وطن-على الرغم من استئناف شركات طيران خليجية كبرى جزءاً من رحلاتها بعد أسابيع من الاضطراب، لا يزال قطاع الطيران في المنطقة يواجه تعافياً بطيئاً ومعقداً، في ظل انخفاض الطاقة التشغيلية، واستمرار تعليق رحلات شركات دولية، وارتفاع تكاليف الوقود، فضلاً عن المخاوف الأمنية التي ما زالت تؤثر في قرارات المسافرين وحركة الشحن الجوي.
وقال موقع “ميدل إيست آي“ إن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وما أعقبها من رد إيراني قرب منشآت عسكرية أمريكية في الخليج، بما في ذلك قطر والإمارات، أدخل قطاع الطيران الإقليمي في واحدة من أصعب أزماته خلال السنوات الأخيرة.
إغلاق الأجواء الخليجية يربك حركة الطيران
طالت التداعيات عدداً من المطارات الدولية الرئيسية، من بينها مطار دبي الدولي، الأكثر ازدحاماً في العالم من حيث أعداد المسافرين الدوليين، إلى جانب مطارات أبوظبي والكويت والبحرين.
وأغلقت الإمارات وقطر والبحرين والكويت أجواءها مؤقتاً لأسباب أمنية، قبل أن تبدأ عملية إعادة فتحها تدريجياً بعد نحو أسبوع مع تراجع حدة المواجهات.
لكن انتهاء الإغلاق لم يعنِ عودة قطاع الطيران إلى وضعه الطبيعي، إذ امتدت آثار الأزمة إلى الطلب على السفر، والشحن الجوي، والطائرات الخاصة، وأسعار وقود الطائرات، كما أثرت في مسارات السفر بين أوروبا وآسيا.
وبحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا» في يونيو، قد تنتقل شركات الطيران العاملة في الشرق الأوسط من صافي أرباح بلغ 7.2 مليارات دولار خلال 2025 إلى خسائر صافية تقدر بنحو 4.3 مليارات دولار في 2026، في انعكاس واضح لحجم الضغوط التي تواجه القطاع.
شركات الخليج تستأنف الرحلات لكن بنصف القوة
استأنفت شركات كبرى مثل طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية عملياتها، لكنها لم تعد إلى كامل طاقتها التشغيلية.
ونقل “ميدل إيست آي” عن تيم كلارك، الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، قوله لصحيفة فايننشال تايمز في يونيو إن طائرات الشركة تعمل بنحو ثلاثة أرباع طاقتها فقط.
في المقابل، لا تزال شركات طيران أوروبية وآسيوية عديدة تعلق رحلاتها إلى المنطقة. ومن المنتظر أن تستأنف الخطوط الجوية الفرنسية رحلاتها في أواخر أغسطس، بينما تخطط لوفتهانزا للعودة في سبتمبر، في حين تستهدف الخطوط البريطانية وكاثاي باسيفيك والخطوط الجوية السنغافورية أواخر أكتوبر لاستعادة عملياتها.
أما «إير كندا» فلا تخطط للعودة قبل منتصف يناير 2027، فيما لم تحدد شركات أخرى موعداً واضحاً لاستئناف رحلاتها.
ورغم إعادة فتح الأجواء الخليجية، حذرت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران شركات الطيران من التحليق في أجواء البحرين والكويت وقطر والإمارات وجزء من خليج عمان حتى 31 أغسطس 2026.
الحرب تعيد رسم خيارات المسافرين
انعكست القيود الجديدة بصورة مباشرة على المسافرين، الذين باتت خياراتهم أقل وأكثر كلفة في بعض المسارات.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن السفر ذهاباً وإياباً بين الإمارات ولندن خلال سبتمبر يقتصر على عدد محدود من الرحلات، فيما لا يتوفر على بعض الرحلات بين الدوحة وطوكيو سوى خيار الخطوط الجوية القطرية.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بإغلاق المطارات أو إلغاء الرحلات، بل بدأت تؤثر في شبكة الربط الجوي التي جعلت الخليج واحداً من أهم مراكز السفر العالمية بين أوروبا وآسيا.
نموذج مراكز الطيران الخليجية أمام اختبار صعب
اعتمدت شركات الطيران الخليجية على مدى سنوات نموذج «المركز والتوزيع»، الذي يجعل مطارات مثل دبي والدوحة وأبوظبي نقاط عبور رئيسية للمسافرين بين مختلف أنحاء العالم.
