وطن-في اتصال هاتفي حمل طابعاً رمزياً وسياسياً في آن واحد، بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب ملفات الحرب في أوكرانيا ومستقبل العلاقات بين موسكو وواشنطن، وذلك بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، في رابع مكالمة بين الزعيمين منذ بداية العام.
وقالت وكالة «إفي» إن الاتصال جرى بطلب من البيت الأبيض، وجاء في توقيت حساس يسبق مشاركة ترامب في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، المقررة في تركيا يومي 7 و8 يوليو، حيث يُتوقع أن تكون حرب أوكرانيا والتوازنات الأمنية في أوروبا على رأس جدول الأعمال.
وبحسب ما أوردته وكالة «يوروبا برس»، شدد بوتين خلال المكالمة على ما وصفه بـ«الروابط التاريخية» بين روسيا والولايات المتحدة، مستحضراً الدور الروسي في مرحلة استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا قبل 250 عاماً، في رسالة سياسية بدا أنها تهدف إلى تذكير واشنطن بوجود مساحات قديمة للتقارب بين البلدين رغم التوتر الحالي.
لكن البعد الرمزي للاتصال لم يحجب الملفات الساخنة. فقد أكد يوري أوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي، أن بوتين أبلغ ترامب بأن الجيش الروسي سيواصل عملياته في إقليم دونباس، مشيراً إلى أن موسكو عازمة على السيطرة على ما تبقى من مناطق تعدها جزءاً من «جمهورية دونيتسك الشعبية».
ونقلت وكالة «إفي» عن أوشاكوف قوله في مؤتمر صحفي عبر الهاتف: «مهما تمسك نظام كييف بالمعاقل المتبقية لديه، فإن جيشنا سيأخذها بلا شك». وأضاف أن السيطرة على كوستيانتينيفكا، التي أعلن الكرملين الاستيلاء عليها يوم الجمعة، تمثل «مرحلة مهمة» في ما تسميه موسكو «تحرير كامل أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية».
وتقول الرواية الروسية، وفقاً لما نقلته وكالة «يوروبا برس»، إن كوستيانتينيفكا كانت تمثل نقطة ارتكاز مهمة للجيش الأوكراني في دونباس، وهو ما تعتبره موسكو مؤشراً على تقدم قواتها ميدانياً. ولم يرد في التقرير تأكيد مستقل من الجانب الأوكراني بشأن هذه السيطرة.
وخلال الاتصال، الذي استمر ساعة و25 دقيقة، تطرق بوتين وترامب إلى الوضع الميداني في أوكرانيا. وقال أوشاكوف إن الرئيس الروسي أبلغ نظيره الأمريكي بأن كييف والاتحاد الأوروبي «ينطلقان من تصور خاطئ للوضع العام على خط الجبهة».
وأضاف مستشار الكرملين، بحسب وكالة «إفي»، أن بوتين شرح لترامب «الصورة الحقيقية في ساحة المعركة»، قائلاً إن القوات الروسية «تتقدم بثبات وتسيطر على بلدة تلو الأخرى»، وفق التعبير الروسي الرسمي.
كما اتهم أوشاكوف كييف وحلفاءها الأوروبيين بأنهم «يراهنون على إطالة أمد الصراع بل وتصعيده»، زاعماً أنهم يلجأون إلى «أساليب إرهابية ضد المدنيين». وتأتي هذه التصريحات في وقت تتبادل فيه موسكو وكييف الاتهامات بشأن استهداف البنية التحتية والمناطق المدنية منذ اندلاع الحرب.
وبحسب ما أوردته وكالة «يوروبا برس»، عاد الطرفان خلال المكالمة إلى الحديث عن ضرورة البحث عن تسوية سياسية ودبلوماسية للحرب في أوكرانيا، لكن وفق ما وصفه أوشاكوف بـ«المواقف المبدئية المعروفة للجانب الروسي»، وهي صيغة دأبت موسكو على استخدامها للإشارة إلى شروطها الأمنية والإقليمية.
ووصف مستشار بوتين المكالمة بأنها «لم تكن بروتوكولية فقط، بل كانت جوهرية وبنّاءة للغاية»، مؤكداً أنها أتاحت مناقشة ملفات راهنة على المستويين الثنائي والدولي بشكل مباشر بين الرئيسين.
ولم يقتصر الاتصال على حرب أوكرانيا، إذ ناقش بوتين وترامب أيضاً مستقبل العلاقات الروسية الأمريكية، بما في ذلك ضرورة الحفاظ على قنوات التواصل بين موسكو وواشنطن. وقال أوشاكوف إن الجانبين شددا على أهمية استمرار الاتصالات، بما في ذلك الاتصالات السياسية والعسكرية، إلى جانب الملفات الاقتصادية.
وأضافت وكالة «إفي» أن الكرملين يرى في العلاقات مع الولايات المتحدة «آفاقاً هائلة للتعاون المتبادل المنفعة»، رغم الخلافات العميقة بين البلدين بشأن أوكرانيا والعقوبات والأمن الأوروبي.
ويأتي هذا الاتصال في لحظة دولية شديدة الحساسية، إذ يسعى ترامب إلى دخول قمة الناتو المقبلة وهو ممسك بخيوط التواصل مع موسكو من جهة، ومع الحلفاء الأوروبيين من جهة أخرى، في وقت تحاول فيه روسيا تثبيت سرديتها بشأن تقدمها في دونباس والضغط باتجاه تسوية تراعي شروطها.
اقرأ المزيد
بعيداً عن ظل إسطنبول.. كيف تستعد “أنقرة الرمادية” لمفاجأة زوار قمة الناتو بنكهاتها وتاريخها؟
هندسة أمنية جديدة.. كيف تدفع “عزلة أوروبا” باريس وأنقرة نحو شراكة عسكرية بـ “مباركة دفاعية”؟
بين تعنت موسكو وشروط دونباس.. روسيا تحبط “مبادرة هاكان فيدان” لإحياء مفاوضات السلام في أنقرة

