وطن-كشفت تقارير عن أضرار لحقت بمنشآت نفطية وغازية وحيوية في دول الخليج عن فجوة محتملة بين البيانات الرسمية بشأن نتائج الهجمات الإيرانية والتقييمات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية وتحليلات الخبراء. ووفقًا لوكالة «رويترز»، لم تقتصر بعض الضربات على أضرار محدودة أو حطام متساقط، بل أصابت نقاطًا حساسة داخل منشآت استراتيجية، مع آثار امتدت إلى عمليات الطاقة والتصدير.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات وقطر والبحرين والكويت تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في سياق المواجهة التي بدأت بالهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، فيما تعرضت السعودية أيضًا لهجمات نُسب بعضها إلى الحوثيين في اليمن. وتبرز أهمية هذه التطورات في أن الأهداف التي تضررت لم تكن عسكرية فقط، بل شملت مرافق مرتبطة بإنتاج الطاقة ونقلها وتصديرها.
وتثير المعلومات التي أوردتها «رويترز» تساؤلات بشأن مدى دقة الروايات الرسمية حول طبيعة الأضرار، ومدى قدرة منشآت الطاقة الخليجية على مواجهة هجمات تستهدف مكونات تشغيلية محددة بدلًا من إحداث دمار عشوائي.
أرامكو السعودية.. أضرار تتجاوز وصف «الحريق المحدود»
في السعودية، تناول تقرير «رويترز» هجومًا بطائرة مسيّرة حوثية استهدف مقر شركة أرامكو في الظهران. وكانت وزارة الطاقة السعودية قد وصفت الأضرار بأنها حريق محدود، لكن الوكالة نقلت عن مصدر مطلع أن المبنى تعرض لأضرار واسعة شملت الطوابق الثلاثة العليا، بما فيها مكتب الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر.
وبحسب المصدر الذي استندت إليه الوكالة، تضررت أجزاء من السقف وتحطمت نوافذ وأبواب، ما يثير تساؤلات بشأن الفارق بين الوصف الرسمي الأولي وحجم الأضرار الذي أوردته الرواية المنقولة عن المصدر. كما تسلط هذه الواقعة الضوء على حساسية المنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة، ليس فقط بسبب قيمتها الاقتصادية، بل أيضًا بسبب دورها في إدارة العمليات التشغيلية واتخاذ القرارات داخل واحدة من أكبر شركات النفط في العالم.
منشأة براكة النووية.. ضربة طالت إمدادات الكهرباء
في الإمارات، ركز التقرير على منشأة براكة للطاقة النووية، حيث أصابت ضربة سقف محطة كهربائية فرعية داخل المجمع، ما دفع أحد المفاعلات الأربعة إلى الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية. ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني ومسؤولين خليجيين اثنين أن إيران كانت تمتلك مخططًا للموقع ومعلومات عن موقع المحطة الكهربائية الفرعية داخل المنشأة. ولم يوضح التقرير أن هذه المعلومات تعني بالضرورة أن جميع تفاصيل الاستهداف قد ثبتت بصورة مستقلة.
وتكشف الواقعة أهمية الأنظمة الكهربائية المساندة في تشغيل المنشآت النووية، إذ تعتمد سلامة التشغيل على استمرار إمدادات الكهرباء وتوافر أنظمة احتياطية قادرة على العمل عند انقطاع التغذية الرئيسية. ولا يعني اللجوء إلى مولدات الطوارئ، بحد ذاته، وقوع حادث نووي، لكنه يبرز حساسية المرافق المساندة، وضرورة حمايتها من أي هجمات قد تعطل عملها أو تؤثر في استمرارية التشغيل الآمن.
رأس لفان.. استهداف معدات أساسية لإنتاج الغاز المسال
في قطر، تناول التقرير الهجوم الذي استهدف منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال، مشيرًا إلى أن الضربة أصابت ما يعرف بـ«الصناديق الباردة»، وهي معدات أساسية في عمليات تبريد الغاز وتحويله إلى حالته السائلة.
