وطن-اتهم رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الحكومة السابقة، التي قادها حزب «القانون والعدالة» المحافظ القومي، باستخدام برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس» لمراقبة سياسيين معارضين وأعضاء في الجهاز القضائي، محذراً من أن بيانات حساسة جُمعت عبر البرنامج كانت متاحة للشركة الإسرائيلية المطورة له.
وبحسب موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، جاءت تصريحات توسك، الاثنين، عقب تحقيق برلماني استمر عامين في بولندا، خلص إلى أن السلطات السابقة سمحت بوصول شركة «إن إس أو» الإسرائيلية إلى بيانات جُمعت باستخدام برنامج التجسس، ما أثار تساؤلات بشأن حماية المعلومات الشخصية والسيادة الرقمية للبلاد.
وقال توسك إن الحكومات السابقة دفعت نحو 7.65 مليون دولار للحصول على النظام، الذي استُخدم لمراقبة شخصيات من المعارضة، إلى جانب أفراد في المنظومة القضائية انتقدوا أداء الحكومة السابقة.
تحقيق برلماني يكشف نطاق استخدام «بيغاسوس»
وفقاً لما أورده «ميدل إيست آي»، أشارت تقارير إعلامية بولندية إلى أن السلطات حصلت على برنامج «بيغاسوس» في أواخر عام 2017، واستخدمته بصورة نشطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2023، بما في ذلك خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2019.
وكشفت التحقيقات عن استهداف مئات الأشخاص، بينهم سياسيون وشخصيات عامة، فضلاً عن أشخاص ينتمون إلى المعسكر السياسي الذي كان يقود الحكومة آنذاك.
وتتركز الاتهامات على استخدام أداة تجسس متطورة لمراقبة خصوم سياسيين وصحفيين وأشخاص من داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من حصر استخدامها في القضايا الأمنية والجنائية التي تستدعي مثل هذه الوسائل.
وقال توسك إن الجهات المسؤولة عن العدالة والأمن القومي في بولندا أتاحت، بحسب اتهامه، وصول معلومات شديدة الحساسية عن المواطنين إلى جهة أجنبية من دون امتلاك سيطرة كاملة عليها.
مخاوف من وصول إسرائيل إلى بيانات المواطنين
تتمثل إحدى أبرز نقاط الجدل في القضية في طبيعة البيانات التي يمكن أن يجمعها برنامج «بيغاسوس»، والجهات التي قد تتمكن من الوصول إليها.
ونقل «ميدل إيست آي» عن توسك قوله إن معلومات حساسة عن آلاف المواطنين، وربما عشرات الآلاف، أصبحت متاحة لدولة أجنبية، في إشارة إلى إسرائيل، عبر الشركة المطورة للبرنامج.
وأشار رئيس الوزراء البولندي إلى ورود أسماء عدد من المؤسسات الأمنية والقضائية في القضية، من بينها وكالة الأمن الداخلي، وأجهزة الاستخبارات الخارجية، والمكتب المركزي لمكافحة الفساد، ووزارة العدل.
وتثير هذه الاتهامات أسئلة بشأن آليات تخزين البيانات التي تجمعها أدوات التجسس، وحدود وصول الشركات المطورة إليها، ومدى قدرة الحكومات التي تشتري هذه الأنظمة على ضمان بقاء المعلومات الحساسة تحت سيطرتها.
الحكومة السابقة تنفي ارتكاب مخالفات
بعد وصول ائتلاف توسك إلى السلطة عام 2023، فتحت السلطات تحقيقات في شراء برنامج «بيغاسوس» بأموال عامة واستخدامه لمراقبة معارضين وصحفيين خلال فترة حكم حزب «القانون والعدالة».
في المقابل، ينفي وزير العدل السابق زبيغنيو زيوبرو ومسؤولون بارزون آخرون في الإدارة السابقة ارتكاب مخالفات، ويقولون إن استخدام البرنامج كان ضرورياً لحماية الأمن القومي، وإن عمليات المراقبة نُفذت بموجب موافقات قضائية.
لكن رئيس لجنة التحقيق البرلمانية قال، الاثنين، إن القضاة الذين وافقوا على استخدام البرنامج لم يكونوا على دراية كاملة بقدراته التقنية ومدى ما يتيحه من اختراق ومراقبة، وفقاً للموقع البريطاني.
