وطن-اقتربت الهجمات الروسية في غرب أوكرانيا مجددًا من حدود حلف شمال الأطلسي، بعدما أصابت طائرة مسيّرة روسية قاطرة قطار ركاب متجهًا نحو بولندا قرب معبر ياهودين الحدودي، في حادث وقع على بعد نحو كيلومترين فقط من الحدود البولندية.
الهجوم، الذي وقع فجر الأحد، لم يسفر عن إصابات بعد إخلاء القطار مسبقًا إثر تحذير من خطر المسيّرات، لكنه أثار قلقًا واسعًا في وارسو، خصوصًا بعدما اضطرت القوات الجوية البولندية إلى رفع جاهزيتها ومراقبة المجال الجوي على خلفية الهجوم الروسي المكثف على غرب أوكرانيا.
قاطرة قطار ركاب قرب الحدود
أعلنت شركة السكك الحديدية الأوكرانية أن طائرة مسيّرة روسية أصابت قاطرة قطار ركاب في منطقة فولين، على بعد نحو كيلومترين من الحدود مع بولندا. وكان القطار يسير على خط يربط كييف بوارسو، وهو أحد خطوط النقل المهمة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.
وقالت الشركة إن فريق مراقبة هجمات المسيّرات حذر طاقم القطار مسبقًا، ما سمح بإجلاء الركاب وفصل القاطرة عن العربات قبل إصابتها. ونتيجة لذلك، لم تقع إصابات بين الركاب.
وتزامن الهجوم مع وجود شخصيات سياسية وأمنية غربية في المنطقة. فقد كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون ورئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلدت ضمن وفد تحرك بالقطار السابق على الخط نفسه بعد مشاركتهما في مؤتمر أمني في كييف، بينما أصابت المسيّرة قطارًا كان يسير بعدهما بدقائق.
وأكد بيلدت أن القطار الذي استقله لم يكن هو القطار الذي تعرض للهجوم، ما يقلل من صحة بعض الروايات التي تحدثت عن إصابة القطار الذي كان يقل المسؤولين السابقين مباشرة.
وارسو ترفع جاهزيتها
الهجوم دفع بولندا إلى تعزيز حالة التأهب على حدودها الشرقية. وأعلنت قيادة العمليات في القوات المسلحة البولندية أن طائراتها العسكرية نفذت عمليات مرتبطة بالهجمات الروسية على غرب أوكرانيا، فيما تلقى سكان المناطق الحدودية تحذيرات من السلطات.
وأكدت السلطات البولندية عدم حدوث انتهاك للمجال الجوي للبلاد خلال هذه العملية، لكن قرب الهجمات من الحدود دفع وارسو إلى التعامل معها باعتبارها خطرًا أمنيًا متزايدًا.
وأفادت تقارير بأن مقاتلات بولندية ووسائل استطلاع ودفاع جوي وُضعت في حالة تأهب خلال الهجوم، في وقت كانت فيه روسيا تنفذ واحدة من أكبر موجات القصف بالطائرات المسيّرة على أوكرانيا خلال الأشهر الأخيرة.
معبر حيوي للإمدادات
وتكتسب منطقة ياهودين-دوروهوسك أهمية خاصة لأنها تربط أوكرانيا مباشرة بشبكة النقل الأوروبية، وتعد من المعابر الرئيسية التي تمر عبرها الشاحنات والبضائع والمساعدات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.
ولذلك لا تنظر كييف إلى استهداف هذه المنطقة باعتباره مجرد ضربة لبنية تحتية محلية، بل جزءًا من الضغط على طرق النقل التي تربط البلاد بحلفائها الغربيين.
ويأتي ذلك بعد تحذيرات أطلقها رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من أن روسيا قد تستهدف المعابر الحدودية الأوكرانية مع دول أوروبية أخرى، في محاولة لإضعاف طرق التجارة والإمداد التي تساعد كييف على الصمود اقتصاديًا وعسكريًا.
وكان توسك قد أعلن قبل أيام أن أجهزة بولندية وأوكرانية تمكنت من إحباط تهديد مباشر لأحد المعابر بين البلدين، محذرًا من احتمال وقوع أعمال تخريب روسية جديدة على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
هجمات تتوسع غربًا
ويأتي الهجوم على قطار كييف-وارسو في سياق تصعيد روسي طال بصورة متزايدة البنية التحتية في غرب أوكرانيا، بما في ذلك السكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بالنقل والطاقة والحدود.
وبحسب تقارير غربية، فإن موسكو تستهدف بصورة متزايدة طرق الإمداد التي تصل أوكرانيا بالدول الأوروبية، بينما تقول روسيا إن بعض الضربات تستهدف بنى تحتية مرتبطة بالنقل العسكري.
وتشير هذه التطورات إلى تغير في طبيعة الخطر بالنسبة للدول المجاورة لأوكرانيا، إذ أصبحت الهجمات تقع على مسافات أقرب بكثير من حدود الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، حتى من دون أن تدخل المسيّرات أو الصواريخ المجال الجوي للدول الأعضاء.
«روسيا تصعّد»
وفي كييف، وصف وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها الهجوم قرب الحدود البولندية بأنه تهديد مباشر لأمن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بينما كثفت وارسو اتصالاتها الأمنية مع كييف وحلفائها.
وكان وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي قد حذر من التصعيد الروسي، في وقت كان موجودًا فيه في العاصمة الأوكرانية خلال الهجوم.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل سلسلة من الحوادث التي وقعت أخيرًا قرب الحدود الغربية لأوكرانيا. ففي التاسع من سبتمبر، أدى هجوم روسي على معبر ستاروكوزاتشي بين أوكرانيا ومولدوفا إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين، بينما قالت وارسو لاحقًا إنها أحبطت تهديدًا مباشرًا استهدف أحد معابرها مع أوكرانيا.
اختبار جديد لبولندا
ولا يعني اقتراب الهجمات من الحدود البولندية أن روسيا هاجمت الأراضي البولندية أو اخترقت مجالها الجوي في هذه الحادثة. لكن تكرار الضربات على مسارات النقل الأوكرانية القريبة من الحدود يضع وارسو أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا.
فأي خطأ في تحديد المسار، أو انحراف لطائرة مسيّرة، أو سقوط صاروخ على الجانب البولندي، يمكن أن يحول حادثًا داخل الأراضي الأوكرانية إلى أزمة مباشرة بين روسيا ودولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
ولهذا تبدو المسألة بالنسبة إلى بولندا أكبر من مجرد حماية الحدود. فوارسو تحاول منع انتقال الحرب من مرحلة استهداف البنية التحتية الأوكرانية قرب الحدود إلى مرحلة يصبح فيها أمن الأراضي التابعة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي نفسه جزءًا مباشرًا من الحسابات العسكرية الروسية.
ومع استمرار موسكو في تكثيف هجماتها على طرق النقل والمنشآت الحيوية في غرب أوكرانيا، تجد بولندا نفسها أمام اختبار جديد: كيف تحمي حدودها وخطوط إمداد حليفها الأوكراني، من دون أن تتحول الضربات القريبة من أراضيها إلى شرارة مواجهة أوسع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
اقرأ أيضاً
من المحتوى الإباحي إلى المسيّرات.. هل تحوّل أوكرانيا “صناعة الجنس” إلى سلاح في حربها ضد روسيا؟
موسكو تشتعل.. مئات المسيّرات الأوكرانية تضرب قلب روسيا
ليلة نارية في أوكرانيا.. روسيا تشن أوسع هجوم بالصواريخ والمسيّرات ومخاوف من امتداد الحرب إلى بولندا

