وطن-شف تحقيق استقصائي بريطاني عن هوية مواطن بريطاني خدم في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة، بعد أن ظهر في صورة مرتدياً الزي العسكري أمام مدرسة متضررة بشدة من القصف والحرائق في جنوب القطاع، في واقعة أعادت فتح النقاش بشأن مشاركة حاملي الجنسيتين البريطانية والإسرائيلية في العمليات العسكرية، وإمكان مساءلتهم قانونياً عن الانتهاكات المشتبه بها.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، نقلاً عن تحقيق أجرته منصة «ديكلاسيفايد يو كيه»، إن الرجل يُدعى جوناثان بورمان، وإنه درس في مدينة مانشستر البريطانية قبل أن يسافر إلى إسرائيل خلال عام فاصل، ثم يلتحق بجيشها ويشارك في العمليات العسكرية بقطاع غزة.
ونشرت المنصة فيلماً استقصائياً بعنوان «كشفنا بريطانياً إسرائيلياً قاتل في غزة»، عرضت فيه صورة لبورمان مرتدياً الزي العسكري أمام مبنى مدرسي تظهر عليه آثار الدمار والحريق. وأوضحت أن الصورة نُشرت في الأصل على حسابه الشخصي في موقع إنستغرام.
تحديد موقع المدرسة يكشف اختلافاً في رواية الجيش الإسرائيلي
وبحسب التحقيق، تمكنت منظمة «إير وورز»، المتخصصة في توثيق الأضرار التي تلحق بالمدنيين خلال النزاعات المسلحة، من تحديد موقع المدرسة التي ظهر بورمان أمامها. وتبين أنها مدرسة الفارابي الواقعة في بلدة بني سهيلا شرق خان يونس، جنوب قطاع غزة.
وأشار التحقيق إلى أن المدرسة تعرضت لهجوم في 12 ديسمبر 2023، بعد أكثر من شهرين على اندلاع الحرب في القطاع، التي بدأت عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر من العام نفسه.
وذكرت منصة «ديكلاسيفايد يو كيه» أنها طلبت تعليقاً من الجيش الإسرائيلي بشأن الصورة والواقعة. وجاء في رد الجيش، وفق ما نقلته المنصة، بيان يعود إلى ديسمبر 2023، قال فيه إنه استهدف خلية وصفها بالإرهابية داخل مدرسة.
غير أن منظمة «إير وورز» خلصت، بحسب التحقيق، إلى أن المدرسة التي أشار إليها بيان الجيش تقع على بعد نحو كيلومترين من مدرسة الفارابي التي ظهر بورمان أمامها. ويثير هذا الاختلاف تساؤلات بشأن تحديد الموقع الذي تناوله البيان العسكري، من دون أن يشكل بمفرده دليلاً على مسؤولية بورمان عن جريمة محددة.
خدمة في وحدة احتياطية تابعة لقوات المظليين
وأكد الجيش الإسرائيلي، وفق ما أوردته «ميدل إيست آي» نقلاً عن المنصة الاستقصائية، أن جوناثان بورمان خدم في اللواء الخامس والخمسين، وهو وحدة احتياطية مرتبطة بقوات المظليين في الجيش الإسرائيلي.
وأضاف التحقيق أن بورمان نشر صوراً أخرى على حسابه في إنستغرام، يُعتقد أن إحداها التُقطت في خان يونس، وتظهر خلفه آثار دمار واسع. كما تضمن الحساب، وفق التقرير، صوراً له خلال الخدمة العسكرية في لبنان، وأخرى تجمعه بجنود يرتدون الزي العسكري. ورجحت المنصة أنه خدم في الكتيبة السادسة والستين التابعة للواء الخامس والخمسين، مستندة إلى معلومات وأبحاث استقصائية قالت إنها جمعتها خلال إعداد الفيلم.
كما استند التحقيق إلى أبحاث أجرتها مؤسسة هند رجب، التي قالت إنها حددت، على سبيل الترجيح، السرية العسكرية التي يُعتقد أن بورمان خدم معها. ووفق ما نقله التقرير، شاركت هذه السرية في عمليات قتالية مباشرة وتفجير عدد كبير من المباني السكنية في خان يونس، ما أسهم في تدمير مساحات واسعة من المنطقة.
ولم يثبت التحقيق، وفق المعلومات المنشورة، أن بورمان ارتكب بنفسه جريمة حرب بعينها، كما أن تحديد الوحدة العسكرية التي خدم فيها لا يكفي وحده لإثبات مسؤوليته الجنائية الفردية.
مسعف سابق يتحدث عن دوافع بعض الجنود
وتضمن الفيلم مقابلة مع يوفال غرين، وهو مسعف سابق خدم في الكتيبة نفسها، تحدث فيها عن مواقف قال إنه عاينها داخل الوحدة العسكرية. ونقل التحقيق عن غرين قوله إن بعض الجنود كانوا مدفوعين بأفكار دينية متطرفة، وإنهم تعاملوا مع القتال في غزة باعتباره فرصة لقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وتهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم.
وتظل هذه التصريحات شهادة منسوبة إلى جندي سابق بشأن تجربته وتقييمه لسلوك بعض أفراد الوحدة، ولا يمكن تعميمها تلقائياً على جميع أفرادها من دون أدلة إضافية مستقلة.
