وطن-في الدول التي تمتزج فيها السلطة بالدين، نادراً ما تكون الرموز بريئة أو عفوية، ويصبح لكل تفصيل بروتوكولي معنى يتجاوز ظاهره. وفي جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، لم تقتصر المراسم على وداع رجل قاد الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود، بل تحولت إلى منصة سياسية صيغت بعناية لإرسال رسائل إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء، كان أبرز أدواتها الآيات القرآنية التي تليت أمام الوفود الأجنبية المشاركة في مراسم العزاء.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن اختيار الآيات لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن ما وصفه مراقبون بـ”لغة دبلوماسية دينية”، استخدمت فيها طهران النص القرآني لرسم خريطة سياسية جديدة بعد الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديد موقع كل دولة أو حركة بالنسبة للرواية الإيرانية لما جرى.
آية بدر… رسالة إلى السعودية أم إعلان انتصار؟
من أكثر اللحظات إثارة للانتباه، وفق التقرير، كانت تلك التي تقدم خلالها الوفد السعودي لتقديم واجب العزاء أمام نعش خامنئي، حيث أعقب ذلك مباشرة تلاوة الآية الثالثة عشرة من سورة آل عمران، التي تستحضر معركة بدر، أول انتصار كبير للمسلمين رغم الفارق الكبير في العدد والعدة.
وتحمل معركة بدر مكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية، إذ ترمز إلى انتصار الفئة القليلة على القوة الأكبر “بإذن الله”. وفي السياق الإيراني الحالي، بدت الإشارة أبعد من مجرد استحضار حدث ديني، لتُقرأ باعتبارها تشبيهاً للحرب الأخيرة، التي ترى طهران أنها خرجت منها صامدة رغم المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعلى الرغم من أن معركة بدر وقعت في منطقة تقع ضمن الأراضي السعودية الحالية، بما يسمح بتفسير الآية باعتبارها استدعاءً لذاكرة إسلامية مشتركة بين البلدين، فإن توقيت التلاوة وسياقها السياسي منحاها بعداً مختلفاً، خاصة في ظل ما تعتبره إيران موقفاً سعودياً أقرب إلى المعسكر الأمريكي خلال الحرب.
جنازة تتحول إلى منصة لإعلان بقاء النظام
يرى التقرير أن مراسم التشييع لم تكن مناسبة لتوديع قائد سياسي وديني فحسب، بل كانت مناسبة لإظهار أن الجمهورية الإسلامية ما زالت متماسكة رغم الحرب والضربات التي تعرضت لها.
فإيران، بحسب التقرير، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة خرجت من المواجهة أكثر قوة، وقادرة على الحفاظ على نفوذها الإقليمي، بل وتعزيز حضورها في ملفات استراتيجية، من بينها أمن الخليج ومضيق هرمز.
كما شكل حضور أكثر من ثلاثين وفداً أجنبياً فرصة لإظهار أن طهران لم تدخل في عزلة دولية كما كانت تأمل واشنطن وتل أبيب، وأن علاقاتها السياسية والإقليمية ما زالت قائمة رغم التصعيد العسكري.
القرآن كخريطة للتحالفات
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن تتبع الآيات التي قُرئت أمام الوفود المختلفة يكشف عن نمط واضح، إذ بدا أن إيران وزعت الرسائل وفق موقع كل طرف في رؤيتها الإقليمية الجديدة. فالحركات المسلحة والحلفاء العقائديون حصلوا على آيات تتحدث عن الشهادة، والثبات، والنصر، والوفاء بالعهد، بينما تلقت الدول الصديقة أو الشريكة آيات ذات طابع أكثر هدوءاً تتناول البر، والثواب، والطمأنينة، في حين حملت بعض التلاوات رسائل عتاب أو تلميحات سياسية واضحة.
رسائل خاصة إلى حلفاء “محور المقاومة”
حظيت الفصائل التي تصنفها طهران ضمن محور المقاومة بأوضح الرسائل. فقد استُقبل وفد حركة حماس بآية تتحدث عن رجال “صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، وهي رسالة تضع الحركة ضمن الرواية الإيرانية القائمة على الوفاء والثبات في مواجهة إسرائيل.
أما حزب الله اللبناني، فخُصصت له آيات تؤكد أن المؤمنين هم الأعلون، وأن الابتلاءات والهزائم المؤقتة ليست سوى اختبارات إلهية تسبق النصر، في محاولة لإعادة تفسير الخسائر العسكرية الأخيرة باعتبارها جزءاً من معركة طويلة.
وفي حالة جماعة الحوثي في اليمن، وقع الاختيار على آيات من سورة الفتح تصف المؤمنين بأنهم “أشداء على الكفار رحماء بينهم”، وهي رسالة تعزز صورة الجماعة باعتبارها أحد أركان المشروع الإقليمي الإيراني.
كما تلقى الحشد الشعبي العراقي آيات تؤكد أن الشهداء “أحياء عند ربهم”، بينما استُقبل وفدا حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وطالبان بآيات افتتاح سورة الفتح، في إشارة رأى التقرير أنها تربط بين ما تعتبره إيران انتصار طالبان على الولايات المتحدة، وما تطمح إليه الفصائل الفلسطينية في صراعها مع إسرائيل.
