وطن-تثير التطورات العسكرية في اليمن مخاوف من اتساع نطاق المواجهة الإقليمية، في ظل تصاعد التوتر بين جماعة الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية وإمدادات الطاقة.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة إل دياريو الإسبانية، فإن المواجهة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع توسع العمليات العسكرية وتبادل الهجمات، في سياق إقليمي تتداخل فيه حسابات اليمن مع التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا تقتصر أهمية هذا التصعيد على أطراف الحرب اليمنية، إذ إن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر أو في المنشآت المرتبطة بإنتاج النفط ونقله قد تكون له انعكاسات على أسواق الطاقة وتكاليف الشحن والتضخم في عدد من دول العالم.
لماذا تصاعدت المواجهة بين الحوثيين والسعودية؟
يرتبط التصعيد، وفق التحليل الذي أوردته الصحيفة الإسبانية، بتشابك التطورات العسكرية داخل اليمن مع التنافس الإقليمي. فقد ظلت جماعة الحوثيين، المدعومة من إيران، لاعباً أساسياً في الصراع اليمني، كما سبق أن استهدفت الأراضي السعودية خلال مراحل مختلفة من الحرب.
وتدعم الرياض الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فيما يسيطر الحوثيون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد. وقد جعل هذا الانقسام اليمن ساحة لمواجهة ممتدة تتداخل فيها المصالح المحلية مع حسابات القوى الإقليمية.
ويكتسب البحر الأحمر أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى موقعه على طرق التجارة الدولية، واتصاله بمضيق باب المندب الذي تمر عبره سفن تجارية وناقلات طاقة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.
وأي تصعيد عسكري يهدد الملاحة في هذا الممر قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها أو اتخاذ تدابير أمنية إضافية، ما قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في حركة التجارة الدولية.
السعودية أمام تحديات أمنية متزايدة
تواجه السعودية تحدياً يتمثل في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، خصوصاً في ظل اتساع رقعة التوتر الإقليمي. وتزداد صعوبة المهمة عندما تتعدد الأهداف المحتملة وتتباعد جغرافياً، بما يشمل المنشآت العسكرية والمطارات والبنية التحتية للطاقة.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «إل دياريو» عن توماس جونو، المتخصص في الشؤون الأمنية بجامعة أوتاوا، أن اتساع مساحة السعودية يجعل توفير حماية مستمرة لجميع المواقع أمراً بالغ الصعوبة، حتى مع امتلاك أنظمة دفاع جوي متطورة.
وتعتمد فعالية الدفاعات الجوية على عوامل عدة، من بينها نوع المقذوفات المستخدمة، ووقت اكتشافها، ودقة الإنذار المبكر، والقدرة على التنسيق بين أنظمة الرصد والاعتراض. لذلك، لا يعني امتلاك منظومات متقدمة بالضرورة القدرة على منع جميع الهجمات.
كما أن حماية المنشآت الحيوية لا تقتصر على اعتراض الصواريخ والمسيّرات، بل تشمل تعزيز الاستخبارات والمراقبة، ورفع جاهزية الطوارئ، وتأمين المواقع المدنية والاقتصادية الأكثر حساسية.
لماذا يصعب احتواء القدرات العسكرية للحوثيين؟
أظهرت سنوات الحرب اليمنية أن جماعة الحوثيين تمكنت من مواصلة القتال رغم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية. ويشير محللون إلى أن قدرتها على استخدام وسائل هجومية متنوعة تمثل تحدياً أمام خصومها، ولا سيما عندما تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة وتغيّر أساليب الهجوم.
وفي المقابل، لا تضمن الضربات الجوية وحدها إنهاء القدرات العسكرية لجماعة مسلحة تمتلك شبكات ميدانية وخبرات متراكمة، وقدرة على إعادة توزيع عناصرها وعتادها.
ويؤدي الدعم الإيراني دوراً مهماً في النقاش بشأن تطور قدرات الحوثيين، غير أن حجم هذا الدعم وطبيعته وتأثيره المباشر في كل عملية عسكرية تظل مسائل تحتاج إلى تقييم يستند إلى أدلة محددة.
وتكشف هذه المعطيات أن المواجهة لا تتعلق فقط بقدرة السعودية على اعتراض الهجمات، بل أيضاً بكيفية الحد من مصادر التهديد ومنع تجدد التصعيد، بالتوازي مع البحث عن تسوية سياسية للصراع اليمني.
ماذا يريد الحوثيون من التصعيد؟
يقدم الحوثيون عملياتهم العسكرية باعتبارها رداً على ما يصفونه بالهجمات والتدخلات السعودية في اليمن. وفي المقابل، ترى الحكومة اليمنية وحلفاؤها أن عمليات الجماعة تهدد أمن البلاد والمنطقة وتعرقل فرص التوصل إلى تسوية مستقرة.
لكن أهداف التصعيد لا يمكن اختزالها في تفسير واحد؛ إذ قد تتداخل الحسابات العسكرية مع الرغبة في تحسين الموقع التفاوضي، وتوجيه رسائل إلى الرياض، وإظهار القدرة على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية.
