وطن-بدأ الإيرانيون، الجمعة، التوافد إلى العاصمة طهران للمشاركة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، في وداع رسمي وشعبي لرجل حكم الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، وسط حضور مسؤولين إيرانيين وشخصيات دولية جاءت لتقديم العزاء وإلقاء النظرة الأخيرة عليه.
وبحسب ما أوردته وكالة “فرانس برس”، أعدت السلطات الإيرانية برنامجاً طويلاً لمراسم التشييع يمتد ستة أيام، تخليداً لخامنئي الذي تولى قيادة إيران منذ عام 1989 حتى مقتله عن عمر ناهز 86 عاماً، في اليوم الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير.
وتأتي مراسم جنازة علي خامنئي بعد خمسة أسابيع من القتال، قبل أن يتوقف الصراع مؤقتاً عقب اتفاق أولي بين إيران والولايات المتحدة. وترى السلطات الإيرانية في هذه المناسبة فرصة لإظهار تماسك النظام وقوة الجمهورية الإسلامية بعد الحرب، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عن أجواء التحضيرات في طهران.
وفي محيط مجمع المصلى الكبير في العاصمة الإيرانية، كان مئات من أنصار الجمهورية الإسلامية ينتظرون مساء الجمعة قبل فتح المكان أمام الجمهور صباح السبت عند الساعة السادسة بالتوقيت المحلي، وسط توقعات بحضور حشود كبيرة للمشاركة في مراسم الوداع.
وقالت المواطنة الإيرانية سمية حامدي لوكالة فرانس برس، أثناء انتظارها خارج المجمع الديني في طهران: «نريد أن نودع قائدنا الوداع الأخير، ولهذا فإن الانتظار بهذه الطريقة ليس مؤلماً أو صعباً علينا».
وكان نعش خامنئي قد نُقل في وقت سابق إلى داخل المجمع، مغطى بعلم الجمهورية الإسلامية، بينما وُضعت عمامته السوداء فوق النعش، في مشهد رمزي يعكس مكانته الدينية والسياسية داخل النظام الإيراني.
وأضافت وكالة “فرانس برس” أن كبار المسؤولين الإيرانيين حضروا لتقديم واجب العزاء، ومن بينهم أحمد وحيدي، الذي عُين قائداً للحرس الثوري الإيراني بعد مقتل سلفه في الضربات نفسها التي أودت بحياة خامنئي، لكنه لم يكن قد ظهر علناً منذ ذلك الحين.
وفي المقابل، لم يظهر حتى الآن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وخليفته، الذي عُين مرشداً أعلى بعد أسبوع من مقتل والده، لكنه لم يظهر أمام الجمهور منذ إعلان توليه المنصب. وتتابع الأوساط السياسية والإعلامية في إيران وخارجها هذا الغياب باهتمام كبير، خصوصاً في ظل ما تردد عن إصابته في الضربات نفسها.
ومن المقرر، وفق ما أوردته وكالة “فرانس برس”، أن يبقى نعش خامنئي مسجى في مجمع المصلى الكبير حتى يوم الاثنين، قبل أن ينطلق موكب تشييع في شوارع طهران. وبعد ذلك، سينقل الجثمان يوم الثلاثاء إلى مدينة قم، المركز الديني الأبرز للحوزات الشيعية في إيران.
وتستكمل المراسم يوم الأربعاء بنقل الجثمان إلى مدن مقدسة لدى المسلمين الشيعة في العراق، قبل أن يوارى الثرى يوم الخميس في مدينة مشهد، مسقط رأس خامنئي، الواقعة في شمال شرق إيران.
وأظهرت مراسم الجمعة حالة حزن واضحة بين المسؤولين الإيرانيين الذين نجوا من الحرب، في الوقت الذي حاولوا فيه إظهار جبهة داخلية متماسكة. وبحسب فرانس برس، بدا رئيس البرلمان والمفاوض البارز في المحادثات مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف، متأثراً بشدة وذرفت عيناه الدموع خلال المراسم.
وتشير التوقعات إلى أن الأيام المقبلة ستكون محط مراقبة دقيقة بحثاً عن أي ظهور علني لمجتبى خامنئي، الذي اكتفى حتى الآن بإصدار بيانات مكتوبة. وتقول تقارير، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، إنه أصيب في الضربات التي قتلت والده، من دون أن تتضح طبيعة إصابته أو مدى خطورتها.
