وطن-في واحدة من أعنف هجمات المستوطنين بالضفة الغربية المحتلة خلال الأشهر الأخيرة، قُتل أربعة فلسطينيين، الجمعة، برصاص مستوطنين وجنود إسرائيليين خلال اقتحام بلدة تل جنوب غرب نابلس، في حادثة تزامنت مع مقتل حارس أمن مستوطنة وضابط في الجيش الإسرائيلي، وسط تصاعد دعوات انتقامية إسرائيلية ومطالب وزارية بتوسيع الاستيطان.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، في تقرير من رام الله أعدته الصحفية فايحة شلاش، إن مستوطنين مسلحين برفقة قوات إسرائيلية هاجموا في ساعات الصباح الأولى منازل وأراضي زراعية في أطراف بلدة تل، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع الأهالي الذين حاولوا صد الهجوم.
وبحسب شهادات نقلها الموقع، فإن مجموعة من المستوطنين المسلحين اقتحمت المنطقة الواقعة جنوب غرب نابلس، قبل أن يتجمع السكان المحليون للدفاع عن منازلهم وأراضيهم. وقال محمود الهندي، أحد سكان البلدة، إن المواجهة بدأت بعد محاولة المستوطنين التقدم نحو أراضٍ فلسطينية، ثم تحولت سريعاً إلى اشتباكات مباشرة بين فلسطينيين عزل من جهة، ومستوطنين وجنود إسرائيليين يحملون بنادق من جهة أخرى.
وأضاف الهندي، في حديثه لـ”ميدل إيست آي”، أن الجنود الإسرائيليين وحراس المستوطنات فتحوا النار على مجموعة من الفلسطينيين، مؤكداً أن المنطقة تشهد بين حين وآخر مواجهات بسبب هجمات المستوطنين ومحاولاتهم السيطرة على الأراضي، “لكن ما حدث اليوم كان الأعنف”.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، معظمهم أصيبوا بالرصاص في الجزء العلوي من الجسم، مشيرة إلى أن ثلاثة من الجرحى في حالة خطيرة. وجرى التعرف إلى الشهداء وهم: الشقيقان إبراهيم حسين علي صيفي وجواد حسين علي صيفي، وابن عمهما فاروق عدنان علي صيفي، وقريبهم عمران أحمد علي صيفي.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية ونقله “ميدل إيست آي”، قُتل أيضاً حارس أمن تابع لإحدى المستوطنات وضابط في الجيش الإسرائيلي خلال إطلاق النار، كما أصيب مستوطنان آخران. وفي المقابل، قدم الجيش الإسرائيلي رواية مختلفة، زاعماً أن المستوطنين كانوا في “نزهة” بالمنطقة عندما اندلعت مواجهات مع السكان الفلسطينيين.
وقال الجيش الإسرائيلي، بحسب ما نقل الموقع البريطاني، إن المستوطنين أطلقوا “طلقات تحذيرية” قبل وصول الجنود الذين حاولوا تفريق المواجهة. وادعى الجيش أن فلسطينياً استولى على سلاح من حارس أمن مستوطنة، وقتله وأصاب ثلاثة آخرين، قبل أن يطلق جندي النار عليه ويرديه قتيلاً، مضيفاً أن ملابسات مقتل الفلسطينيين الثلاثة الآخرين “قيد التحقيق”.
لكن محافظ نابلس، غسان دغلس، رفض الرواية الإسرائيلية، وقال في مقابلة مع قناة “العربي” إن المستوطنين اقتحموا البلدة وحاولوا إحراق منازل، ثم أطلقوا النار على السكان الذين تصدوا للهجوم. وأكد شهود لـ”ميدل إيست آي” أن القوات الإسرائيلية، وبعد إطلاق النار، قامت بمرافقة المستوطنين إلى خارج البلدة، قبل أن تقتحمها وتغلق حواجز عسكرية تؤدي إلى نابلس وتشدد إجراءاتها الأمنية في المنطقة.
ولاحقاً، اقتحمت قوات إسرائيلية مستشفى نابلس التخصصي في الضفة الغربية، وداهمت قسم الطوارئ واعتدت على طواقم طبية، وفق ما نقلته تقارير محلية أشار إليها الموقع، في وقت كان ذوو الشهداء يتجمعون أمام المستشفيات وسط حالة من الصدمة والغضب.
