وطن-بينما يعيش اليمن واحدة من أطول الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم، بدأت جزيرة سقطرى اليمنية تظهر على منصات التواصل الاجتماعي بصورة مختلفة تماماً؛ شواطئ بيضاء، مياه صافية، أشجار نادرة ومشاهد طبيعية تبدو أقرب إلى الخيال.
وخلال الأشهر الأخيرة، بدأ عدد متزايد من مؤثري السفر وصناع المحتوى يقدمون الجزيرة باعتبارها «بالي الجديدة» أو إحدى الوجهات التي ينبغي اكتشافها قبل أن تصل إليها السياحة الجماعية، فيما تنظم وكالات سفر مقرها الإمارات رحلات إلى الأرخبيل.
لكن خلف هذه الصور الحالمة، توجد حقيقة أكثر تعقيداً: سقطرى جزء من اليمن، البلد الذي لا يزال يعاني من تبعات أكثر من عقد من الصراع والانقسام، بينما تتجاوز أهمية الجزيرة جمالها الطبيعي إلى موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي وقربها من خليج عدن وباب المندب.
وتناولت صحيفة “إل كونفيدنسيال” الإسبانية هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن سقطرى أصبحت خلال الفترة الأخيرة وجهة متزايدة الحضور في محتوى مؤثري السفر، في وقت قد يؤدي فيه التركيز على صورتها السياحية إلى حجب السياق السياسي والإنساني المحيط بها.
سقطرى.. من جزيرة نائية إلى «وجهة 2026»
من بين صناع المحتوى الذين سلطت الصحيفة الضوء عليهم صانع محتوى السفر الإسباني كريستيان ديلغادو، الذي زار سقطرى في نهاية عام 2025 خلال رحلة استمرت سبعة أيام.
وقدّم ديلغادو الجزيرة لمتابعيه باعتبارها مكاناً استثنائياً يتميز بالطبيعة النادرة والمياه الصافية وقلة أعداد السياح. وتشير المادة الإسبانية إلى أنه تحدث عن نحو 3500 سائح سنوياً، وعن القيود المفروضة على دخول الزوار ومرافقتهم خلال الرحلات.
وتؤكد معلومات مهنية منشورة عن ديلغادو أنه صانع محتوى سفر إسباني يوثق رحلاته إلى وجهات غير تقليدية، ومن بينها سقطرى. وبعد عودته، ذهب ديلغادو إلى وصف الجزيرة بأنها وجهة بارزة لعام 2026، مقارناً إياها بوجهات سياحية عالمية مثل بالي وموريشيوس واليابان.
هذا وتنظم شركة دلتا وينغز للسفر، ومقرها دبي، رحلات إلى سقطرى وتصف الجزيرة على موقعها بأنها وجهة تتميز بطبيعة فريدة وشواطئ ومواقع طبيعية نادرة.
صور «الفردوس» تخفي بلداً يعيش أزمة إنسانية
لا تتعلق المشكلة التي تثيرها هذه الموجة السياحية بجمال سقطرى نفسها، فالجزيرة تتمتع بالفعل بتنوع بيولوجي استثنائي ومناظر طبيعية جعلتها من أبرز المواقع البيئية في المنطقة. لكن الإشكال يكمن في الصورة التي قد تنتجها منصات التواصل عندما تظهر الجزيرة منفصلة تماماً عن الدولة التي تنتمي إليها.
فاليمن لا يزال يعيش أزمة إنسانية عميقة. ووفق الأمم المتحدة، سيحتاج أكثر من 21 مليون شخص في البلاد إلى المساعدات الإنسانية خلال عام 2026، بينما يعاني ملايين اليمنيين من انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.
وفي الوقت نفسه، بقيت سقطرى نسبياً بعيدة عن بعض أشد المعارك التي شهدها البر اليمني خلال سنوات الحرب، وهو ما ساعد على ظهورها أمام السياح الأجانب كأنها عالم منفصل عن الصراع. لكن هذا الهدوء النسبي لا يعني أن الجزيرة منفصلة عن التطورات السياسية والعسكرية التي شهدها اليمن.
موقع استراتيجي يتجاوز السياحة
تقع سقطرى في موقع بالغ الأهمية عند ملتقى طرق بحرية تربط المحيط الهندي بخليج عدن والبحر الأحمر. وهذا الموقع منح الأرخبيل أهمية تتجاوز قيمته السياحية والبيئية، خصوصاً مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن خلال السنوات الأخيرة.
وتشير دراسات متخصصة إلى أن الإمارات طورت منذ سنوات حضوراً أمنياً وسياسياً في جنوب اليمن، بما في ذلك سقطرى، ضمن استراتيجية أوسع ترتبط بالسواحل والموانئ وخطوط الملاحة. كما وثقت تحليلات أمنية توسع الحضور الإماراتي في الأرخبيل منذ عام 2018، بالتعاون مع قوى محلية مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي.
وهكذا، فإن الجزيرة التي تظهر في مقاطع الفيديو باعتبارها شاطئاً استوائياً بعيداً عن العالم، تقع في الواقع بالقرب من واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في الشرق الأوسط.
أزمة 2018 كشفت أهمية الجزيرة
برزت أهمية سقطرى السياسية بصورة واضحة في عام 2018، عندما نشرت الإمارات قوات ومعدات عسكرية في الجزيرة من دون تنسيق مسبق مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ما أدى إلى أزمة بين الطرفين.
وفي مايو/أيار من ذلك العام، وصلت قوات سعودية إلى الجزيرة في إطار وساطة لاحتواء الخلاف بين الحكومة اليمنية والإمارات. وانتهت الأزمة باتفاق أعاد السيطرة الإدارية على المطار والميناء إلى الجانب اليمني، وفق تقارير معاصرة للأحداث.
ولم يكن الخلاف مجرد حادث عابر، بل عكس التباينات المتزايدة بين الرياض وأبوظبي بشأن مستقبل جنوب اليمن والقوى المحلية التي تدعمانها.
الرياض وأبوظبي.. حليفان باختلاف الحسابات
دخلت السعودية والإمارات الحرب اليمنية في إطار التحالف الذي بدأ تدخله العسكري عام 2015 دعماً للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، لكن مصالح البلدين لم تكن متطابقة دائماً.
ففي حين ركزت الرياض بدرجة كبيرة على أمن حدودها الجنوبية واحتواء الحوثيين والحفاظ على إطار الدولة اليمنية، طورت أبوظبي علاقات قوية مع قوى محلية في جنوب البلاد، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي.
وترتبط هذه السياسة، بحسب دراسات متخصصة، باهتمامات إماراتية تشمل الموانئ والسواحل وخطوط التجارة والملاحة في جنوب اليمن. ولهذا اكتسبت سقطرى أهمية إضافية، باعتبارها جزءاً من شبكة جغرافية بحرية تمتد من خليج عدن إلى المحيط الهندي.
من الوجود العسكري إلى النفوذ غير المباشر
شهد ملف الوجود الإماراتي في اليمن تطوراً جديداً في نهاية عام 2025، ففي 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت السعودية غارات على ميناء المكلا، وقالت إن هدفها شحنة أسلحة وصلت من الإمارات وكانت موجهة إلى قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، بينما نفت أبوظبي أن تكون الشحنة تحتوي على أسلحة. وبعد ذلك أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مطالبتها بانسحاب القوات الإماراتية، فيما أعلنت الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن.
وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، اكتمل الانسحاب العسكري الإماراتي من الأراضي اليمنية، بما في ذلك الجزر الاستراتيجية، وفق تحليل لمجموعة الأزمات المسلحة والتطورات الميدانية اللاحقة.
لكن انتهاء الوجود العسكري المباشر لا يعني بالضرورة اختفاء المصالح الإماراتية في جنوب اليمن؛ إذ تشير تحليلات إقليمية إلى استمرار أهمية الشبكات المحلية والمصالح الاقتصادية والأمنية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
«جيوسياسة المؤثرين».. عندما تصبح الصورة أداة نفوذ
في هذا السياق، تكتسب موجة الترويج لسقطرى عبر المؤثرين دلالة تتجاوز مجرد السياحة، فالمؤثر الذي يصور شاطئاً خالياً أو أشجاراً نادرة قد لا يتحدث عن السياسة على الإطلاق، وقد يكون هدفه ببساطة تقديم تجربة سفر مختلفة لمتابعيه. لكن النتيجة قد تكون تقديم صورة لجزيرة تبدو منفصلة عن واقع اليمن.
وتقدم شركة دلتا وينغز للسفر نفسها باعتبارها شركة مقرها دبي ومتخصصة في تنظيم تجارب سياحية في سقطرى، وتروج للجزيرة بوصفها وجهة ذات طبيعة «غير مكتشفة» وتجارب مختلفة عن السياحة التقليدية.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ«جيوسياسة المؤثرين»: ليس بالضرورة بمعنى وجود حملة سياسية منظمة وراء كل مقطع، وإنما لأن الصور التي تنتشر على نطاق واسع يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يرى بها الجمهور مكاناً ما، وما الذي يربطه به.
بين «بالي الجديدة» وواقع اليمن
انتشرت خلال 2026 مواد إعلامية وسياحية تصف سقطرى بأنها «بالي الجديدة»، مستفيدة من طبيعتها الفريدة وقلة السياحة مقارنة بالوجهات العالمية الكبرى.
وأشارت تقارير إسبانية أخرى إلى أن الجزيرة أصبحت تجذب أعداداً متزايدة من المؤثرين، رغم كونها جزءاً من دولة تعيش أزمة إنسانية وحرباً طويلة. لكن الصورة السياحية ليست كاملة.
فإلى جانب الشواطئ والغابات وأشجار دم الأخوين، تعاني الجزيرة من مشكلات مرتبطة بالفقر والنفايات وضعف البنية التحتية، كما أن الوصول إليها يظل محدوداً مقارنة بالوجهات السياحية التقليدية. وتؤكد تقارير حديثة أن الجزيرة لا تزال بعيدة عن نموذج المنتجعات السياحية التقليدية رغم تصاعد الاهتمام بها على منصات التواصل.
السياحة في بلد يعيش الحرب
تطرح سقطرى سؤالاً أوسع حول السياحة في الدول التي تعيش نزاعات مسلحة. هل يمكن تقديم جزيرة جميلة باعتبارها وجهة سياحية منفصلة عن واقع الدولة التي تقع فيها؟ أم أن مثل هذا التقديم يخاطر بتحويل الأزمة الإنسانية إلى مجرد خلفية غير مرئية للصور السياحية؟
لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال، كما أن زيارة سقطرى ليست بالضرورة دليلاً على وجود مشروع سياسي أو حملة دعائية؛ فقد يكون الدافع لدى كثير من السياح والمؤثرين هو البحث عن الطبيعة والمغامرة والأماكن النادرة.
لكن انتشار هذه الصور على نطاق واسع يمكن أن يغير الانطباع العام عن الجزيرة، خصوصاً عندما تتراجع الإشارات إلى الصراع الذي يحيط بها.
سقطرى بين جمال الطبيعة وحسابات الجغرافيا السياسية
تبقى سقطرى حالة استثنائية: جزيرة تتمتع بتنوع طبيعي نادر، لكنها تقع في دولة ما زالت تعاني من واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون يمني سيحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في 2026، في حين لا تزال الأزمة الاقتصادية والخدمات المتدهورة والنزاع السياسي عوامل رئيسية في استمرار الأزمة.
ولهذا فإن صعود سقطرى على منصات التواصل لا يتعلق بالسياحة وحدها. فكل صورة لشاطئها أو أشجارها الغريبة تقدم جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تختصر الجزيرة ولا البلد الذي تنتمي إليه.
بين «الجنة الخفية» التي تكتشفها عدسات المؤثرين، والجزيرة الواقعة عند واحدة من أهم طرق الملاحة في العالم، تقف سقطرى في قلب مفارقة يمنية أكبر: مكان يبدو بعيداً عن الحرب في الصور، لكنه لا يستطيع الانفصال تماماً عن السياسة والجغرافيا والصراع الذي يحيط به.
اقرأ المزيد
وفاة مؤثر بريطاني بعد حقن لتكبير القضيب في تايلاند.. التحقيق يكشف تفاصيل صادمة
3 أشخاص فقط في العالم يسافرون بلا جواز سفر.. من هم وما السر وراء ذلك؟
اكتشاف فهود محنطة في كهوف شمال السعودية يكشف مفاجأة جينية نادرة
رحلة ليليّة في أوزبكستان: عندما تكتسي مآذن سمرقند وبخارى بعبق التاريخ وأضواء الحديث..