خبير أممي يدعو إلى تحقيق إضافي
ومن بين المشاركين في الفيلم كريس سيدوتي، عضو لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، الذي أشاد بمنهجية جمع الأدلة التي استخدمتها المنصة الاستقصائية، قائلاً إنها تشبه المنهجية المتبعة في التحقيقات التي تجريها اللجنة.
وشدد سيدوتي، بحسب الفيلم، على أن التحقيق لا يعلن إدانة بورمان بارتكاب جرائم حرب، لكنه يقدم، في تقديره، معطيات تستدعي إجراء تحقيق إضافي. ودعا وحدة جرائم الحرب في شرطة العاصمة لندن إلى النظر في القضية.
في المقابل، ذكرت «ديكلاسيفايد يو كيه» أن بورمان لم يرد على طلبات التعليق التي وجهتها إليه بشأن الصور والمعلومات الواردة في التحقيق.
ولا تعني الدعوة إلى فتح تحقيق أن جريمة قد ثبت وقوعها على يد الشخص المعني، إذ يتطلب تحديد المسؤولية الجنائية فحص الأدلة، والتحقق من الوقائع، وتقييم دور كل شخص على حدة وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
مشاركة بريطانيين في الحرب على غزة تثير أسئلة قانونية
تأتي القضية في سياق الجدل المتصاعد في بريطانيا بشأن مشاركة أشخاص يحملون الجنسية البريطانية إلى جانب الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، وما إذا كانت هذه المشاركة قد تستدعي تحقيقات جنائية عندما تظهر مؤشرات على ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، يُعتقد أن نحو ألفي شخص يحملون الجنسيتين البريطانية والإسرائيلية خدموا في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب. ويتطلب هذا الرقم، مثل غيره من التقديرات المتعلقة بالمشاركين مزدوجي الجنسية، الرجوع إلى مصادره الأصلية ومنهجية احتسابه عند استخدامه في سياقات قانونية أو إحصائية.
وفي ما يتعلق بحصيلة الحرب، أورد التقرير أرقاماً تفيد بمقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة نحو 170 ألفاً، إضافة إلى استمرار فقدان آلاف الأشخاص. وينبغي قراءة هذه الأرقام وفق تاريخ نشر التقرير والجهة التي أصدرتها، نظراً إلى تغير الحصيلة مع استمرار التطورات الميدانية وأعمال التوثيق.
لماذا لم تفتح شرطة لندن تحقيقاً في قضايا سابقة؟
وتعيد قضية بورمان إلى الواجهة قراراً سابقاً لشرطة العاصمة لندن، أعلنت بموجبه، في أبريل الماضي وفق التقرير، عدم فتح تحقيق مع عشرة مواطنين بريطانيين اتُّهموا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أثناء القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي في غزة.
وجاء ذلك بعدما قدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز قانون المصلحة العامة ملفاً من 240 صفحة إلى فريق جرائم الحرب في شرطة لندن في أبريل من العام السابق. وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، قالت الشرطة إنه لا توجد فرصة واقعية للإدانة، وإن إجراء تحقيق فعال في هذه القضايا غير ممكن في الظروف القائمة آنذاك.
ويبرز هذا القرار التحديات التي تواجه ملاحقة الجرائم الدولية المشتبه بها عندما تقع خارج الأراضي البريطانية، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الأدلة والشهود، والتحقق من الوقائع الميدانية، وتحديد المسؤولية الفردية، واستيفاء الشروط القانونية اللازمة للملاحقة القضائية.
القضية تفتح باب التساؤلات بشأن المساءلة
يعيد التحقيق المتعلق بجوناثان بورمان طرح أسئلة حول مسؤولية المواطنين البريطانيين الذين يشاركون في نزاعات مسلحة خارج بلادهم، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات القضائية البريطانية في فحص ادعاءات ارتكاب جرائم دولية.
كما يسلط الضوء على أهمية توثيق الأضرار التي لحقت بالمدارس والمباني المدنية في غزة، والتحقق من المواقع والوقائع، وربط الأدلة الميدانية بهوية الوحدات العسكرية والأفراد المعنيين.
ومع ذلك، يبقى الفصل بين توثيق الوقائع وإثبات المسؤولية الجنائية أمراً أساسياً: فالصور والمعلومات المتعلقة بالخدمة العسكرية قد تبرر طرح أسئلة أو المطالبة بتحقيق، لكنها لا تحل محل التحقيق القضائي ولا تثبت، بمفردها، ارتكاب جريمة حرب.
وفي انتظار أي إجراءات رسمية أو نتائج تحقيقات إضافية، تظل القضية اختباراً جديداً لمدى استعداد السلطات البريطانية للتعامل مع الادعاءات المتعلقة بمشاركة مواطنيها في عمليات عسكرية خارج البلاد، وللقدرة على تحويل الأدلة الاستقصائية إلى مسار قانوني يستند إلى التحقق والإنصاف والمساءلة.
قد يعجبك
حزب العمال البريطاني يعرقل مقترح إلغاء عقد «بالانتير» بسبب ارتباطاتها بالجيش الإسرائيلي
منظمة محاربين قدامى: الجيش الإسرائيلي يطلق النار أولاً ثم يختلق الذرائع لتبرير القتل الجماعي
مقتل 4 فلسطينيين في هجوم للمستوطنين والجيش الإسرائيلي على بلدة تل قرب نابلس وتصاعد دعوات الانتقام

