وطن-في واحدة من أكثر الإشارات وضوحًا إلى التحولات التي فرضتها الحرب مع إيران على حسابات الأمن الخليجي، أطلقت قطر رسالة سياسية لافتة من أبوظبي: التحالف مع الولايات المتحدة والقوات الدولية مهمان، لكنهما لم يعودا كافيين وحدهما لضمان أمن دول الخليج.
التصريح جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ومستشار رئيس الوزراء، ماجد الأنصاري، خلال مشاركته في منتدى هيلي 2026 في أبوظبي، حيث دعا دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الأمنية الذاتية وعدم الاعتماد بصورة كاملة على الحلفاء الخارجيين.
وقال الأنصاري إن وجود القوات الدولية في المنطقة والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة «مهم جدًا»، لكنه شدد على أنه «ليس كافيًا»، مضيفًا أن الاكتفاء الذاتي في المجال الأمني هو الطريق الوحيد إلى الأمام.
رسالة قطر من قلب الخليج
لا ترتبط أهمية التصريح فقط بمضمونه، بل أيضًا بالمكان الذي صدر فيه، فقطر، التي تستضيف قاعدة العديد الجوية، إحدى أهم المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، كانت لعقود جزءًا أساسيًا من المنظومة الأمنية التي تقودها واشنطن في الخليج.
لكن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت، بالنسبة إلى الدوحة، أن وجود القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة قدرة دول الخليج على تجنب تداعيات أي مواجهة إقليمية.
ولهذا بدا حديث الأنصاري أقرب إلى دعوة لإعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي: الشراكة مع واشنطن تستمر، لكن دول المنطقة مطالبة في الوقت نفسه ببناء قدرة مستقلة على حماية أراضيها ومصالحها.
الحرب غيّرت الحسابات
وتأتي هذه الرسالة في ظل حرب وتوترات عسكرية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء الخليج، وأثرت في الملاحة والطاقة والبنية التحتية.
وتقول تقارير حديثة إن دول الخليج بدأت بالفعل التفكير في وسائل لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، من خلال تطوير طرق بديلة لنقل النفط والغاز وتعزيز قدراتها الدفاعية. لكن الدول التي لا تملك منفذًا بريًا بديلًا للمضيق، ومنها قطر والكويت والبحرين، تواجه تحديات أكبر بسبب موقعها الجغرافي.
ومن هنا يمكن فهم تركيز الدوحة على ضرورة الجمع بين الردع الذاتي والتحالفات الدولية بدل وضع الأمن الخليجي بالكامل في عهدة قوة خارجية واحدة.
قطر لا تدير ظهرها لواشنطن
ومع ذلك، فإن تصريحات الأنصاري لا تعني أن قطر تتجه إلى فك تحالفها مع الولايات المتحدة. على العكس، شدد المسؤول القطري على أهمية الشركاء والحلفاء، لكنه رفض أن تتحول هذه الشراكات إلى اعتماد كامل عليهم في حماية الأمن الوطني والإقليمي.
وهذه النقطة مهمة؛ فالموقف القطري لا يبدو دعوة إلى الانفصال عن المظلة الأمريكية، بل إلى إعادة توزيع المسؤولية الأمنية بين دول الخليج وحلفائها. وبمعنى آخر، تبقى واشنطن شريكًا، لكنها ليست الضامن الوحيد.
هرمز.. الاختبار الأكبر
ويحتل مضيق هرمز موقعًا مركزيًا في هذه الحسابات. فالممر البحري الذي يربط الخليج بخليج عُمان وبحر العرب كان ولا يزال شريانًا رئيسيًا للتجارة والطاقة العالمية. وأدى اضطراب حركة الملاحة خلال الحرب إلى ارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة والأسعار وسلاسل التوريد العالمية.
وفي مقابلة مع صحيفة ذا ناشيونال، رفض الأنصاري فكرة أن البدائل البرية وخطوط الأنابيب يمكن أن تجعل المضيق بلا أهمية.
وقال إن هرمز ظل على مدى آلاف السنين ملتقى للتجارة الدولية، وإن أهمية الخليج لا تقتصر على النفط، بل تشمل منتجات ومواد أخرى مثل البتروكيماويات والأسمدة والهيليوم.
وأضاف أن العالم «لا يستطيع تحمل» استمرار إغلاق المضيق، كما لا تستطيع المنطقة تحمل استمرار تبادل الصواريخ عبر الخليج.
