وطن-تواجه روسيا، بعد أكثر من أربعة أعوام من الحرب في أوكرانيا، سؤالاً أكثر تعقيداً من مسار الجبهات العسكرية: كيف يمكن لبلد أعاد تشكيل اقتصاده وموازنته ومجتمعه حول الحرب أن يعود إلى الحياة المدنية؟ فالتقديرات الغربية تشير إلى أن التعافي الروسي من آثار النزاع لن يكون سريعاً، وقد يستغرق بين 5 سنوات و30 عاماً، وفقاً لطبيعة التسوية المقبلة وحجم التحولات التي ستفرضها على الاقتصاد والمجتمع والدولة.
وقالت صحيفة “أ بي سي” الإسبانية إن انتهاء الحرب، متى حدث، لن يعني بالضرورة عودة روسيا إلى ما كانت عليه قبل فبراير 2022، بل سيضع الكرملين أمام تحديات بنيوية عميقة، أبرزها تفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة توجيه الصناعة العسكرية المتضخمة، والتعامل مع أزمة ديموغرافية متفاقمة ونقص حاد في اليد العاملة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن مراكز أبحاث مثل معهد كيل للاقتصاد العالمي تقدّر أن الاقتصاد الروسي سيحتاج ما بين خمس وسبع سنوات للتعافي من آثار الحرب المباشرة. وتستند هذه التقديرات إلى الحجم الكبير الذي باتت تشغله الصناعة العسكرية داخل الاقتصاد الوطني، إذ يُعتقد أنها تمثل ما بين 9% و12% من الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل تراجع واضح في قدرة القطاعات المدنية على النمو والمنافسة.
هذا التحول لم يكن اقتصادياً فقط، بل مسّ بنية سوق العمل ومصادر الدخل لملايين الروس. فإيقاف “آلة الحرب”، كما تصفها مراكز الأبحاث، قد يعني فقدان عدد كبير من العاملين في الصناعات الدفاعية والجنود المسرحين لمداخيلهم بصورة مفاجئة، ما يفتح الباب أمام ضغوط اجتماعية واقتصادية يصعب احتواؤها سريعاً.
وأضافت صحيفة “أ بي سي” الإسبانية أن تقديرات أكثر تشاؤماً صادرة عن مؤسسة راند الأميركية تذهب إلى أن روسيا قد تحتاج إلى نحو 30 عاماً للتعافي الكامل من تبعات الحرب، إذا جرى احتساب الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والسياسية مجتمعة.
ونقلت الصحيفة عن محلل المخاطر الجيوسياسية والمعلوماتية دينيس كوليسنيك قوله إن الحرب لا تزال قائمة، وقد تستمر عاماً إضافياً على الأرجح. ويرى كوليسنيك أن أكثر المجالات التي ستتضرر في روسيا بعد انتهاء الغزو ستكون الجبهة الاجتماعية والاقتصادية، موضحاً أن نزع الطابع العسكري عن الاقتصاد سيكون تحدياً كبيراً، لأن نحو 40% من الميزانية الفيدرالية الروسية يذهب حالياً إلى الجبهة ومتطلبات الحرب.
ويضع هذا الواقع الحكومة الروسية أمام معضلة قاسية. فإما أن تتخلى موسكو عن اقتصاد الحرب، وتواجه تبعات وقف الصناعات الدفاعية وتسريح الجنود وتراجع دخول قدامى المحاربين، وإما أن تبقي على هذا النموذج الاقتصادي من دون حرب نشطة، وهو ما قد يؤدي إلى تضخم حاد وركود اقتصادي طويل.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن بعض الأصوات المتشددة داخل روسيا لا تستبعد خياراً ثالثاً أكثر خطورة، يتمثل في البحث عن حرب جديدة لإبقاء ماكينة التعبئة العسكرية والاقتصادية في حالة عمل. وقد لوّح بعض الصقور الروس خلال الفترة الماضية بإمكانية إطلاق “عملية عسكرية خاصة” جديدة ضد دول مثل بولندا أو كازاخستان أو فنلندا أو مولدوفا. ويرى كوليسنيك أن هذا السيناريو، رغم خطورته، يظل مطروحاً في حسابات بعض دوائر النفوذ الروسية.
وتتجاوز الأزمة الروسية حدود الاقتصاد إلى التركيبة السكانية. فروسيا تعاني منذ سنوات من أزمة ديموغرافية حادة، زادتها الحرب تعقيداً بسبب الخسائر البشرية والهجرة وتراجع معدلات الإنجاب. وكان ديموغرافيون روس، من بينهم أليكسي راشكا، قد أشاروا في عام 2025 إلى أن معدل المواليد في البلاد تراجع إلى مستويات قريبة مما كان عليه في القرن السابع عشر، علماً أن السلطات الروسية أدرجت راشكا على قائمة “العملاء الأجانب”.
وكشفت صحيفة “أ بي سي” الإسبانية أن توقعات الأمم المتحدة تشير إلى احتمال انخفاض عدد سكان روسيا من نحو 143 مليون نسمة حالياً إلى 126 مليون نسمة بحلول عام 2100، وهو تراجع ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد وسوق العمل والقدرة العسكرية والإنتاجية للدولة.
وتظهر أزمة اليد العاملة بالفعل كأحد أبرز التحديات في روسيا عام 2026. فقد قالت محافظة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا، في أبريل الماضي، إن روسيا الحديثة لم تشهد من قبل نقصاً في العمالة بهذا الحجم. وتشير توقعات مؤسسة راند إلى أن هذه الأزمة ستتفاقم بحلول عام 2030، مع استمرار تأثير الحرب على السكان وسوق العمل.
ولا يقتصر نقص العمالة على تراجع عدد العاملين، بل يضغط أيضاً على الشركات الروسية التي تجد نفسها مضطرة إلى رفع الأجور بصورة مصطنعة للتنافس على عدد محدود من الموظفين. ووفقاً لنابيولينا، فإن هذا يرفع تكاليف الإنتاج ويدفع التضخم إلى مستويات أعلى، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد الروسي في مرحلة ما بعد الحرب.
وأضافت الصحيفة أن انتهاء القتال قد يفتح كذلك الباب أمام اضطرابات اجتماعية داخلية. فقد اعتمدت موسكو خلال الحرب على تجنيد أعداد كبيرة من السجناء أو المحكومين السابقين للقتال في أوكرانيا، وهو ما انعكس على انخفاض عدد نزلاء السجون في مارس من العام الجاري إلى نحو 301 ألف سجين فقط في عموم البلاد.
وتكمن المخاوف في أن عودة هؤلاء إلى الحياة المدنية لن تكون مضمونة أو سهلة، خصوصاً إذا عاد بعضهم مصاباً باضطرابات نفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، أو من دون برامج تأهيل حقيقية. ويحذر تقرير مؤسسة راند، بحسب ما أوردته “أ بي سي” الإسبانية، من احتمال انتشار الأسلحة في السوق السوداء، وهو عامل قد يتداخل مع عودة مقاتلين سابقين وسجناء سابقين ليرفع معدلات الجريمة وعدم الاستقرار في الداخل الروسي.
وتبدو مناطق مثل القوقاز وسيبيريا أكثر عرضة لهذه التداعيات، لأن نسبة كبيرة من الجنود الروس الذين شاركوا في القتال جاءت من هذه المناطق. وقد يؤدي تراكم الفقر، وعودة المقاتلين، وانتشار السلاح، وتراجع فرص العمل إلى خلق بؤر توتر اجتماعي وأمني طويلة الأمد.
أما على المستوى الدولي، فقد دفعت روسيا ثمناً باهظاً للحرب في أوكرانيا. فبحسب الصحيفة الإسبانية، خسرت موسكو جزءاً كبيراً من نفوذها وسمعتها وشبكة تحالفاتها، بينما تعمقت عزلتها في الغرب وتراجعت قدرتها على المناورة في عدد من الملفات الدولية.