وقد استفادت شركات طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران من الموقع الجغرافي للخليج، الواقع بين أوروبا وآسيا، لتحويل المنطقة إلى جسر جوي عالمي.
لكن الحرب الأخيرة وضعت هذا النموذج أمام اختبار غير مسبوق، خصوصاً أن أي اضطراب في الأجواء الخليجية يمكن أن ينعكس على شبكة واسعة من الرحلات العابرة للقارات.
وقال نافيد كاباديا، المحاضر في الطيران بجامعة باكينغهامشير الجديدة، إن شركات مثل القطرية والإماراتية استفادت من تراجع المنافسة، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على نقل أعداد هائلة من الركاب بكفاءة عالية عبر مراكزها الرئيسية.
وأظهرت بيانات «إياتا» لشهر يونيو تراجع الطلب على السفر الجوي في الشرق الأوسط بنسبة 13.9% على أساس سنوي، مقابل ارتفاع الحركة المباشرة بين أوروبا وآسيا بنسبة 11%.
المسارات الأطول ترفع الوقود وتخفض كفاءة التشغيل
اضطرار الطائرات إلى استخدام مسارات أطول أو الالتفاف حول مناطق التوتر يؤدي إلى ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة ساعات عمل الطواقم وانخفاض معدل استخدام الطائرات.
كما أن حمل كميات إضافية من الوقود تحسباً لإغلاق المجال الجوي أو حدوث اضطرابات مفاجئة يقلل الحمولة المتاحة للركاب والشحن.
ويجعل نموذج «المركز والتوزيع» شركات الطيران أكثر حساسية لهذه الاضطرابات، لأن تعطل طائرة أو طاقم في إحدى الوجهات يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التأخيرات والإلغاءات تمتد إلى أجزاء أخرى من شبكة التشغيل.
طيران الإمارات يحاول استعادة ثقة المسافرين
مع تزايد مخاوف المسافرين من حجز رحلات عبر دبي تحسباً لعودة التصعيد، اتخذت طيران الإمارات إجراءات استثنائية لاستعادة الثقة.
ومن أبرز هذه الإجراءات تقديم وثيقة تأمين سفر شاملة تغطي حتى بعض حالات الإلغاء المرتبطة بالنزاعات، في خطوة تهدف إلى تقليل المخاطر التي يتحملها المسافرون عادة في مثل هذه الظروف.
وأوضح “ميدل إيست آي” أن العديد من وثائق التأمين التقليدية تستثني الأضرار الناتجة عن الحروب والاضطرابات العسكرية، ما قد يترك الركاب أمام تكاليف إضافية كبيرة.
كما تعمل دبي على تنشيط قطاع السياحة عبر حزم مجانية لبعض الزوار المدعوين، وإقامات فندقية مجانية لبعض المسافرين الذين يواجهون فترات انتظار طويلة بين رحلات الربط، في محاولة للحفاظ على مكانة الإمارة كمركز عالمي للسفر والترانزيت.
الشحن الجوي يخسر جزءاً من زخمه رغم أزمة هرمز
امتدت آثار الحرب إلى قطاع الشحن الجوي أيضاً، إذ جاء نمو الطلب على الشحن في الشرق الأوسط أبطأ بكثير من المعدل العالمي.
وقال كاباديا إن الطلب على الشحن الجوي في المنطقة نما بنسبة 5.6% على أساس سنوي، مقابل 8.5% عالمياً.
كما بقيت حركة الشحن بين أوروبا والشرق الأوسط أقل بنسبة 41.1% من مستويات العام السابق، بينما تراجعت الحركة بين آسيا والشرق الأوسط بنسبة 4.1%.
ورغم أن اضطراب الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز خلق طلباً إضافياً على النقل الجوي للشحنات العاجلة وعالية القيمة، فإن هذا التحول لا يمثل بالضرورة مكسباً مستقراً لشركات الشحن الخليجية.
وتستحوذ شركات مثل «القطرية للشحن الجوي» و«الإمارات للشحن الجوي» على نحو 13% من حركة الشحن الجوي العالمية، لكن التحدي يتمثل في تحويل الطلب الطارئ الناتج عن الأزمة إلى تدفقات تجارية مستدامة بعد استقرار الملاحة البحرية.
