وطن-تتجه الجزائر نحو تغيير لافت في سياستها التعليمية واللغوية، مع منح اللغة الإنجليزية موقعًا متقدمًا على حساب الفرنسية داخل المدرسة، في خطوة تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في البلاد، وهي العلاقة بين التعليم واللغة والهوية والإرث الاستعماري.
فمع بداية الموسم الدراسي الجديد، أصبحت الإنجليزية أول لغة أجنبية يتعلمها التلاميذ ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، بينما أُجل تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة، بعدما ظلت لعقود اللغة الأجنبية الأولى التي يبدأ بها التلاميذ في هذه المرحلة منذ استقلال الجزائر عام 1962.
الإنجليزية أولاً والفرنسية لاحقًا
وكان وزير التربية الجزائري قد أعلن في يوليو/تموز الماضي أن تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي سيدرسون الإنجليزية كلغة أجنبية وحيدة، على أن تبدأ دراسة الفرنسية إلى جانبها ابتداءً من السنة الرابعة.
ويمثل القرار تحولًا مهمًا في النظام التعليمي الجزائري، إذ كانت الفرنسية لسنوات طويلة اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرس في التعليم الابتدائي منذ السنة الثالثة.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد دفع في السنوات الأخيرة باتجاه تعزيز حضور الإنجليزية في المنظومة التعليمية، معتبرًا أنها أصبحت لغة أساسية للعلوم والمعرفة والتكنولوجيا، وأن تعليمها في سن مبكرة يمنح التلاميذ قدرة أكبر على مواكبة التطورات العلمية والأكاديمية.
ولا يقتصر هذا التحول على المرحلة الابتدائية، إذ تعمل السلطات أيضًا على تعزيز حضور الإنجليزية في التعليم المتوسط من خلال زيادة ساعات تدريسها ورفع معاملها في امتحان نهاية المرحلة، بينما لم تشهد المرحلة الثانوية حتى الآن تغييرًا مماثلًا في وضع الفرنسية، رغم تأكيد وزارة التربية أن حضور الإنجليزية مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة.
إصلاح تربوي أم قرار متسرع؟
وعلى الرغم من أهمية التحول، فإن الانتقال من الفرنسية إلى الإنجليزية يثير تساؤلات بشأن قدرة المدرسة الجزائرية على مواكبته. فبينما رحب الاتحاد الوطني لجمعيات أولياء التلاميذ بالخطوة، معتبرًا الإنجليزية لغة العلوم والتكنولوجيا وفرص العمل المستقبلية، أبدت أصوات تربوية وأولياء أمور مخاوف من أن يكون تنفيذ الإصلاح أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على الاستعداد له.
وتساءلت رشيدة ماحي، وهي مهندسة من الجزائر العاصمة، عن قدرة السلطات على توفير العدد الكافي من المدرسين المؤهلين لتدريس الإنجليزية في مختلف المدارس. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر التي اعتادت التعامل مع الفرنسية كلغة أجنبية أساسية في المدرسة، والتي قد يجد بعض أوليائها أنفسهم غير قادرين على مساعدة أبنائهم في تعلم اللغة الجديدة.
وتقول ماحي إن ابنها، الذي بدأ السنة الثالثة ابتدائي، يتعلم الإنجليزية للمرة الأولى، بينما لا تتقن هي نفسها هذه اللغة إلا بشكل محدود، بعدما تلقت تعليمها الجامعي باللغة الفرنسية.
أزمة تأهيل المدرسين
ولا تتعلق المخاوف باللغة وحدها، بل تمتد إلى قدرة المنظومة التعليمية على توفير مدرسين يمتلكون الكفاءة اللغوية والبيداغوجية اللازمة.
ويقول صلاح دراجي، المتخصص في تعليمية اللغات والرئيس السابق لإحدى الجامعات، إنه يدعم منذ سنوات تعزيز حضور الإنجليزية في الجامعة وتوسيع تدريسها تدريجيًا في مختلف المراحل، لكنه يرى أن المشروع يحتاج إلى تخطيط أكثر دقة.
وبحسب دراجي، فإن تكوين مدرسين قادرين على تدريس لغة جديدة لا يمكن أن يتم خلال أسابيع، ثم إرسالهم مباشرة إلى الأقسام، بل يحتاج إلى مكونين متخصصين وبرامج إعداد جادة وممتدة.
كما ينتقد غياب مشاورات واسعة مع المختصين في التربية وتعليم اللغات قبل تنفيذ التحول، محذرًا من أن اتخاذ قرار بهذا الحجم لأسباب سياسية أو رمزية لا يكفي لضمان نجاحه تربويًا.