وبعد ساعات من حادثة تل، شن مستوطنون إسرائيليون هجمات على عدة قرى فلسطينية قرب نابلس وقلقيلية، أحرقوا خلالها سيارات وأراضي زراعية واعتدوا على سكان، وفق ما أوردته تقارير محلية. كما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات من مستوطنين إلى الانتقام وتنفيذ مزيد من الهجمات ضد الفلسطينيين.
وكشف “ميدل إيست آي” أن الجيش الإسرائيلي أعلن استعداده لاحتمال وقوع هجمات انتقامية من المستوطنين في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية المحتلة، في مؤشر على اتساع التوتر الميداني بعد مقتل الإسرائيليين قرب نابلس.
سياسياً، دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، المقيم في مستوطنة قرب نابلس، إلى رد عسكري شديد. وقال إن قرى تل وبورين وبيت فوريك “يجب أن تصبح مثل مخيمات اللاجئين في نابلس وطولكرم”، في إشارة إلى الدمار الواسع الذي ألحقته القوات الإسرائيلية بتلك المخيمات عام 2025، بحسب ما نقل الموقع.
وأضافت الصحيفة أن سموتريتش أعلن أنه سيطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إقامة مستوطنة جديدة قرب موقع إطلاق النار. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المقيم في مستوطنة بالخليل، فقال إن القرى الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة يجب أن تشبه بيت حانون شمال قطاع غزة، التي دمرتها إسرائيل على نطاق واسع خلال الحرب، مضيفاً: “مقابل كل يهودي يُقتل، يجب أن يدفع العدو ثمناً من الأرض والمنازل”.
من جهته، أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الوزراء اجتمع بوزير الدفاع ورئيس أركان الجيش لبحث الرد الإسرائيلي على ما وصفه بـ”هجوم نابلس”. وقال نتنياهو: “سنتحرك بقوة ضد الإرهابيين ومن يرسلهم، ولن نسمح للإرهاب بالعودة إلى الضفة الغربية”. ولاحقاً، أعلن الجيش الإسرائيلي تعزيز انتشاره في الضفة الغربية المحتلة بخمس سرايا إضافية.
وفي الجانب الفلسطيني، قال نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إنه أجرى اتصالات عاجلة مع عدة دول، مطالباً بتوفير حماية للفلسطينيين مما وصفه بـ”إرهاب المستوطنين والجيش الإسرائيلي”. كما اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية أن عمليات القتل في بلدة تل تعكس “سياسة إسرائيلية رسمية” تقوم على التهجير القسري، وتُنفذ بالتعاون بين الجيش ومجموعات المستوطنين.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ليس جديداً، لكنه تصاعد بصورة حادة منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023. وتنفذ مجموعات المستوطنين هجمات شبه يومية تشمل الحرق والتخريب والاعتداءات الجسدية والتهجير القسري، غالباً تحت حماية القوات الإسرائيلية.
وكان فلسطينيان قد قُتلا، الأحد، برصاص إسرائيلي خلال هجوم مستوطنين مدعوم من الجيش على بلدة دير جرير شمال شرق رام الله. ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 87 فلسطينياً برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية عام 2026، بينهم 21 قُتلوا على يد مستوطنين.
وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن عنف المستوطنين القاتل يتصاعد عاماً بعد آخر منذ 2023؛ إذ قُتل 11 فلسطينياً على يد مستوطنين في عام 2024، وارتفع العدد إلى 14 في عام 2025، ثم إلى ما لا يقل عن 21 منذ بداية العام الجاري. وأضافت الهيئة أن معظم الضحايا قُتلوا بالرصاص، بينما توفي آخرون نتيجة الاعتداءات الجسدية أو استنشاق الغاز المسيل للدموع أو بسبب طوارئ صحية وقعت أثناء الهجمات، ما يعكس اتساع نطاق عنف المستوطنين وتزايد حدته في الضفة الغربية المحتلة.
قد يعجبك
أبارتهايد قضائي.. إسرائيل تُفعّل قانون إعدام الفلسطينيين في الضفة وتستثني المستوطنين..
الضفة على صفيح ساخن.. قتلى فلسطينيون بعد هجوم مستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي
بعد اختفاء قسري وتعذيب في سجون الاحتلال.. ريم جاد الله تستعيد خطيبها حمادة البنا في غزة