وتكمن أهمية هذه المعدات في أن تصنيعها وتركيبها قد يستغرقان أشهرًا، ما يجعل إصابتها مصدر قلق يتجاوز حجم الضرر المادي المباشر إلى احتمال تعطل العمليات لفترة طويلة. وبحسب «رويترز»، فإن طبيعة الإصابة أثارت تساؤلات بشأن دقة الاستهداف، في ظل حساسية المنشأة ودورها في صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية.
وتكتسب الأضرار التي تلحق بمثل هذه المعدات أهمية خاصة، لأن إعادة تشغيل المنشآت الصناعية الكبرى لا تعتمد فقط على إصلاح الأجزاء المتضررة، بل قد تتطلب فحوصًا فنية واختبارات سلامة وتوفير قطع بديلة قبل استئناف الإنتاج بكامل الطاقة.
ميناء الفجيرة.. أضرار طالت شرايين نقل النفط
برز ميناء الفجيرة الإماراتي في تقرير «رويترز» بوصفه أحد أبرز الأمثلة على الأضرار التي طالت بنية تحتية استراتيجية. ويُعد الميناء مركزًا مهمًا لتخزين النفط والمنتجات النفطية وتصديرها، ما يمنحه دورًا مؤثرًا في حركة الطاقة الإقليمية والدولية.
ووفق التقرير، وقعت الضربة الأولى في 3 مارس، وأدت إلى اشتعال النيران في خزانين للتخزين لعدة أيام. ثم استهدفت ضربة أخرى منظومة الأنابيب المتشعبة داخل الميناء، وهي شبكة تضم 62 خطًا لنقل النفط الخام والمنتجات المكررة من المحطات إلى أرصفة الشحن، بحسب ما أظهرته تحليلات صور الأقمار الصناعية التي استندت إليها الوكالة.
وكان مسؤولون إماراتيون قد عزوا بعض الأضرار إلى سقوط حطام، لكن التقرير أشار إلى أن صور الأقمار الصناعية وتقييمات فنية أثارت شكوكًا بشأن مدى توافق هذا التفسير مع طبيعة الأضرار ومواقعها.
ونقلت الوكالة عن رامانان كريشنامورتي، أستاذ هندسة البترول في جامعة هيوستن، تقييمًا ينتقد الرواية الرسمية المتعلقة بما حدث في الميناء، مشيرًا إلى الأهمية الاستراتيجية للمنشأة بالنسبة إلى الإمارات. وبحسب التقرير، تعرضت منظومة أنابيب أخرى داخل الميناء لضربات لاحقة خلال مارس، ثم أصابت طائرة مسيّرة في مايو أنابيب متصلة بالمنظومة الأولى التي كانت قد تضررت سابقًا.
ورغم تحرك الإمارات لإصلاح الأضرار وإعادة تشغيل المرفق، لم تستعد صادرات المنتجات النفطية المكررة من ميناء الفجيرة مستوياتها الطبيعية، وفق «رويترز»، إلا في سبتمبر. ويشير ذلك إلى أن آثار الهجمات امتدت لأشهر، رغم الجهود الرامية إلى احتواء الأضرار واستعادة العمليات.
لماذا تثير الأضرار قلق أسواق الطاقة العالمية؟
تعتمد أسواق الطاقة على شبكة مترابطة من المنشآت، تشمل حقول الإنتاج ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب ومحطات التخزين وموانئ التصدير ومرافق تسييل الغاز. وقد يؤدي تعطيل نقطة واحدة حساسة إلى إبطاء عمليات أخرى حتى إن بقيت المنشآت الرئيسية سليمة نسبيًا.
وتبرز هذه المخاطر في الخليج، حيث تمر كميات كبيرة من النفط والغاز عبر مرافق استراتيجية تعتمد عليها الدول المنتجة والأسواق المستوردة. ويمكن أن يؤدي تعطل معدات متخصصة أو خطوط نقل رئيسية إلى تأخير الصادرات ورفع تكاليف الإصلاح والتأمين، فضلًا عن زيادة المخاوف بشأن استقرار الإمدادات.
كما أن إصابة المعدات المتخصصة قد تجعل استعادة التشغيل أكثر تعقيدًا من مجرد إخماد حريق أو إصلاح مبنى، إذ تتطلب بعض الأجزاء تصنيعًا خاصًا واختبارات فنية قبل إعادة استخدامها. وتشير الوقائع التي أوردها التقرير إلى أن تقييم تأثير الهجمات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة أو حجم الدمار الظاهر، بل يجب أن يشمل طبيعة المنشأة المستهدفة، وأهمية المعدات المتضررة، والمدة التي استغرقتها العودة إلى التشغيل الطبيعي.
فجوة المعلومات بين البيانات الرسمية والتقييمات المستقلة
أعاد تقرير «رويترز» فتح النقاش حول الشفافية في إعلان الأضرار خلال النزاعات العسكرية. ففي أوقات الحرب، قد تكتفي الحكومات ببيانات أولية ومقتضبة، بينما تتطلب معرفة حجم الضرر الفعلي مراجعة الصور الفضائية ومقارنة التوقيتات وتحليل مواقع الإصابات والاستعانة بخبراء متخصصين. لكن تقييم الأضرار من الصور وحدها لا يحسم دائمًا الجهة المسؤولة عن كل ضربة أو الهدف المقصود منها. ولذلك، تظل ضرورة التمييز قائمة بين ما تؤكده الصور والتحليلات الفنية، وما تنقله المصادر المطلعة، وما تعلنه الحكومات رسميًا.
وفي الحالات التي تناولها التقرير، لم تكن المسألة مجرد اختلاف في تقدير حجم الدمار، بل شملت أسئلة عن طبيعة الأهداف التي أصيبت ومدى دقة الهجمات والوقت اللازم لإعادة تشغيل المنشآت. وتسلط هذه المعطيات الضوء على تحدٍّ إضافي أمام دول الخليج: حماية منشآت الطاقة الحيوية، مع ضمان وصول معلومات دقيقة إلى الجمهور والأسواق بشأن آثار الهجمات ومدة التعافي منها.
أمن الطاقة الخليجي أمام اختبار جديد
تكشف الوقائع التي أوردتها «رويترز» أن الهجمات على منشآت الطاقة قد تترك آثارًا تتجاوز الأضرار المباشرة، خصوصًا عندما تصيب معدات متخصصة أو شبكات نقل وتوزيع يصعب تعويضها بسرعة. ومن أرامكو في السعودية إلى منشأة براكة النووية ورأس لفان للغاز المسال وميناء الفجيرة، يبرز حجم الترابط بين الأمن العسكري واستمرارية الخدمات الصناعية وحركة الصادرات.
ومع استمرار المخاوف من اتساع المواجهات الإقليمية، تزداد أهمية أنظمة الحماية والإنذار المبكر، وخطط الطوارئ، وتوفير المعدات الاحتياطية، إلى جانب التنسيق بين الدول والشركات المشغلة.
وختاماً، وبحسب تقرير «رويترز»، تكشف صور الأقمار الصناعية وتقييمات الخبراء عن أضرار في منشآت خليجية استراتيجية ربما كانت أوسع مما أوحت به بعض البيانات الرسمية. وتؤكد هذه الوقائع أن أمن الطاقة لا يتعلق بحماية المنشآت من التدمير فحسب، بل أيضًا بضمان استمرار تشغيلها، وتسريع إصلاحها، وتوفير معلومات دقيقة عن آثار الهجمات.
اقرأ المزيد
هجمات الحوثيين تضرب الرياض.. وإيران تلوّح باستهداف أصول شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخليج
تقرير: واشنطن تدرس تقليص وجودها العسكري في الخليج بعد الحرب على إيران
حرب إيران تهدد شركات الطيران في الخليج بخسائر تقرد بـ4.3 مليار دولار خلال 2026..
السعودية تغلق خط أنابيب شرق-غرب الحيوي مؤقتاً بعد هجوم على منشآت نفطية

