وطن-لطالما شاع الاعتقاد بأن الدماغ البشري يبلغ مرحلة النضج الكامل عند سن الخامسة والعشرين، وهو العمر الذي يُنظر إليه اجتماعيًا بوصفه نقطة الانتقال إلى مرحلة الرشد الكامل. غير أن معطيات علمية حديثة في مجال علم الأعصاب تعيد النظر في هذه الفكرة، وتكشف أن تطور الدماغ أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، وأن الوصول إلى مرحلة مهمة من النضج قد يحدث بعد ذلك بعدة سنوات.
وقالت مجلة “غرازيا” الفرنسية إن دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” توصلت إلى أن الدماغ قد يبلغ مرحلة رئيسية من النضج عند نحو الثانية والثلاثين من العمر، وليس عند الخامسة والعشرين كما يتردد كثيرًا في الخطاب العام. وتقدم هذه النتائج فهمًا أكثر دقة لمسار تطور الدماغ البشري، بعيدًا عن فكرة وجود عمر واحد يكتمل عنده النضج.
نضج الدماغ لا يحدث دفعة واحدة
وبحسب ما أوردته مجلة “غرازيا”، رصد الباحثون في علم الأعصاب عدة محطات عمرية رئيسية يمر بها الدماغ خلال مراحل الحياة المختلفة.
وأظهرت الدراسة وجود أربع نقاط تحول أساسية في الشبكات العصبية للدماغ، تقع تقريبًا عند الأعمار التالية:
- تسع سنوات.
- اثنتان وثلاثون سنة.
- ست وستون سنة.
- ثلاث وثمانون سنة.
وأوضح الباحثون أنهم حددوا أربع نقاط تحول رئيسية تفصل بين خمس مراحل مختلفة من تطور الدماغ، ولكل مرحلة خصائصها البيولوجية والعصبية المرتبطة بالعمر.
وبعبارة أبسط، فإن الدماغ لا يتطور بالطريقة نفسها في مرحلة الطفولة أو بداية الثلاثينات أو ما بعد الستين أو خلال الشيخوخة المتقدمة، بل تتغير طريقة تنظيمه ووظائفه باستمرار.
أكثر من 4200 مشارك في الدراسة
اعتمدت الدراسة على بيانات أكثر من أربعة آلاف ومئتي شخص، تراوحت أعمارهم بين الطفولة المبكرة وتسعين عامًا.
ومن خلال تحليل هذه البيانات، تمكن الباحثون من تتبع التغيرات التي تطرأ على شبكات الدماغ خلال مختلف مراحل الحياة.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها تنظر إلى النضج العصبي بوصفه عملية تدريجية ومتواصلة، وليس لحظة زمنية ثابتة، إذ تنضج بعض مناطق الدماغ في وقت مبكر، بينما تحتاج مناطق أخرى إلى سنوات إضافية للوصول إلى أعلى مستويات التنظيم والكفاءة.
هل تمثل الثانية والثلاثون بداية النضج الحقيقي؟
ترى الدراسة أن الوصول إلى محطة مهمة عند سن الثانية والثلاثين قد يفسر التغيرات التي يلاحظها كثير من الأشخاص في بداية الثلاثينات.
ففي هذه المرحلة، تزداد القدرة على:
- اتخاذ القرارات المصيرية.
- تحمل المسؤوليات.
- التخطيط للمستقبل.
- الاستقرار المهني.
- تكوين الأسرة.
- إدارة الضغوط بصورة أفضل.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن الإنسان لا يكون بالغًا قبل هذا العمر، وإنما تشير إلى أن الدماغ يواصل إعادة تنظيم نفسه وتحسين كفاءته بعد منتصف العشرينات.
القشرة الجبهية تستمر في النمو
أشارت الدراسة إلى أن القشرة الجبهية تعد من آخر مناطق الدماغ التي تصل إلى مستويات متقدمة من النضج.
وتتحكم هذه المنطقة في عدد من الوظائف الأساسية، منها:
- التخطيط.
- تنظيم السلوك.
- اتخاذ القرارات.
- التحكم في الانفعالات.
- حل المشكلات.
- التفكير بعيد المدى.
ويفسر استمرار تطور هذه المنطقة تحسن القدرة على إدارة الحياة واتخاذ القرارات المعقدة مع التقدم في العمر.
الدماغ يواصل التغير بعد الثلاثين
لا تتوقف رحلة تطور الدماغ عند الثانية والثلاثين، إذ تشير نتائج الدراسة إلى حدوث تحولات إضافية عند حدود السادسة والستين والثالثة والثمانين من العمر.
وهذا يعني أن الدماغ يحتفظ بقدرته على التكيف وإعادة التنظيم طوال الحياة، وإن كانت طبيعة هذه التغيرات تختلف باختلاف المرحلة العمرية.
العمر والسعادة.. علاقة تتغير مع الزمن
وأوضحت مجلة “غرازيا” أن نتائج الدراسة تتوافق مع أبحاث أخرى تناولت العلاقة بين العمر والرفاه النفسي. فقد أظهرت دراسة أجراها مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة أن الشعور بالسعادة قد يرتفع مجددًا بعد سن الستين، بعدما يتراجع خلال الخمسينات، ثم يبدأ في التحسن تدريجيًا ليبلغ مستويات مرتفعة قرب السبعين من العمر.
وتشير هذه النتائج إلى أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة تراجع جودة الحياة، بل قد يرتبط بزيادة الخبرة والقدرة على التكيف وإعادة ترتيب الأولويات.
النضج ليس رقمًا واحدًا
وتؤكد الدراسة المنشورة في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” أن نضج الدماغ لا يمكن اختزاله في عمر محدد، سواء كان الخامسة والعشرين أو الثانية والثلاثين.
فكل مرحلة عمرية تحمل نوعًا مختلفًا من النضج، سواء في طريقة التفكير أو اتخاذ القرار أو الاستقرار العاطفي أو القدرة على التعامل مع تحديات الحياة.
كما أن تطور الدماغ يتأثر بعوامل عديدة، من بينها:
- التجارب الحياتية.
- البيئة المحيطة.
- التعليم.
- العلاقات الاجتماعية.
- المسؤوليات اليومية.
- أسلوب الحياة.
تكشف الأبحاث الحديثة أن الدماغ البشري أكثر مرونة وتعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا، فهو لا يصل إلى نقطة نهاية محددة للنضج، بل يواصل التطور وإعادة تنظيم شبكاته العصبية عبر مراحل الحياة المختلفة.
وتشير هذه النتائج إلى أن مفهوم النضج لا يرتبط بعمر واحد، بل يمثل رحلة مستمرة تتشكل بفعل الخبرات والتجارب والتغيرات العصبية، ما يجعل كل مرحلة عمرية فرصة جديدة لاكتساب قدر أكبر من الوعي والنضج والتكيف مع الحياة.
اقرأ أيضاً
ليس غضباً ولا عدوانية.. علم النفس يكشف السر الحقيقي وراء الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ
السر العلمي وراء “الاحساس الداخلي”! لماذا قراراتك السريعة غالباً ما تكون صائبة؟
شاهد كيف يخدعنا العقل برسم “صورة مثالية” للفرص التي ضاعت منا؟