الطائرات الخاصة تتراجع مع استمرار المخاوف الأمنية
شهد قطاع الطائرات الخاصة تراجعاً حاداً أيضاً. ونقل “ميدل إيست آي” عن نيك كوسينسكي، محلل الطيران في شركة WINGX، أن إجمالي حركة الطائرات الخاصة المنطلقة من دول الخليج تراجع بنسبة 46.5% منذ بداية الحرب وحتى 10 أغسطس.
وبقيت غالبية الرحلات داخل الشرق الأوسط، بينما تراجعت الرحلات بين الخليج وأوروبا بنسبة 41%.
وأظهرت بعض الشركات قدرة أكبر على الصمود مقارنة بمنافسين آخرين، إلا أن استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التشغيل يواصلان الضغط على السوق.
ورغم قدرة شركات الطائرات الخاصة على تمرير جزء من زيادة التكاليف إلى العملاء، فإن ضعف الطلب وتأخر إعادة التسعير يجعلان القطاع عرضة لخسائر إضافية.
أسعار الوقود تضغط على شركات الطيران والمسافرين
تراجعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 20% في يونيو مع التحسن المؤقت في تدفقات النفط من الخليج، لكنها بقيت أعلى بنسبة 45.8% مقارنة بالعام السابق.
وتتوقع «إياتا» أن يكون متوسط سعر وقود الطائرات خلال 2026 أعلى بنحو 70% من مستويات 2025.
ويرى كاباديا أن أسعار تذاكر الطيران في الخليج ستظل مرتفعة ومتقلبة، إذ ستحاول الشركات تحميل جزء من ارتفاع تكاليف الوقود والاضطرابات على المسافرين، لكنها لن تتمكن من تمرير جميع الزيادات خوفاً من تراجع الطلب، خصوصاً في قطاع السفر السياحي الأكثر حساسية للأسعار.
وتدفع الضغوط المالية شركات الطيران عالمياً إلى إعادة النظر في أساطيلها وشبكاتها، عبر إخراج الطائرات القديمة من الخدمة وتقليص الرحلات الأقل طلباً وخفض النفقات التشغيلية.
«العال» تستفيد من تراجع المنافسة الدولية
في المقابل، برزت شركة «العال» الإسرائيلية باعتبارها واحدة من الشركات التي استفادت من الفراغ الذي تركته شركات الطيران الدولية.
وأعلنت الشركة عن أرباح قياسية تجاوزت ضعف أرباح العام السابق، في وقت علقت فيه شركات دولية عديدة رحلاتها إلى إسرائيل.
لكن هذا الوضع أدى أيضاً إلى انتقادات من مسافرين بسبب ارتفاع الأسعار، في ظل انخفاض المنافسة وتحول الشركة عملياً إلى الناقل الرئيسي المتاح على عدد من المسارات.
أزمة قد تغير خريطة الطيران الخليجي
ترى هارشا جايسون، مستشارة الطيران في شركة ICF، أن الحرب قد تترك أثراً طويل الأمد يتجاوز فترة المواجهات نفسها.
وقالت لـ “ميدل إيست آي” إن المخاطر الجيوسياسية أصبحت عاملاً أكثر حضوراً في تقييم الاستثمارات المرتبطة بالمطارات، وفي حسابات المخاطر والتوقعات المالية للمشروعات المستقبلية.
وبينما تسعى شركات الطيران الخليجية إلى استعادة مستويات التشغيل السابقة، تبدو عودة القطاع إلى وضعه الطبيعي مرتبطة باستقرار الأجواء، وتراجع أسعار الوقود، وعودة شركات الطيران الدولية، واستعادة ثقة المسافرين.
وبذلك، لا تبدو أزمة الطيران الخليجي مجرد اضطراب مؤقت ناتج عن الحرب، بل اختباراً لنموذج جعل من الخليج أحد أهم مراكز الربط الجوي بين الشرق والغرب، وقد تدفع تداعياته شركات الطيران والمطارات إلى إعادة رسم استراتيجياتها في السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد
ترامب يحرّك آلة الحرب ضد إيران.. هل بدأت ساعات الصفر أم أنها أكبر حرب أعصاب في الشرق الأوسط؟
الحرب مع إيران تدفع واشنطن لإعادة التفكير في نفوذها بالشرق الأوسط.. التنمية بديلاً عن القوة العسكرية
نتنياهو يحمل “ملفات إيران” إلى واشنطن.. هل يقنع ترامب بإشعال مواجهة جديدة في الشرق الأوسط؟
“تكنيكاس ريونيداس” الإسبانية تفوز بعقد غاز ضخم في الشرق الأوسط بقيمة 1.43 مليار يورو