قطر بين واشنطن وطهران
لكن الرسالة القطرية لا تتعلق بالأمن فقط. فالدوحة تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على موقعها كوسيط بين واشنطن وطهران، رغم أن الحرب أضعفت البيئة التي كانت تسمح لها بلعب هذا الدور بسهولة.
وفي أواخر أغسطس/آب، توجه رئيس الوزراء القطري إلى طهران في محاولة لدفع الحوار حول أمن المنطقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز، في استمرار لدور قطر كقناة اتصال بين الطرفين.
كما يؤكد الأنصاري أن إيران ستظل جارًا دائمًا لدول الخليج، وأن إعادة بناء الثقة معها ستحتاج إلى وقت، لكنها تظل ضرورية.
وهنا تظهر المفارقة: قطر تريد الحفاظ على التحالف الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول الخليج إلى ساحة مواجهة دائمة بين واشنطن وطهران.
«الجيران وليسوا أعداء»
في حديثه عن العلاقة مع إيران، شدد الأنصاري على ضرورة أن تتعامل طهران مع الدول الخليجية باعتبارها جيرانًا لا أعداء.
وتتبنى الدوحة في هذا السياق مقاربة تقوم على الجمع بين الردع والحوار: امتلاك القدرة على الدفاع عن النفس، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا عندما تسمح الظروف بذلك.
ويأتي ذلك متسقًا مع الدور الذي تحاول قطر الحفاظ عليه كوسيط في الأزمة، بدل الانحياز الكامل إلى أحد طرفي المواجهة.
العقوبات ليست الحل
وتعارض الدوحة كذلك الاعتماد المفرط على الضغط الاقتصادي وحده لإجبار إيران على تغيير سلوكها. فقد أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أغسطس حملة أطلقت عليها اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، بهدف تشديد الخناق المالي على إيران وقطع مصادر إيراداتها وعلاقاتها الاقتصادية الدولية.
ويرى الأنصاري أن تجارب العقوبات السابقة في المنطقة لا تقدم دليلًا واضحًا على أن الضغط الاقتصادي وحده قادر على تحقيق النتائج السياسية المطلوبة، داعيًا بدلًا من ذلك إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
وهذه الرؤية تضع قطر في مساحة مختلفة عن النهج الأمريكي الحالي، الذي يجمع بين الضغط الاقتصادي والعسكري بهدف إجبار طهران على تقديم تنازلات.
هل يتغير شكل الأمن الخليجي؟
ربما يكون التصريح القطري أهم من كونه مجرد موقف دبلوماسي عابر. فالحرب مع إيران أظهرت أن دول الخليج، مهما بلغت قوة تحالفاتها الخارجية، ستظل معرضة لتداعيات أي صراع بين القوى الكبرى في المنطقة.
ولهذا بدأت فكرة الأمن الخليجي الذاتي تعود بقوة إلى النقاش: قدرات دفاع جوي وصاروخي أكبر، حماية أفضل للبنية التحتية الحيوية، تنويع طرق الطاقة والتجارة، وتنسيق أمني أكبر بين دول مجلس التعاون.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن دول الخليج مستعدة للتخلي عن الشراكة الأمريكية، بل إن الاتجاه الأقرب هو محاولة الجمع بين الاثنين: تحالف مع واشنطن، وقدرة ذاتية على الصمود.
مرحلة جديدة في الخليج؟
تصريحات ماجد الأنصاري قد تكون واحدة من أوضح الإشارات إلى أن الحرب الحالية غيّرت طريقة تفكير الخليج في أمنه. فالرسالة القطرية ليست: «واشنطن لم تعد مهمة». بل الرسالة هي: «واشنطن مهمة، لكن لا يمكن أن تكون وحدها مسؤولة عن أمن الخليج».
وبين استمرار التحالف الأمريكي، ومحاولات إعادة فتح قنوات الحوار مع إيران، والقلق من مستقبل مضيق هرمز، يبدو أن دول الخليج تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف أمنها.
مرحلة قد يصبح فيها السؤال الأساسي ليس من سيحمي الخليج؟ بل: كيف تستطيع دول الخليج حماية نفسها، حتى وهي تحتفظ بتحالفاتها الدولية؟
اقرأ أيضاً
إيران تحذر من “مفاجآت استراتيجية” وسط توتر في مضيق هرمز واتهامات لقطر بشأن طيارين مفقودين
نفتالي بينيت يهدد بإعلان قطر “دولة معادية”.. هل يتحول الخلاف إلى ورقة انتخابية في إسرائيل؟
واشنطن تعيد فرض عقوبات النفط على إيران بعد هجمات على سفن قطرية وسعودية في مضيق هرمز