رسائل أكثر هدوءاً إلى القوى الكبرى
في المقابل، اتسمت الآيات التي خُصصت لوفود روسيا والصين والهند بطابع أقل ارتباطاً بالحرب. فروسيا تلقت آيات تؤكد أن العاقبة للمتقين، بينما خُصصت للصين آيات تتحدث عن الطمأنينة وأن النصر من عند الله. أما الهند، فجاءت الرسالة أقرب إلى الدعوة للصبر وعدم الوهن، من دون الإشارات المباشرة إلى القتال أو الشهادة.
ويرى التقرير أن هذا الاختلاف يعكس نظرة إيران إلى هذه الدول باعتبارها شركاء سياسيين واستراتيجيين، لكنها لا تضعها ضمن المنظومة العقائدية نفسها التي تضم حلفاءها العسكريين في المنطقة.
قطر وتركيا وباكستان… منطقة وسطى
أما الدول التي لعبت أدواراً سياسية أو دبلوماسية خلال الأزمة، فقد تلقت رسائل تقع في منطقة وسطى بين التحية السياسية والانتماء الجزئي للموقف الإيراني. فقطر، التي أدت دوراً مهماً في الوساطات، خُصصت لها آيات “الفتح المبين”، في إشارة فسرتها الصحيفة باعتبارها تقديراً لدورها التفاوضي أكثر من كونها دعوة للانخراط في المواجهة.
أما تركيا، فقد تلقت آيات تشيد بالذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وهي رسالة تحمل قدراً من الإشادة بمواقف أنقرة السياسية، رغم أنها بقيت خارج الحرب عسكرياً.
وفي حالة باكستان، جاءت التلاوة في صورة دعاء يدعو الله إلى إدخال الإنسان “مدخل صدق” وإخراجه “مخرج صدق”، وهو ما ربطه التقرير بالدور الذي لعبته إسلام آباد، إلى جانب الدوحة، في محاولات الوساطة بين طهران وواشنطن.
مصر… تقدير سياسي بلا اصطفاف
بحسب التقرير، لم تُدرج مصر ضمن سردية “محور المقاومة”، لكنها لم تُعامل أيضاً باعتبارها خصماً. فالآيات التي قُرئت أمام الوفد المصري ركزت على الثواب والعمل الصالح وجنات النعيم، بما يعكس رغبة إيرانية في الحفاظ على مساحة من العلاقات السياسية، بعيداً عن أي رسائل مرتبطة بالمواجهة العسكرية أو الاصطفاف العقائدي.
ويضع التقرير القاهرة، إلى جانب قطر وتركيا، ضمن مجموعة الدول التي تربطها بطهران مصالح وحسابات إقليمية، من دون أن تصبح جزءاً من مشروعها العسكري أو الأيديولوجي.
عتاب مبطن للبنان الرسمي
وفي مقابل الإشادة الواضحة بحزب الله، حملت الرسالة الموجهة إلى الدولة اللبنانية نبرة مختلفة تماماً. فقد اختيرت آية من سورة النساء تتحدث عن الاستجابة للأوامر الإلهية والتضحية، وهو ما اعتبره التقرير عتاباً سياسياً للحكومة اللبنانية، على خلفية ما تراه طهران تقاعساً رسمياً في مواجهة إسرائيل خلال الحرب الأخيرة.
وبذلك، ميزت إيران بوضوح بين حليفها المتمثل في حزب الله، وبين مؤسسات الدولة اللبنانية التي وجهت إليها رسالة أقل ودية وأكثر انتقاداً.
لغة السياسة بلسان الدين
تكشف تفاصيل الجنازة، وفق قراءة “ميدل إيست آي”، أن إيران لم تتعامل مع مراسم تشييع خامنئي باعتبارها مناسبة دينية فقط، بل حولتها إلى خطاب سياسي متعدد الطبقات.
فالآيات القرآنية أصبحت وسيلة لتحديد موقع كل دولة أو حركة في الخارطة الإيرانية الجديدة: من هو الحليف الصلب، ومن هو الشريك، ومن يستحق الشكر، ومن يوجه إليه العتاب، ومن يقف في المعسكر المقابل.
وفي النهاية، لم تكن تلاوات القرآن مجرد خلفية روحية لمراسم الوداع، بل جزءاً من استراتيجية اتصالية أرادت من خلالها طهران تثبيت روايتها للحرب وما بعدها، وتأكيد أنها، على الرغم من خسارة قائدها الأعلى، ما زالت ترى نفسها في موقع القوة، وتستخدم حتى النصوص الدينية لرسم حدود التحالفات وإعادة تعريف موازين القوى في المنطقة.
اقرأ أيضاً
غياب غامض للخليفة وعمامة فوق النعش.. طهران تبدأ تشييع خامنئي بحضور دولي حاشد!
خطة إسرائيلية سريّة لاغتيال “قاليباف” و”عراقجي”.. وأمريكا تتدخل في اللحظة الأخيرة لمنع الكارثة!