وفي هذا الإطار، يشكل استهداف المواقع الحيوية أو التهديد بها وسيلة ضغط محتملة، لكنه ينطوي أيضاً على مخاطر توسيع المواجهة واستدعاء ردود عسكرية أشد، بما قد ينعكس على المدنيين والاقتصاد اليمني وأمن المنطقة.
وتزداد حساسية هذه الحسابات في ظل التوتر بين إيران وخصومها، إذ يمكن للتطورات في اليمن أن تتأثر بالتصعيد الإقليمي، كما يمكن أن تتحول إلى عامل إضافي يزيد من تعقيد جهود خفض التوتر.
كيف يمكن أن يتأثر النفط والاقتصاد العالمي؟
تنبع المخاوف الاقتصادية من الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلاً عن أهمية الخليج العربي في إمدادات الطاقة العالمية. فالمخاطر الأمنية التي تطال طرق الشحن قد تؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين وتكاليف النقل، وقد تضطر بعض الشركات إلى استخدام مسارات أطول وأكثر كلفة.
أما أسعار النفط، فتتأثر بمجموعة من العوامل، تشمل حجم الإمدادات المتاحة، والطلب العالمي، والمخزونات، وتوقعات الأسواق، والمخاطر الجيوسياسية. ولذلك، لا يؤدي كل تصعيد عسكري بالضرورة إلى ارتفاع مستمر في الأسعار، لكن تعطل الإمدادات أو اتساع نطاق المخاطر قد يزيد تقلباتها.
وقد تمتد التداعيات إلى أسعار السلع وتكاليف النقل والإنتاج، خصوصاً إذا استمرت اضطرابات الشحن لفترة طويلة. وفي الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأولية، يمكن أن تنعكس هذه التكاليف على الأسعار المحلية ومعدلات التضخم.
ومع ذلك، فإن تحديد حجم التأثير المحتمل يتطلب معلومات موثوقة عن طبيعة الهجمات، ومدى الضرر الذي يلحق بالبنية التحتية، وحركة الملاحة الفعلية، وأي تغييرات تطرأ على إنتاج النفط أو نقله.
جماعة الحوثيين وموازين القوى في المنطقة
يرى محللون أن جماعة الحوثيين أظهرت قدرة على الصمود وتكييف أساليبها العسكرية خلال سنوات الحرب، وهو ما يجعل التعامل معها تحدياً طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، لا يعني استمرارها عسكرياً أنها تسيطر على جميع مسارات التصعيد أو تستطيع ضمان النتائج التي تسعى إليها.
ونقلت صحيفة «إل دياريو» عن فارع المسلمي، الباحث المتخصص في شؤون اليمن والخليج لدى مركز تشاتام هاوس في لندن، تقييماً مفاده أن الجماعة باتت تشعر بقدر أكبر من الثقة بقدرتها على تحقيق مكاسب إقليمية، محذراً من أن هذه الثقة قد لا تعني بالضرورة قدرتها على التحكم في نتائج التصعيد.
وتسلط هذه القراءة الضوء على معضلة أساسية: فكل طرف قد يعتقد أن توسيع الضغط العسكري سيحسن موقعه، بينما قد يؤدي استمرار الهجمات والردود المضادة إلى إطالة الحرب وزيادة كلفتها الإنسانية والاقتصادية.
هل تتجه اليمن والمنطقة إلى مرحلة أكثر اضطراباً؟
يبقى مسار التصعيد مرتبطاً بتطورات عدة، من بينها طبيعة الردود العسكرية السعودية، وقدرة الأطراف اليمنية على احتواء المواجهة، ومستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حماية الملاحة وخفض المخاطر الإقليمية.
وتشير التجربة اليمنية إلى أن الحلول العسكرية وحدها لم تنجح في إنهاء الصراع الممتد، فيما ظل المدنيون يتحملون جانباً كبيراً من كلفته. ومن ثم، فإن منع اتساع المواجهة يتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، مساراً سياسياً يعالج جذور النزاع ويحد من التدخلات التي تزيده تعقيداً.
وفي ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وممرات الطاقة، لن تبقى تداعيات الحرب اليمنية محصورة داخل حدود البلاد إذا اتسعت الهجمات أو تعطلت حركة الملاحة. لكن تقدير حجم المخاطر على السعودية وأسواق النفط العالمية يظل مرتبطاً بالوقائع الميدانية المؤكدة، لا بمجرد التوقعات والتحذيرات.
اقرأ المزيد
صندوق النقد الدولي يحذر: حروب الشرق الأوسط والذكاء الاصطناعي يعمّقان عدم المساواة عالمياً
هجمات الحوثيين تضرب الرياض.. وإيران تلوّح باستهداف أصول شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخليج
«أذرع إيران أم طموحات سلطة؟».. تعرف على الحوثيين وأهدافهم التي ترعب الملاحة الدولية
بين الوعود وتحديات التطبيع: كيف تختبر هجمات الرياض التحالف الدفاعي بين ترامب ومحمد بن سلمان؟