وبذلك، لا يقتصر الجدل على ما إذا كانت عمليات التجسس قد استهدفت أشخاصاً بصورة غير مشروعة، بل يمتد أيضاً إلى مدى كفاية الرقابة القضائية والضمانات التي تحكم استخدام أدوات المراقبة الإلكترونية المتقدمة.
ما قدرات برنامج «بيغاسوس»؟
يُعد «بيغاسوس» من أكثر برامج التجسس الإلكتروني إثارة للجدل، نظراً إلى قدرته على اختراق الهواتف المستهدفة والوصول إلى أنواع متعددة من البيانات الموجودة عليها.
ويمكن للبرنامج، بحسب قدرات النسخ وطرق الاختراق المستخدمة، الوصول إلى الرسائل والصور وسجلات المكالمات وغيرها من المعلومات، كما قد يتيح مراقبة أنشطة المستخدمين عبر تطبيقات الاتصال، بما فيها «واتساب».
وقد أثار استخدام البرنامج في دول مختلفة انتقادات من منظمات حقوقية وصحفيين ونشطاء، وسط مخاوف من توظيف أدوات المراقبة الرقمية ضد المعارضين أو الأشخاص الذين يمارسون أنشطة مشروعة.
وتجعل هذه القدرات مسألة الرقابة على استخدام البرنامج، والجهات المخولة تشغيله، والضمانات القانونية التي تحمي الأشخاص المستهدفين، محوراً أساسياً في الجدل الدائر حوله.
«إن إس أو» تواجه ضغوطاً قانونية وسياسية
تواجه شركة «إن إس أو» الإسرائيلية، المطورة لبرنامج «بيغاسوس»، ضغوطاً قانونية وسياسية متواصلة بسبب اتهامات باستخدام تقنياتها في استهداف صحفيين ونشطاء وشخصيات معارضة في عدد من الدول.
وفي الولايات المتحدة، خسرت الشركة في عام 2025 دعوى قضائية رفعتها شركة «ميتا» بشأن استهداف مستخدمي «واتساب». ووفقاً لما أورده «ميدل إيست آي»، صدر حكم بتعويض بلغ 167 مليون دولار، قبل أن يُخفض المبلغ لاحقاً إلى 4 ملايين دولار، مع فرض حظر دائم على استهداف «واتساب» ومستخدميه.
كما أُدرجت الشركة على قائمة أمريكية تقيد تعاملها مع الشركات الأمريكية، بعدما اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أن أنشطتها تتعارض مع مصالح السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة.
وأشار الموقع إلى أن الشركة تسعى إلى رفع اسمها من القائمة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، كما عيّنت ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل خلال الولاية الأولى لترامب، رئيساً تنفيذياً لها.
قضية تتجاوز الخلاف السياسي في بولندا
تعيد الاتهامات المرتبطة ببرنامج «بيغاسوس» فتح النقاش بشأن حدود استخدام التكنولوجيا في العمل الأمني، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمراقبة السياسيين المعارضين والقضاة والصحفيين.
كما تطرح القضية تساؤلات عن سيادة البيانات الوطنية، ومدى قدرة الدول على التحكم في المعلومات التي تجمعها أنظمة طورتها شركات خاصة، فضلاً عن فاعلية الرقابة القضائية في منع إساءة استخدام أدوات التجسس.
وبينما تواصل السلطات البولندية التحقيق في ممارسات الحكومة السابقة، ينفي مسؤولون سابقون ارتكاب مخالفات، مؤكدين أن استخدام البرنامج كان مرتبطاً بالأمن القومي. ومن ثم، يبقى تحديد المسؤوليات القانونية مرتبطاً بنتائج التحقيقات والإجراءات القضائية ذات الصلة.
اقرأ المزيد
عسكري في البحرية الملكية البريطانية متهم بالتجسس.. معلومات حساسة ودولة أجنبية في قلب التحقيق
اعتقال رئيس الاستخبارات الألمانية بتهمة الخيانة العظمى والتجسس لصالح جهة أجنبية..
600 عميل مغربي في إسبانيا؟.. تسريب استخباراتي يفتح أخطر ملفات التجسس بين مدريد والرباط
بلجيكا تعتقل متدربة سابقة في الناتو بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية

