وطن-في وقت يتصاعد فيه الجدل في الولايات المتحدة بشأن اتساع الفجوة بين الأغنياء وبقية المجتمع، يدافع مؤسس شركة أمازون، جيف بيزوس، عن حق رجال الأعمال في تحقيق ثروات ضخمة، رافضاً اعتبار النجاح المالي في حد ذاته دليلاً على الاستغلال أو الفساد الأخلاقي. وفي المقابل، يقرّ بأن ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما أسعار السكن، يمثل مشكلة حقيقية تستدعي حلولاً عملية.
وبحسب مجلة «فورتشن»، يرى بيزوس أن النقاش حول الثروة أصبح في كثير من الأحيان محكوماً بتقسيم المجتمع إلى ظالم ومظلوم، بما يجعل النجاح الاقتصادي موضع إدانة تلقائية، بدلاً من التركيز على كيفية بناء الشركات ومعالجة المشكلات التي تواجه المواطنين.
بيزوس: النجاح ليس جريمة
استشهد مؤسس أمازون، خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، بمثال صاحب مشروع صغير يبدأ ببيع البرغر أو الدجاج، ثم يوسّع نشاطه تدريجياً حتى يتحول إلى سلسلة كبيرة تضم آلاف الفروع والموظفين. وبحسب بيزوس، فإن وصول صاحب المشروع إلى مرتبة المليارديرات لا يجعله شخصاً سيئاً، ما دام قد بنى نشاطاً ناجحاً يقدم منتجاً يلقى إقبالاً من المستهلكين.
وتعكس هذه التصريحات دفاعاً عن فكرة أن الثروة قد تكون نتيجة الابتكار والمخاطرة وتطوير الأعمال، في مقابل الخطاب الذي يربط تراكم الأموال لدى قلة من الأفراد بالتفاوت الاقتصادي والاجتماعي.
وقد أسس بيزوس أمازون عام 1994 بوصفها متجراً إلكترونياً لبيع الكتب، قبل أن تتوسع الشركة لتصبح واحدة من أكبر الشركات العالمية. وتضعه ثروته الضخمة ضمن أكثر رجال الأعمال ثراءً في العالم، وإن كانت قيمتها وترتيبه بين الأثرياء يتغيران تبعاً لتحركات الأسواق وتقييم أصوله.
الشباب أكثر تشككاً في الثروات الضخمة
يأتي موقف بيزوس وسط تنامي التساؤلات بشأن مدى عدالة النظام الاقتصادي الأميركي، خصوصاً لدى الشباب الذين يواجهون صعوبات في شراء المنازل وتحمل تكاليف المعيشة. ووفقاً للأرقام التي أوردتها «فورتشن»، أظهرت دراسة لمركز «بيو» للأبحاث نُشرت عام 2025 أن 18% من الأميركيين يرون أن الثراء الفاحش أمر خاطئ أخلاقياً، وترتفع النسبة إلى نحو الثلث لدى الفئة العمرية بين 18 و29 عاماً.
وفي الوقت نفسه، أشارت منظمة «أوكسفام» إلى أن الثروة الإجمالية لمليارديرات العالم بلغت مستوى قياسياً خلال عام 2025، وصل إلى نحو 18.3 تريليون دولار، ما يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن توزيع الثروة والفرص الاقتصادية. ولا يقتصر الجدل على حجم الأموال التي يمتلكها الأثرياء، بل يمتد إلى تأثير هذا التفاوت في قدرة المواطنين على الوصول إلى السكن والرعاية والخدمات الأساسية، وإلى مدى تكافؤ الفرص بين أصحاب الدخول المختلفة.
أزمة السكن في صلب انتقادات بيزوس
على الرغم من دفاعه عن المليارديرات، يقرّ بيزوس بوجود مشكلة فعلية في القدرة على تحمل تكاليف الحياة في الولايات المتحدة، ويضع السكن في مقدمة التحديات التي تواجه الشباب والعاملين. وأوضح، وفقاً لما نقلته «فورتشن»، أن بعض الشباب يجدون أنفسهم مضطرين إلى العيش على مسافة طويلة من أماكن عملهم، قد تصل إلى ساعتين، لأنهم لا يستطيعون تحمل أسعار المنازل أو الإيجارات في المناطق القريبة من وظائفهم.
