح في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية أن الحكومة ستبحث ما هو ممكن وما تحمله الخيارات المختلفة من إيجابيات وسلبيات.
من الوضع الحالي إلى العودة الكاملة
وضع برنهام عدة مسارات محتملة أمام الحكومة البريطانية. ويشمل ذلك الإبقاء على العلاقة الحالية، أو إعادة الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، أو العودة إلى السوق الموحدة، وصولاً إلى ما وصفه بـ«الذهاب إلى النهاية»، في إشارة إلى إمكانية إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي.
وقال برنهام إنه يريد أن تدرس بريطانيا هذه الخيارات بدلاً من ترك ملف العلاقة مع أوروبا «معلقاً»، مؤكداً أن الهدف هو تحديد الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه البلاد خلال العقد المقبل.
وفي حديثه إلى برنامج «توداي» على إذاعة «بي بي سي راديو 4»، أقر برنهام بأنه سبق أن قال إنه يرغب في أن يرى بريطانيا تعود إلى الاتحاد الأوروبي خلال حياته، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن العودة هي الخيار المطروح للتنفيذ الآن، بل إنها واحدة من الخيارات التي ينبغي بحثها.
ويمثل هذا الموقف تحولاً مهماً مقارنة بالخطوط التي وضعها حزب العمال في برنامجه الانتخابي لعام 2024، والذي استبعد العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي وإعادة حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي.
ماذا يقول البريطانيون عن العودة إلى الاتحاد؟
تظهر استطلاعات الرأي أن المزاج العام البريطاني أصبح أكثر انفتاحاً على إعادة النظر في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، لكن مستوى التأييد يتغير بحسب صياغة السؤال والشروط المرتبطة بالعودة.
ففي أحدث بيانات «يوغوف» المنشورة في يونيو 2026، أيد 55% من البريطانيين فكرة إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 34% عارضوها. كما أظهر الاستطلاع أن 23% ممن صوتوا لصالح الخروج في استفتاء 2016 أصبحوا يؤيدون العودة.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما يُسأل البريطانيون عن العودة بشروط مختلفة. فقد أظهرت دراسة أخرى لـ«يوغوف» أن تأييد العودة ينخفض بشكل واضح إذا كان على المملكة المتحدة التخلي عن الاستثناءات التي كانت تتمتع بها سابقاً داخل الاتحاد، وهو ما يعكس أهمية شروط العضوية وليس مجرد سؤال العودة من عدمها.
كما تشير بيانات «يوغوف» إلى أن العلاقة الأقرب مع الاتحاد الأوروبي من دون العودة إلى عضويته أو إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي تحظى بدعم واسع، ما يوضح أن الرأي العام لا ينحصر بالضرورة بين خيارَي «العودة الكاملة» و«بريكست الحالي».
فاراج يعيد ملف بريكست إلى الواجهة
فتح برنهام لهذا الملف يضع حزب العمال أيضاً أمام مواجهة سياسية مع قوى لا تزال تدافع عن نتيجة استفتاء 2016، وفي مقدمتها حزب «ريفورم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج.
وكان فاراج من أبرز الوجوه السياسية في حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقد انتقد طرح برنهام واعتبر أن إعادة فتح ملف العضوية الأوروبية تمنحه فرصة لإعادة طرح حجج مؤيدي بريكست.
لكن حجم التأثير السياسي لهذا الملف يبقى مرتبطاً بكيفية تطور النقاش داخل بريطانيا، وما إذا كان حزب العمال سينتقل مستقبلاً من مجرد دراسة الخيارات إلى تبني أحدها رسمياً.
ترحيب فرنسي وإسباني بالانفتاح البريطاني
في المقابل، قوبل طرح برنهام بإشارات إيجابية من بعض القادة الأوروبيين، فخلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدريد، رحب بفكرة إمكانية عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، قائلاً بالإنجليزية «مرحباً بالعودة»، فيما عبّر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أيضاً عن ترحيبه بهذا الاحتمال.
لكن الترحيب السياسي لا يعني أن الطريق إلى العضوية سيكون بسيطاً. فإعادة الانضمام ستتطلب مفاوضات وشروطاً جديدة، كما أن بريطانيا لن تتمكن بالضرورة من استعادة الوضع الخاص الذي كانت تتمتع به قبل بريكست.
وتُظهر النقاشات الأوروبية الحالية أن بروكسل تنظر إلى العلاقة مع لندن من زاوية أوسع تشمل التجارة، وحركة الأشخاص، وقواعد السوق الموحدة، والتعاون الأمني والدفاعي، إلى جانب الملفات القطاعية.
