وطن-عاد تسجيل أرشيفي للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى الواجهة مجدداً، بعدما أعاد مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي تداوله بالتزامن مع سجال متصاعد حول طبيعة العلاقة بين الإمارات والسعودية، ومستقبل الأمن الخليجي، وحدود الخلافات بين الدولتين اللتين ظلتا لسنوات في صدارة المشهد السياسي الخليجي.
في التسجيل، يظهر الشيخ زايد وهو يؤكد وقوف الإمارات إلى جانب السعودية، قائلاً إن بلاده مع المملكة «قلباً وقالباً»، وإن على البلدين أن يقفا «وقفة رجل واحد» وأن يؤمنا بأن «المصير واحد».
عبارات قيلت في سياق سياسي مختلف، لكنها اكتسبت دلالة جديدة مع إعادة نشرها اليوم، إذ تحولت من مجرد شهادة على طبيعة العلاقات الخليجية في مرحلة سابقة إلى مدخل لنقاش أوسع: هل ما زالت العلاقة بين أبوظبي والرياض تعبّر عن المعنى نفسه الذي حملته كلمات مؤسس دولة الإمارات؟
فيديو من الماضي في قلب سجال الحاضر
لم يعد المقطع يُتداول بوصفه وثيقة أرشيفية فحسب، بل أصبح جزءاً من نقاش سياسي أوسع حول التحولات التي شهدتها منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة.
فالعلاقات بين الإمارات والسعودية شهدت تعاوناً وثيقاً في ملفات إقليمية عدة، وظهرت الدولتان في مراحل مختلفة كحليفين رئيسيين في مواجهة تحديات أمنية وسياسية مشتركة. لكن ذلك لم يمنع بروز تباينات في الرؤى والمصالح، خصوصاً مع اتساع أجندة كل دولة وتغير أولوياتها الإقليمية والاقتصادية.
ومن هنا، عاد خطاب الشيخ زايد القديم ليطرح سؤالاً يتجاوز الفيديو نفسه: هل لا يزال مفهوم «المصير الواحد» قادراً على اختصار طبيعة العلاقات الخليجية في عام 2026؟
مأمون فندي: أمن السعودية يتجاوز حدودها
وفي خضم هذا السجال، برزت مواقف تؤكد أن أمن السعودية لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأناً وطنياً منفصلاً عن بقية المنطقة.
فقد اعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي مأمون فندي أن السعودية تمثل إحدى الركائز الأساسية للأمن العربي، وأن استقرارها يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من حدودها الوطنية.
ويعيد هذا الطرح النقاش إلى مفهوم الأمن الجماعي في الخليج، حيث ترتبط أمنياً وسياسياً واقتصادياً مجموعة من الدول التي تواجه تحديات مشتركة، حتى وإن اختلفت مواقفها بشأن كيفية التعامل معها.
رد إماراتي يفتح جبهة أخرى
لكن الطرح لم يمر من دون رد. فالأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله دخل على خط النقاش، داعياً الرياض إلى مراجعة سياساتها وعلاقاتها مع أقرب جيرانها الخليجيين.
وبذلك، انتقل الجدل من استحضار كلمات الشيخ زايد إلى سجال مباشر حول مسؤولية كل دولة عن حماية مصالحها، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع العواصم الخليجية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
وهنا تحديداً اكتسب الفيديو القديم أهمية جديدة؛ إذ أصبح استخدامه في النقاش الحالي بمثابة مقارنة بين خطاب سياسي سابق يقوم على وحدة المصير، وواقع إقليمي أكثر تعقيداً تتداخل فيه التحالفات مع المصالح الوطنية والحسابات الاقتصادية والأمنية.
تحالف قوي.. لكن المصالح تتغير
لا يعني بروز الخلافات في بعض الملفات بالضرورة انهيار العلاقة بين أبوظبي والرياض. فالدولتان ما زالتا تشتركان في عدد من المصالح الاستراتيجية، كما أن أمن الخليج ومواجهة التهديدات الإقليمية تمثل ملفات حاضرة في حساباتهما.
لكن العلاقات بين الدول لا تقوم دائماً على التطابق الكامل في المواقف. ومع صعود الدور الإقليمي لكل من السعودية والإمارات، أصبحت لكل عاصمة حساباتها الخاصة في ملفات تمتد من الاقتصاد والاستثمار إلى اليمن والبحر الأحمر والعلاقات مع القوى الدولية والإقليمية. وهذا ما يجعل الحديث عن «المصير الواحد» أكثر تعقيداً من مجرد استعادة عبارة تاريخية.
من الشيخ زايد إلى الإمارات اليوم
ولم يقتصر الجدل على العلاقة مع السعودية، بل أعاد تداول الفيديو أيضاً إلى الواجهة نقاشاً حول مواقف الشيخ زايد التاريخية من إسرائيل، ومقارنتها بالسياسة الإماراتية الحالية بعد إقامة العلاقات الرسمية بين أبوظبي وتل أبيب ضمن اتفاقات التطبيع التي أُعلنت عام 2020.
ويستخدم منتقدو السياسة الإماراتية هذا النوع من المقارنات للتساؤل عن حجم التحول الذي طرأ على السياسة الخارجية للدولة خلال العقود الماضية، بينما ترى أبوظبي أن سياستها الحالية تنطلق من حسابات ومصالح تتناسب مع واقع المنطقة وتحدياتها الراهنة.
وبالتالي، فإن إعادة نشر التسجيل لا تستحضر الماضي فقط، بل تستخدمه لقراءة الحاضر ومقارنة المواقف السياسية بين مرحلتين مختلفتين تماماً.
«المصير واحد».. ماذا بقي من العبارة؟
ربما تكمن أهمية الفيديو في أنه يطرح سؤالاً أكبر من حدود العلاقة الإماراتية السعودية.
فعبارة «المصير واحد» كانت تعكس تصوراً سياسياً يقوم على أن أمن دول الخليج مترابط، وأن الخطر الذي يهدد دولة يمكن أن ينعكس على جيرانها. أما اليوم، فقد أصبحت المنطقة أكثر تعدداً في مراكز القوة، وأكثر تعقيداً في شبكة تحالفاتها ومصالحها.
ولهذا، فإن عودة كلمات الشيخ زايد إلى التداول لا تعني بالضرورة أن العلاقة بين الإمارات والسعودية وصلت إلى نقطة قطيعة، كما لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحول جذري في التحالف بين البلدين.
لكنها تكشف شيئاً آخر: أن الخطاب السياسي القديم يمكن أن يتحول، بعد عقود، إلى مرآة يُقاس عليها حاضر العلاقات الخليجية.
وبين «قلباً وقالباً» و«المصير واحد» من جهة، وحسابات السياسة والمصالح المتغيرة من جهة أخرى، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما زالت وحدة المصير هي العنوان الأبرز للعلاقات الخليجية، أم أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها لكل حليف حساباته الخاصة؟
اقرأ المزيد
رسائل متزامنة من الرياض وأبوظبي.. هل تنهي الخلافات بين السعودية والإمارات؟
حرب الحوالات الصامتة: فايننشال تايمز تكشف كواليس تجميد وإرجاع الأموال بين السعودية والإمارات..
تصعيد عسكري حاد بين السعودية والإمارات في اليمن يكشف تفكك التحالف العسكري

