وطن-تدرس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة رسم خريطة انتشار قواتها العسكرية في الخليج، وسط مخاوف متزايدة من تعرض القواعد الأمريكية لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة الإيرانية.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن النقاش داخل البنتاغون لم يعد يقتصر على إصلاح الأضرار التي لحقت بالقواعد خلال الحرب، بل بات يشمل سؤالاً أكثر جوهرية: هل ما زال الانتشار العسكري الأمريكي الكثيف بالقرب من إيران مناسباً للتهديدات الجديدة؟
حرب إيران تغيّر الحسابات
بحسب صحيفة “واشنطن بوست”، تقود وزارة الحرب الأمريكية تقييماً لمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، في ظل اعتبار الحرب الأخيرة فرصة لإعادة النظر في طريقة انتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن قد لا تعيد بعض القواعد التي تعرضت للهجمات إلى مستوى انتشارها السابق، وهو ما يعني أن المراجعة قد تتجاوز عمليات إعادة الإعمار لتطال شكل الوجود العسكري الأمريكي نفسه.
القواعد الخليجية تحت الضغط
كشفت الهجمات الإيرانية خلال الحرب حجم المخاطر التي تواجه المنشآت الأمريكية القريبة من الأراضي الإيرانية، فالبحرين تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، بينما تضم قطر قاعدة العديد الجوية والمقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية، إضافة إلى وجود عسكري أمريكي في الكويت والإمارات.
ومع تطور الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، أصبحت هذه المواقع أكثر عرضة للاستهداف في أي مواجهة مستقبلية.
بترايوس: التهديد تغير
من أبرز الأصوات التي دعت إلى إعادة التفكير في الانتشار الأمريكي الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية.
وبحسب التصريحات المنقولة عنه، فإن القدرات التي تستطيع إيران إطلاقها باتت تجعل البقاء في بعض القواعد الخليجية أكثر خطورة مما كان عليه في السابق.
المشكلة، وفق هذا التصور، لا تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن قواعدها، وإنما بكلفة إبقاء قوات كبيرة داخل منشآت يمكن استهدافها بصورة مباشرة في بداية أي حرب.
هل تتحرك واشنطن غرباً؟
تطرح النقاشات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية خيار نقل جزء من القوات والمنشآت إلى مناطق أبعد عن مدى الصواريخ الإيرانية. وأشارت تقارير إلى إمكانية تعزيز الوجود الأمريكي في مواقع غرب الخليج أو في دول مجاورة، بما يقلل من تعرض القوات الأمريكية المباشر للضربات الإيرانية.
ويأتي ذلك ضمن تحرك بدأ بالفعل خلال الحرب، مع توسيع واشنطن خياراتها للوصول إلى قواعد جوية خارج نطاق الانتشار التقليدي في الخليج.
قاعدة العديد في قلب المعادلة
تُعد قاعدة العديد الجوية في قطر واحدة من أهم رموز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، لكن قربها الجغرافي من إيران يجعلها أيضاً هدفاً محتملاً في أي مواجهة واسعة.
وقد أثار هذا الواقع نقاشاً داخل الأوساط العسكرية الأمريكية حول مدى ملاءمة استمرار وجود مركز قيادة متقدم في موقع قريب نسبياً من دولة تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة.
وهنا تظهر المفارقة: القاعدة التي منحت واشنطن قدرة كبيرة على إدارة عملياتها في الشرق الأوسط قد تتحول في الوقت نفسه إلى نقطة ضعف إذا اندلعت مواجهة شاملة.
من الحرب الباردة إلى عصر المسيّرات
يرى مسؤولون عسكريون أمريكيون سابقون أن شبكة القواعد الحالية نشأت في ظروف استراتيجية مختلفة تماماً، فجزء من هذا الانتشار يعود إلى مرحلة الحرب الباردة، عندما كان الهاجس الأساسي هو حماية دول الخليج من تهديدات تقليدية واسعة النطاق.
لكن طبيعة التهديد تغيرت، فالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى جعلت المسافة الجغرافية أقل قدرة على توفير الحماية التي كانت توفرها في الماضي.
ولهذا، قد تصبح القاعدة العسكرية الكبيرة والثابتة أكثر عرضة للخطر من قوة أصغر وأكثر قدرة على الحركة والتخفي.
السعودية تدخل الحسابات
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً اتجاه واشنطن إلى تعزيز خياراتها العسكرية في السعودية، وتشير التقارير إلى حصول الولايات المتحدة على حق الوصول إلى قاعدة الطائف الجوية، في خطوة تمنح القوات الأمريكية موقعاً أبعد عن الساحل الخليجي وأبعد نسبياً عن الأراضي الإيرانية.
وقد يمثل ذلك نموذجاً لما يمكن أن تبدو عليه استراتيجية الانتشار الأمريكية الجديدة: قوات أقل في المواقع الأمامية، ومواقع أكثر تشتتاً ومرونة في العمق الإقليمي.
هل يعني ذلك انسحاباً أمريكياً؟
على الرغم من الحديث عن سحب أو إعادة توزيع القوات، لا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة تستعد لمغادرة الخليج، فالمنطقة ما تزال ذات أهمية استراتيجية هائلة بالنسبة إلى واشنطن، بسبب أمن الطاقة والممرات البحرية ومواجهة إيران وحماية الحلفاء.
لكن التحول المحتمل قد يكون في طريقة الوجود وليس في مبدأ الوجود نفسه، أي أن واشنطن قد تنتقل من نموذج القواعد الكبيرة والثابتة إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على الانتشار المتعدد، والقواعد البديلة، والقوات المتحركة، والقدرات بعيدة المدى.
إيران فرضت معادلة جديدة؟
إذا تأكد هذا الاتجاه، فإن الحرب الأخيرة تكون قد حققت تأثيراً استراتيجياً يتجاوز الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية، فطهران أثبتت أن قرب المنشآت الأمريكية من أراضيها يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف، وأن استهداف القواعد لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية في البحر أو البر.
ولهذا تبدو واشنطن أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على الردع والنفوذ في الخليج، من دون أن تجعل قواتها أهدافاً ثابتة أمام الترسانة الإيرانية؟
والإجابة قد تكون بداية مرحلة جديدة في الانتشار العسكري الأمريكي، عنوانها تقليل المخاطر، وتوزيع القوات، والابتعاد عن الخطوط الأمامية، مع الحفاظ على القدرة على التدخل السريع عند الضرورة.
اقرأ المزيد
الحرب على إيران تكشف هشاشة القواعد الأمريكية وتدفع واشنطن لإعادة تموضع قواتها في الخليج
تقرير: الولايات المتحدة تستنزف ترسانتها من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى في الحرب ضد إيران
بعد الضربات الأمريكية.. إيران تهاجم مواقع عسكرية أمريكية في الكويت
الحرب تتوسع.. إيران تضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن وتُبقي مضيق هرمز مغلقًا

