وطن-يعتقد كثيرون أن التقدم في العمر يجعل الإنسان أكثر انشغالًا بأخطائه الماضية، إلا أن دراسة حديثة تكشف صورة مختلفة تمامًا. فمع مرور السنوات، لا يختفي الندم، لكنه يتغير في طبيعته وتأثيره النفسي، ليصبح مرتبطًا بالفرص التي لم تُستغل أكثر من ارتباطه بالأخطاء التي ارتُكبت.
ووفقًا لما أوردته مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية، استنادًا إلى دراسة نُشرت في الدورية العلمية إيموشن، فإن كبار السن يصبحون أكثر قدرة على تقبل أخطاء الماضي، بينما يظل الندم على القرارات التي لم يتخذوها والفرص التي لم يغامروا بخوضها حاضرًا بقوة حتى بعد عقود.
الندم يصبح أقل قسوة مع التقدم في العمر
سعى باحثون من جامعة تيلبورغ الهولندية وجامعة كورنيل الأمريكية إلى فهم كيفية تغير علاقة الإنسان بالندم عبر مراحل الحياة. وشملت الدراسة 90 مشاركًا تراوحت أعمارهم بين 21 و89 عامًا، حيث طُلب منهم استحضار مواقف ندم حديثة وأخرى قديمة، ثم وصف أكثرها تأثيرًا في حياتهم.
وأظهرت النتائج أن كبار السن يشعرون بقدر أقل من الغضب والذنب والإحباط عند استرجاع أخطاء الماضي مقارنة بالشباب، وهو ما يشير إلى أن الذكريات تبقى، لكن شحنتها العاطفية تتراجع مع مرور الزمن.
ويرى الباحثون أن ذلك يعود إلى قدرة الإنسان مع التقدم في العمر على دمج تجاربه المختلفة داخل قصة حياته، بحيث تصبح الأخطاء جزءًا من مسيرته الشخصية بدلًا من أن تبقى جروحًا مفتوحة.
الفرص الضائعة هي الندم الأكثر استمرارًا
لكن الدراسة كشفت أيضًا أن أكثر أنواع الندم رسوخًا لا يتعلق بالأفعال التي قام بها الإنسان، بل بالأشياء التي لم يفعلها أصلًا.
ويشمل ذلك مواقف مثل:
- عدم الاعتراف بالمشاعر لشخص مهم.
- عدم تغيير المسار المهني.
- التخلي عن حلم قديم.
- عدم السفر أو خوض تجربة جديدة.
- تأجيل مشروع كان يحمل قيمة كبيرة.
وتوضح النتائج أن الإنسان يستطيع مع الوقت التصالح مع تجربة فاشلة لأنه يعلم أنه حاول، أما الفرصة التي لم يخضها أصلًا فتظل تطرح سؤالًا لا ينتهي: “ماذا لو؟”
لماذا يصعب نسيان الفرص التي ضاعت؟
تشير المجلة إلى أن هذا النوع من الندم حظي باهتمام واسع في علم النفس، خاصة في أبحاث عالم النفس الكندي نيل روز، أحد أبرز المتخصصين في دراسة الندم.
وتوضح الدراسات أن الإنسان على المدى القصير ينشغل بالأخطاء التي ارتكبها، لكن مع مرور السنوات يصبح أكثر انشغالًا بالفرص التي لم يستغلها.
ويعود السبب إلى أن الخطأ يمكن تفسيره أو إصلاحه أو التعايش معه، بينما تبقى الفرصة الضائعة بلا نهاية واضحة، وهو ما يدفع العقل إلى تخيل سيناريوهات لا تنتهي حول الحياة التي كان من الممكن أن يعيشها.
التفكير المضاد للواقع يزيد الشعور بالندم
يُطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم التفكير المضاد للواقع، ويقصد به ميل الإنسان إلى تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو اتخذ قرارًا مختلفًا. فعندما لا يخوض الإنسان تجربة معينة، يبقى الباب مفتوحًا أمام خياله ليبني احتمالات قد تكون أفضل أو أسوأ، لكن العقل غالبًا ما يميل إلى رسم صورة مثالية لما لم يحدث، وهو ما يجعل الندم أكثر عمقًا واستمرارًا.
الندم قد يتحول إلى وسيلة لفهم الذات
وعلى الرغم من أن الندم يُصنف عادة ضمن المشاعر السلبية، فإن الباحثين يرون أنه قد يؤدي دورًا إيجابيًا مع التقدم في العمر. فبدلًا من أن يكون مصدرًا للألم فقط، يصبح وسيلة لفهم مسار الحياة وإعادة قراءة القرارات السابقة، واكتشاف كيف ساهمت النجاحات والإخفاقات في تشكيل شخصية الإنسان.
ومن هذا المنطلق، لا يعود الهدف من الندم تغيير الماضي، بل فهمه بصورة أكثر نضجًا، واستخلاص الدروس التي تساعد على التصالح مع الذات.
تشير الدراسة إلى أن الحياة لا تخلو من الندم، مهما كانت اختيارات الإنسان. لكن الفارق الحقيقي يكمن في نوع الندم الذي يبقى مع مرور الزمن. فالأخطاء التي ارتكبناها غالبًا ما تخف وطأتها مع السنوات، لأنها أصبحت جزءًا من تجربتنا الحياتية. أما الفرص التي لم نجرؤ على اقتناصها، فقد تظل ترافقنا طويلًا، لأنها تترك وراءها سؤالًا مفتوحًا لا يجد إجابة نهائية: ماذا لو؟
قد يعجبك
السر العلمي وراء “الاحساس الداخلي”! لماذا قراراتك السريعة غالباً ما تكون صائبة؟
ما الذي يتذكره الأبناء عن آبائهم في الكبر؟ علم النفس يكشف التفاصيل الأعمق..
الأطفال الانطوائيون يكتسبون 8 صفات نادرة في مرحلة البلوغ وفق عالمة النفس جيسيكا ريبيرو
بين “أنا أخطأت” و”أنا سيئ”.. دراسة تبحث الفروق النفسية والعصبية لدى أصحاب السمات التوحدية