السوق الموحدة والاتحاد الجمركي.. ماذا يعنيان؟
العودة إلى الاتحاد الجمركي لا تعني العودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. فهي تقرّب بريطانيا من التكتل في مجال تجارة السلع والتعريفات الجمركية، لكنها لا تعيد إليها تلقائياً جميع حقوق السوق الموحدة.
أما العودة إلى السوق الموحدة فتعني مستوى أعمق بكثير من التكامل الاقتصادي، وترتبط بقواعد أوروبية مشتركة وبحرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص.
ولهذا فإن كل خيار يحمل تبعات سياسية واقتصادية مختلفة، وهو ما يفسر تأكيد برنهام أنه يريد دراسة «ما هو قابل للتنفيذ» و«إيجابيات وسلبيات» كل مسار قبل تحديد الاتجاه.
الهجرة والحدود.. العقدة الأكثر حساسية
تبقى قضية الهجرة وحركة الأشخاص من أكثر الملفات حساسية في أي نقاش حول إعادة بناء العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
فحرية التنقل كانت جزءاً أساسياً من عضوية بريطانيا السابقة، بينما كان التحكم في الحدود والهجرة من القضايا التي احتلت موقعاً مركزياً في حملة بريكست.
ولهذا فإن أي عودة إلى السوق الموحدة أو إلى ترتيبات أعمق مع الاتحاد ستعيد طرح أسئلة حول حركة المواطنين الأوروبيين، والرقابة على الحدود، وقواعد الهجرة.
وفي هذا السياق، جاءت أيضاً الخلافات الأخيرة بين لندن وبعض العواصم الأوروبية بشأن إدارة الهجرة عبر القنال الإنجليزي، في وقت أعلنت فيه فرنسا إنهاء اتفاق «واحد مقابل واحد» مع بريطانيا الخاص بإعادة المهاجرين، بعد انتهاء مدته في أكتوبر 2026.
التجارة والتعليم والدفاع على طاولة المفاوضات
ولا يقتصر ملف ما بعد بريكست على العضوية أو السوق الموحدة، إذ لا تزال مجموعة واسعة من الملفات العملية مطروحة بين لندن وبروكسل.ومن بينها التجارة في المنتجات الزراعية والغذائية، وتبادل الشباب، والتعاون الجامعي، فضلاً عن ترتيبات تنقل المواطنين والعمل عبر الحدود.
كما يبرز التعاون الدفاعي باعتباره مجالاً يتزايد فيه التقارب بين بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، خصوصاً في ظل الحرب في أوكرانيا والحاجة إلى تنسيق أمني أكبر داخل القارة.
وكانت القمة البريطانية الأوروبية التي كان مقرراً عقدها في يوليو قد أُلغيت بعد استقالة الحكومة السابقة، فيما يجري التحضير لقمة جديدة في نوفمبر لمناقشة مستقبل العلاقة بين الجانبين.
هل أصبحت عودة بريطانيا وشيكة؟
رغم عودة فكرة «بريكست عكسي» إلى النقاش السياسي، لا توجد حتى الآن خطوة رسمية لإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
المطروح حالياً هو مراجعة الخيارات المتاحة للعلاقة مع بروكسل، وتشمل الإبقاء على الوضع الراهن، وتعميق التعاون عبر الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة، وصولاً إلى احتمال إعادة الانضمام الكامل.
كما أن الموقف البريطاني النهائي لم يُحسم، وبرنهام نفسه قال إن الحكومة تريد دراسة الخيارات قبل تحديد ما يمكن تنفيذه.
وبذلك، فإن التطور الأبرز في المرحلة الحالية لا يتمثل في اقتراب موعد عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، بل في انتقال فكرة كانت لسنوات خارج النقاش الرسمي لحزب العمال إلى قائمة الخيارات التي يقول رئيس الوزراء إنه مستعد لدراستها.
وبعد عقد من استفتاء بريكست، يبدو أن لندن تدخل مرحلة جديدة من النقاش حول علاقتها بأوروبا، لكن الطريق من إعادة فتح النقاش إلى اتخاذ قرار بشأن العضوية يبقى طويلاً ومليئاً بالملفات السياسية والاقتصادية والقانونية.
اقرأ المزيد
خطة من 10 نقاط ووعود بإصلاح شامل.. برنهام يبدأ عهداً سياسياً جديداً في بريطانيا
عطل فني في مراقبة الحركة الجوية يشل مطارات بريطانيا ويتسبب في إلغاء أكثر من 400 رحلة جوية