ومن بين الذين سيُوارون الثرى أيضاً عدد من أقارب خامنئي الذين قُتلوا في الضربات نفسها، بينهم حفيدته الرضيعة، في واقعة أضافت بعداً عائلياً مأساوياً إلى مراسم التشييع الرسمية.
وشهدت طهران حضور شخصيات دولية بارزة للمشاركة في الجنازة. وذكرت وكالة فرانس برس أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف كان بين الحاضرين، إلى جانب قائد الجيش الباكستاني القوي عاصم منير، في وقت لعبت فيه باكستان دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة.
كما حضر الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ممثلاً عن الرئيس فلاديمير بوتين، في إشارة إلى أهمية العلاقات بين طهران وموسكو في ظل التطورات الإقليمية والدولية.
وخلال عهد خامنئي، دعمت إيران جماعات مسلحة في أنحاء المنطقة، تصنفها دول غربية على أنها منظمات إرهابية. وبحسب فرانس برس، حضر محمد درويش، رئيس مجلس الشورى في حركة حماس، ممثلاً عن الحركة الفلسطينية، كما شارك أقارب الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، الذي قُتل في ضربة إسرائيلية عام 2024.
وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد دعا، الخميس، إلى مشاركة شعبية واسعة في مراسم التشييع، قائلاً إن «نداء الأمة للثأر يجب أن يدوّي في آذان العالم كله».
من جانبه، توعد رئيس أركان الجيش الإيراني أمير حاتمي بأن إسرائيل والولايات المتحدة «ستدفعان ثمن دم القائد الشهيد وكل شهداء الأمة»، في خطاب يعكس استمرار التوتر رغم توقف القتال مؤقتاً.
وذكرت وكالة “فرانس برس” أن الإجراءات الأمنية في طهران بلغت مستوى عالياً، حيث انتشرت قوات مكافحة الشغب في محيط مواقع المراسم، بينما أُغلقت طرق قريبة من مجمع المصلى الكبير، استعداداً لتدفق أعداد كبيرة من المشاركين.
وفي مناطق أخرى من العاصمة الإيرانية، جرى تحويل حديقة كبيرة إلى مخيم مؤقت، حيث نصبت مئات الخيام التابعة للهلال الأحمر لاستقبال الوافدين وتقديم الخدمات الأساسية لهم خلال أيام التشييع.
وتدرك السلطات الإيرانية، بحسب “فرانس برس”، مخاطر التدافع في التجمعات الضخمة، خاصة بعد حوادث سابقة شهدتها مناسبات مماثلة. وبث التلفزيون الإيراني إرشادات متواصلة للمشاركين حول كيفية الحفاظ على سلامتهم وتجنب الازدحام الخطر.
ومع توقعات بأن تتجاوز درجات الحرارة في طهران 35 درجة مئوية خلال الأيام المقبلة، وضعت السلطات صهاريج لرش المياه على الطرق بهدف تخفيف حرارة الأرض وتلطيف الأجواء للمشاركين في الجنازة.
وقبل انطلاق المراسم الكبرى، أفاد مراسلو وكالة فرانس برس بأن طهران بدت أكثر هدوءاً من المعتاد، وأن عدداً من الشوارع المعروفة بازدحامها المروري كان خالياً نسبياً، في مشهد غير مألوف للعاصمة الإيرانية.
وقال بعض السكان الذين تحدثوا إلى صحفيي الوكالة إنهم قرروا مغادرة المدينة قبل ذروة مراسم التشييع. ونقلت فرانس برس عن سعيد، وهو موظف في قطاع التكنولوجيا يبلغ من العمر 29 عاماً، قوله: «الطرق المؤدية إلى خارج طهران مزدحمة للغاية».
وتحولت جنازة علي خامنئي إلى حدث سياسي وديني بالغ الحساسية في إيران، ليس فقط بسبب مكانته كمرشد أعلى حكم البلاد منذ نهاية الثمانينيات، بل أيضاً لأنها تأتي في لحظة مفصلية بعد حرب أنهكت المنطقة، ووسط تساؤلات متزايدة بشأن انتقال السلطة ومستقبل القيادة الجديدة في الجمهورية الإسلامية.
اقرأ المزيد
هل اغتيل مجتبى خامنئي؟.. فيديو انفجار ضخم يشعل الإنترنت والحقيقة تفاجئ الجميع
اغتيال خامنئي يهزّ طهران وواشنطن تتحفظ: هل ينهار النظام الإيراني أم يتشدد أكثر؟
اغتيال خامنئي يكشف اختراقًا خطيرًا للأمن الإيراني وأزمة ثقة داخل النظام