ويتفق معه رابح سبع، الأستاذ السابق في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة وهران، الذي يرى أن الجزائر لا تمتلك حاليًا الإمكانات الكافية لتدريس الإنجليزية، أو استخدامها لغة للتدريس، على نطاق واسع في المدارس والجامعات.
تجربة التوظيف تثير الأسئلة
وكانت وزارة التربية قد أعلنت في عام 2022 عن حملة واسعة لتوظيف نحو 60 ألف مدرس، خصوصًا من خريجي اللغة الإنجليزية وآدابها والترجمة، استعدادًا لإدخال الإنجليزية إلى التعليم الابتدائي.
لكن هذه العملية أثارت انتقادات من نقابيين وتربويين، بسبب الاعتماد على خريجين لا يمتلك بعضهم خبرة تربوية كافية، وإخضاعهم لفترات تدريب سريعة قبل دخول الأقسام.
وتبرز هذه النقطة في شهادات بعض أولياء الأمور الذين يخشون أن يؤدي نقص الخبرة لدى المدرسين إلى تحويل الإصلاح اللغوي إلى عبء إضافي على التلاميذ.
وينقل عن حميد هاني، وهو ولي أمر من ولاية بجاية، أن ابنته التي بدأت التعليم المتوسط لا تزال تواجه صعوبة في التعبير باللغة الإنجليزية بعد عامين من دراستها. ويقول إن إحدى المدرسات الشابات التي تولت تدريسها كانت تفتقر إلى الخبرة اللازمة لإدارة القسم، وكانت تضطر إلى البحث بنفسها عن الوسائل التعليمية وإعداد الدروس دون دعم كافٍ.
ويرى هاني أن السلطات تخاطر بمستقبل التلاميذ إذا لم تسبق التغيير اللغوي خطة واضحة للتكوين والتجهيز وتوفير الموارد التعليمية.
أما أحمد تيسا، المتخصص في التربية ومؤلف كتاب حول مكانة الفرنسية في المدرسة الجزائرية، فينتقد بدوره إرسال خريجين جامعيين إلى الأقسام من دون تكوين تربوي طويل، معتبرًا أن اكتساب الكفاءة في التدريس يحتاج إلى فترة إعداد جدية لا يمكن اختصارها في تدريب قصير.
اللغة.. أكثر من مجرد مادة دراسية
وتتجاوز القضية حدود المدرسة لتلامس مسألة الهوية الجزائرية وعلاقة البلاد بماضيها الاستعماري. فبعد الاستقلال عام 1962، بدأت الجزائر مسارًا واسعًا لتعريب التعليم والإدارة، في محاولة لاستعادة مكانة اللغة العربية وتقليص حضور اللغة الفرنسية التي فرضها الاستعمار في مؤسسات الدولة والتعليم.
وبلغت سياسة التعريب مرحلة متقدمة مع قانون تعميم استخدام اللغة العربية في الحياة العامة والتعليم، لكن الفرنسية ظلت حاضرة بقوة، خصوصًا في التعليم العالي والتخصصات العلمية.
ففي حين عُرّبت تخصصات مثل الحقوق والعلوم الاجتماعية بدرجات متفاوتة، استمرت الفرنسية في لعب دور أساسي في الطب والهندسة والعلوم، نتيجة نقص المراجع العلمية باللغة العربية واعتماد جانب كبير من الإنتاج الأكاديمي العالمي على اللغات الأجنبية.
من الفرنسية إلى الإنجليزية
وفي السنوات الأخيرة، بدأت السلطات الجزائرية تدفع باتجاه استبدال الفرنسية بالإنجليزية تدريجيًا في عدد من المجالات الأكاديمية.
وفي عام 2025، أعلنت الجزائر توجهها نحو اعتماد الإنجليزية بصورة أكبر في الدراسات الطبية، معتبرة أن هذه اللغة أصبحت المهيمنة على البحث العلمي والإنتاج الأكاديمي العالمي.
وبذلك لم يعد التحول من الفرنسية إلى الإنجليزية مجرد تغيير في مادة مدرسية، بل أصبح جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لأولويات التعليم العالي والبحث العلمي.
لكن هذا التحول يثير في الوقت نفسه سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع الجزائر الانتقال من منظومة تعليمية اعتمدت الفرنسية لعقود إلى منظومة جديدة تعتمد الإنجليزية، من دون المرور بمرحلة اضطراب طويلة؟
البعد السياسي للصراع اللغوي
ويأتي الإصلاح في سياق علاقات متوترة بين الجزائر وفرنسا، خصوصًا بعد الخلافات السياسية التي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة.