ويرى دينيس كوليسنيك أن إيران وسوريا كانتا من أكثر الخسائر إيلاماً بالنسبة إلى روسيا. ففي سوريا، شكّل سقوط نظام بشار الأسد ضربة قوية لمكانة موسكو كوسيط جيوسياسي ولاعب مؤثر، خصوصاً في العالم النامي، حتى وإن نجح الكرملين في الحفاظ على قواعده العسكرية داخل البلاد.
أما في حالة إيران، فيعتقد كوليسنيك أن العلاقة بين موسكو وطهران تعرضت لاختبار قاسٍ في عام 2026. ورغم أن البلدين يقدمان نفسيهما كحليفين، فإن روسيا تجنبت الانخراط بشكل حاسم عندما احتاجت طهران إلى دعم واضح، وهو ما قد يغير طبيعة العلاقة بين الجانبين مستقبلاً.
وبحسب ما أوردته “أ بي سي” الإسبانية، لم تقتصر الخسائر الروسية في شبكة التحالفات على إيران وسوريا، بل امتدت إلى دول صديقة أو قريبة مثل فنزويلا وأرمينيا والمجر، مع احتمال تراجع العلاقات أيضاً مع دول لا تزال موسكو تحاول الاحتفاظ بها، مثل كوبا وكازاخستان.
وفي مقابل تراجع الحضور الروسي في عدد من الدوائر، تعاظم اعتماد موسكو على الصين. وتشير بيانات معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية إلى أن الواردات الصينية باتت تمثل نحو 57% من إجمالي الواردات الروسية، بعدما كانت لا تتجاوز 23% في عام 2021. وتزود بكين السوق الروسية بمعظم الرقائق الإلكترونية والآلات الثقيلة والمركبات التي تحتاجها موسكو.
لكن هذه العلاقة ليست متوازنة. فبينما أصبحت الصين شرياناً اقتصادياً مهماً لروسيا تحت ضغط العقوبات الغربية، لا تمثل موسكو سوى ما بين 3% و4% من التجارة العالمية الصينية، ما يمنح بكين موقعاً تفاوضياً أقوى ويجعل الاقتصاد الروسي أكثر تبعية لها.
وقالت الصحيفة إن روسيا بدأت ما تسميه “العملية العسكرية الخاصة” وهي تمتلك علاقات تجارية واسعة مع دول الاتحاد الأوروبي وآسيا، وتحالفات متينة في مناطق مختلفة من العالم، واقتصاداً قادراً على الحركة. أما اليوم، فقد تغيرت الصورة جذرياً: السفر إلى الغرب أصبح أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة للروس، والحصول على التأشيرات بات معقداً، وبعض الدول لم تعد تمنحها أساساً.
كما تضررت القوة الشرائية والمالية للروس بعد تراجع قيمة الروبل، بينما أصبحت البطاقات المصرفية الروسية عديمة الفائدة تقريباً خارج البلاد عقب فصل البنوك الروسية عن نظام “سويفت”. وبهذا، تراجعت مظاهر الازدهار التي افتخر بها الروس خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فيما تبدو عودتها في المدى القصير والمتوسط أمراً بعيد المنال.
وتخلص قراءة “أ بي سي” الإسبانية إلى أن التحدي الحقيقي أمام روسيا لن يكون فقط إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل إدارة ما بعدها: اقتصاد عسكري متضخم، مجتمع مرهق، نقص سكاني وعمالي متزايد، عزلة دولية أعمق، واعتماد أكبر على الصين. وهي تحديات تجعل مرحلة ما بعد الحرب، بالنسبة إلى موسكو، معركة طويلة لا تقل صعوبة عن الحرب نفسها.
اقرأ المزيد
روسيا تستورد البنزين لأول مرة منذ الحرب.. هجمات أوكرانيا تضرب قلب صناعة النفط وتفاقم أزمة الوقود
قبل قمة الناتو.. بوتين يبلغ ترامب: روسيا ستواصل الحرب حتى السيطرة الكاملة على دونباس
روسيا تدرس استيراد الوقود بعد الأوكرانية غير مسبوقة وضربات أوكرانية تطال المصافي
بين تعنت موسكو وشروط دونباس.. روسيا تحبط “مبادرة هاكان فيدان” لإحياء مفاوضات السلام في أنقرة

