وطن-دخلت المواجهة الدبلوماسية حول الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مرحلة جديدة، بعدما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا تحركًا منسقًا لفرض قيود على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الغربية على حكومة بنيامين نتنياهو بسبب التوسع الاستيطاني.
وأعلنت لندن، الثلاثاء، حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع إعلان فرنسا وكندا عزمهما اتخاذ إجراءات وطنية مماثلة، فيما أعلنت دول أخرى دعمها لقيود تجارية أو بحثها اتخاذ خطوات مشابهة.
تحرك غربي منسق
وجاء الإعلان ضمن بيان مشترك أصدره وزراء خارجية 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج وبلجيكا، أكدت فيه أن التوسع الاستيطاني وأعمال العنف في الضفة الغربية يقوضان فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وقالت الحكومات الموقعة إن بريطانيا وفرنسا وكندا ستتجه إلى فرض قيود وطنية على التجارة في سلع المستوطنات، بينما أعلنت دول أخرى أنها ستدعم قيودًا أوروبية أو تدرس إجراءات مماثلة وفق إجراءاتها الداخلية.
وتمنح هذه الخطوة التحرك البريطاني وزنًا سياسيًا أكبر، بعدما تحول من إجراء منفرد إلى تحرك متعدد الأطراف يضع قضية المستوطنات في صدارة الضغوط الغربية على إسرائيل.
لندن تعيد رسم سياستها
وفي البرلمان البريطاني، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند حزمة إجراءات جديدة ضد المستوطنات، في إطار ما وصفه بإعادة ضبط واسعة لسياسة الحكومة تجاه إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
وتشمل الإجراءات البريطانية حظر التجارة في السلع المنتجة داخل المستوطنات، إلى جانب استهداف شركات وأفراد يقدمون خدمات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، بينها البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات.
وأكدت الحكومة البريطانية أن هذه الإجراءات لا تمثل مقاطعة شاملة للمنتجات الإسرائيلية، بل تستهدف النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فرنسا وكندا تلتحقان
الأكثر أهمية في الخطوة البريطانية هو إعلان باريس وأوتاوا التحرك في الاتجاه نفسه. وأكدت فرنسا وكندا، إلى جانب دول أخرى، التزامهما باتخاذ إجراءات وطنية أو دعم قيود أوروبية على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ويعني ذلك أن إسرائيل تواجه تحركًا من دول غربية كانت تاريخيًا من أبرز شركائها السياسيين والاقتصاديين، وهو ما يمنح القضية بعدًا يتجاوز الخلافات الأوروبية التقليدية حول السياسة الإسرائيلية.
المستوطنات في قلب المواجهة
وتأتي هذه الإجراءات في وقت يتسارع فيه التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، بينما أثار مشروع إي 1 تحديدًا مخاوف دولية متزايدة.
وترى بريطانيا ودول أخرى أن تنفيذ المشروع من شأنه أن يضر بإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، بسبب موقعه بين القدس وأجزاء من الضفة الغربية.
وفي البيان المشترك، قالت الدول الموقعة إن الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية تقوض حل الدولتين، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بوقف توسيع المستوطنات والسلطات المدنية المرتبطة بها، إضافة إلى محاسبة المسؤولين عن أعمال عنف المستوطنين.
ضربة سياسية أكثر منها اقتصادية
ورغم أن التأثير التجاري المباشر للقرار البريطاني قد يكون محدودًا مقارنة بحجم التجارة الإجمالية بين بريطانيا وإسرائيل، فإن القيمة السياسية للخطوة أكبر بكثير من حجمها الاقتصادي.
وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن حجم التجارة السنوية بين بريطانيا وإسرائيل يبلغ نحو 6 مليارات جنيه إسترليني، فيما يُتوقع أن يكون التأثير المباشر لحظر منتجات المستوطنات محدودًا نسبيًا.
لكن الرسالة السياسية تبدو أكثر وضوحًا: الدول التي اتخذت القرار تريد التمييز بين العلاقات مع إسرائيل وبين الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
مواجهة مع واشنطن
تفتح الخطوة البريطانية كذلك جبهة سياسية مع الولايات المتحدة. وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام قد ناقش ملف الشرق الأوسط مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اتصال هاتفي قبل الإعلان، فيما كانت واشنطن قد أبدت اعتراضات على بعض التحركات الأوروبية تجاه إسرائيل.
وفي المقابل، مضت لندن قدمًا في قرارها، ما يعكس رغبة حكومة برنهام في اتباع سياسة أكثر استقلالية في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، حتى مع احتمال تصاعد الخلاف مع واشنطن.
إسرائيل ترد بغضب
وأثارت الإجراءات الغربية ردود فعل غاضبة داخل الحكومة الإسرائيلية. فقد انتقد مسؤولون إسرائيليون القرار البريطاني، وطالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش باتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا، بينما هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الخطوة البريطانية ودعا إلى الرد عليها.
وترى الحكومة الإسرائيلية أن الإجراءات الدولية ضد المستوطنات تشكل ضغطًا سياسيًا يستهدف حق إسرائيل في تطوير ما تعتبره أراضيها التاريخية، بينما تعتبر غالبية المجتمع الدولي المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي.
هل تتوسع الجبهة؟
التحرك البريطاني الفرنسي الكندي قد لا يكون نهاية المسار. فإلى جانب الدول الثلاث، أعلنت دول أوروبية أخرى استعدادها لفرض قيود على التجارة مع المستوطنات أو دعم إجراءات أوروبية في هذا الاتجاه. وهذا يفتح الباب أمام انتقال الملف من إجراءات وطنية منفردة إلى ضغط أوروبي وغربي أكثر تنسيقًا.
وبذلك، تتحول المستوطنات الإسرائيلية من قضية خلاف دبلوماسي تقليدي إلى ملف عقوبات تجارية وسياسية متزايد.
ومع اتساع دائرة الدول المشاركة، تواجه حكومة نتنياهو معادلة جديدة: كيف تحافظ على مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية، في وقت تتحول فيه المستوطنات نفسها إلى هدف لعقوبات من حلفاء غربيين تقليديين؟
قد لا يكون الحظر البريطاني والفرنسي والكندي كافيًا وحده لوقف التوسع الاستيطاني، لكن الرسالة السياسية واضحة: الاستيطان لم يعد ملفًا منفصلًا عن العلاقات الغربية مع إسرائيل، بل أصبح أحد أبرز العناوين التي تعيد تشكيل هذه العلاقات.
اقرأ المزيد
بريطانيا تتجه لحظر بضائع المستوطنات الإسرائيلية.. اختبار حاسم لاستقلال سياستها الخارجية
عرب بريطانيون يصعّدون الضغط على لندن: إجراءات ملزمة لوقف دعم المستوطنات الإسرائيلية
الاستيطان الإسرائيلي يطوّق جنين.. وفلسطينيون: “أرضنا باتت محرّمة علينا”