ويرى بيزوس أن الاعتراف بهذه الصعوبات أمر ضروري، لكنه يحذر من الاكتفاء بإلقاء اللوم على فئة اجتماعية بعينها، من دون معالجة الأسباب الفعلية للأزمة. ويستند في ذلك إلى أسلوب الإدارة الذي يقول إنه يعتمده في شركاته، إذ يتوقع من المسؤولين تحديد جذور المشكلات واقتراح حلول قابلة للتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
ويبرز هذا الموقف التناقض بين الدفاع عن حق الأفراد في بناء الثروات وبين الضغوط الاقتصادية التي تدفع شريحة متزايدة من الأميركيين إلى التشكيك في عدالة النظام الذي أتاح تراكمها.
إعفاء أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب
وفي سياق متصل، طرح بيزوس فكرة تخفيف العبء الضريبي عن أصحاب الدخول المنخفضة، مقترحاً إعفاء النصف الأدنى من أصحاب الدخل في الولايات المتحدة، أي نحو 76 مليون أسرة وفق الأرقام التي نقلتها المجلة، من ضريبة الدخل الفيدرالية.
وخلال مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» في مايو، دافع بيزوس عن مقترحه بالقول إن أصحاب الدخول الأدنى يتحملون حصة محدودة من إجمالي الضرائب، معتبراً أن تخفيف العبء عنهم يمكن أن يساعد في مواجهة الضغوط المعيشية.
وضرب مثالاً بممرضة تعمل في حي كوينز بمدينة نيويورك، ويبلغ دخلها السنوي 75 ألف دولار، لكنها تدفع أكثر من ألف دولار شهرياً كضرائب، بحسب المثال الذي أورده. واعتبر أن مطالبة هذه الفئة بدفع المزيد من الأموال للحكومة الفيدرالية لا تبدو منطقية في ظل الأعباء التي تتحملها.
ومع ذلك، فإن مقترح الإعفاء الضريبي يفتح بدوره باباً للنقاش بشأن آثاره على الإيرادات العامة، وكيفية تمويل الخدمات الحكومية، والفئات التي ينبغي أن تتحمل العبء الضريبي الأكبر.
شولتز وديمون يرفضان إدانة الأثرياء لمجرد ثرائهم
لا يقتصر الدفاع عن المليارديرات على بيزوس. فقد عبّر رجال أعمال آخرون عن مواقف مشابهة، معتبرين أن حجم الثروة وحده لا يكفي للحكم أخلاقياً على أصحابها. ومن بينهم هوارد شولتز، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «ستاربكس»، الذي تحدث عن نشأته في مساكن مدعومة حكومياً، مؤكداً أنه جاء من خلفية متواضعة وبنى مسيرته المهنية اعتماداً على ما وصفه بالحلم الأميركي.
وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2023، اعترض شولتز على استخدام وصف «الملياردير» بطريقة توحي باتهامه بارتكاب خطأ لمجرد امتلاكه ثروة كبيرة، مشدداً على أنه كسب أمواله من خلال عمله وبناء شركته.
بدوره، عبّر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس»، عن موقف يقرّ بوجود مخاوف مشروعة بشأن عدم المساواة، لكنه يرفض إدانة رجال الأعمال لمجرد نجاحهم في إنشاء شركات كبيرة وتحقيق مكاسب مالية. وكان ديمون قد شدد، في مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» عام 2019، على ضرورة توجيه الانتقادات الأخلاقية إلى من يستحقونها، لا إلى كل من حقق نجاحاً اقتصادياً.
هل النجاح الفردي دليل على عدالة النظام الاقتصادي؟
تعيد تصريحات بيزوس فتح نقاش يتجاوز شخصه وثروته: هل تعكس ثروات المليارديرات الابتكار والقدرة على بناء شركات ناجحة، أم تكشف عن تفاوت في الفرص والموارد داخل المجتمع؟ ففي حين يرى المدافعون عن رجال الأعمال أن النجاح المالي قد يكون ثمرة العمل والمخاطرة وتلبية احتياجات السوق، يشير المنتقدون إلى أن تراكم الثروة بهذا الحجم يطرح أسئلة بشأن توزيع المكاسب الاقتصادية، والضرائب، وقدرة المواطنين على الحصول على السكن وتحسين ظروفهم المعيشية.
وفي نهاية المطاف، لا يتوقف النقاش الأميركي على ما إذا كان الثراء أمراً أخلاقياً في حد ذاته، بل يمتد إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء اقتصاد يتيح النجاح وتوسيع الأعمال، من دون أن تصبح المنازل وتكاليف الحياة الأساسية بعيدة المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين؟
اقرأ المزيد
بنتلي تدخل عصر الكهرباء.. «توركال» تختبر شهية الأثرياء للسيارات الفاخرة
مايفير في لندن.. حي المال والرفاهية المفضل لنخبة الخليج والأثرياء العرب