وتفاقمت التوترات عام 2024 عقب إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعمه لموقف المغرب بشأن الصحراء الغربية، وهو موقف أثار غضب الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو.
وفي هذا السياق، ينظر بعض السياسيين الجزائريين إلى تقليص حضور الفرنسية باعتباره خطوة تتجاوز التعليم إلى استكمال عملية التحرر من التأثير الفرنسي.
وقد رحب عدد من السياسيين بهذا التوجه، معتبرين أن الإنجليزية أصبحت لغة عالمية وأن الاعتماد عليها يمكن أن يساعد الجزائر على توسيع علاقاتها العلمية والاقتصادية بعيدًا عن المجال الفرنكوفوني التقليدي.
لكن هذا الطرح يواجه انتقادات من أحزاب وشخصيات ترى أن اللغة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة صراع سياسي أو أيديولوجي.
وتدعو قوى سياسية، من بينها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، إلى التعامل مع اللغات باعتبارها أدوات تكامل وانفتاح، بدل وضع العربية والفرنسية والإنجليزية في مواجهة بعضها بعضًا.
الفرنسية بين الإرث الاستعماري والإرث الثقافي
ولا يمكن فصل النقاش عن الدور الذي لعبته الفرنسية في الحياة الثقافية الجزائرية طوال العقود الماضية. فبالنسبة إلى بعض الجزائريين، تمثل الفرنسية بقايا مرحلة استعمارية ينبغي تجاوزها. لكن بالنسبة إلى آخرين، أصبحت اللغة جزءًا من تاريخ البلاد الثقافي والأدبي، واستخدمها كتاب ومفكرون جزائريون في إنتاج أعمال أدبية وفكرية بارزة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الكاتب كاتب ياسين، الذي ارتبط اسمه بالأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، ووصف اللغة في سياق معروف بأنها «غنيمة حرب».
ويرى بعض المتخصصين أن إضعاف الفرنسية بشكل حاد قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الثقافي الجزائري المكتوب بها، وإلى فقدان جزء من الذاكرة الأدبية والفكرية التي تشكلت عبر عقود.
كما يحذر آخرون من أن تراجع الفرنسية يمكن أن يؤثر في علاقة الجزائر بملايين الجزائريين المقيمين في فرنسا وأبنائهم وأحفادهم، إضافة إلى الروابط الثقافية والأكاديمية التي تربط البلاد بالمجال الفرنكوفوني.
الإنجليزية تكسب.. لكن المعركة لم تُحسم
ومع ذلك، فإن صعود الإنجليزية يبدو أكثر ارتباطًا بالتحولات العالمية من مجرد الرغبة في التخلص من الفرنسية. فهذه اللغة تهيمن اليوم على نسبة كبيرة من الأبحاث العلمية والمنشورات الأكاديمية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، ما يجعل تعلمها هدفًا عمليًا بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.
لكن نجاح التحول لن يقاس بعدد ساعات تدريس الإنجليزية أو بتأجيل الفرنسية من السنة الثالثة إلى الرابعة، بل بمدى قدرة المدرسة على توفير مدرسين مؤهلين، ومناهج مناسبة، وكتب ووسائل تعليمية، وتكوين مستمر.
فالجزائر لا تواجه معركة بين لغتين بقدر ما تواجه سؤالًا أوسع حول النموذج التعليمي الذي تريد بناءه. وإذا كانت الإنجليزية مرشحة لتصبح لغة العلم والانفتاح العالمي، فإن نجاحها داخل المدرسة لن يتحقق بمجرد قرار سياسي، بل يحتاج إلى إصلاح تربوي طويل الأمد.
وبين من يرى في الإنجليزية بوابة نحو المستقبل، ومن يخشى أن يؤدي الانتقال السريع إلى إرباك التلاميذ وإضعاف الفرنسية دون توفير بديل جاهز، تبدو الجزائر أمام تحول لغوي عميق، قد يعيد رسم علاقة المدرسة الجزائرية باللغة والعلم والهوية لسنوات طويلة مقبلة.
اقرأ المزيد
بعد أشهر من التوتر.. لماذا أعلنت الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات في هذا التوقيت؟
رسمياً: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات بعد سنوات من التوتر
الجزائر تنظف مواقع التجارب النووية الفرنسية في الصحراء.. وباريس تحجب الخرائط
فرنسا تنفي انفراج أزمة التأشيرات مع الجزائر: لا رفع للقيود دون تعاون في ملف الهجرة

