وطن-خرج عبد الرحمن يوسف القرضاوي من السجن الإماراتي بعد أشهر من الاحتجاز، لتنتهي قضيته بعفو رئاسي أصدره رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان في الرابع من سبتمبر/أيلول 2026، بعد أيام من صدور حكم بسجنه عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم.
وبعد الإفراج عنه، وجّه القرضاوي الشكر إلى الإمارات ورئيسها، كما خصّ تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان بالشكر، وقال إن جهوداً تركية ساهمت في إنهاء الأزمة. وفي أول ظهور له بعد خروجه، قال أيضاً إنه لم يتعرض لاعتداء جسدي أو لفظي خلال فترة احتجازه في الإمارات.
لكن خروج رجل واحد من السجن يفتح سؤالاً أكبر من قضيته الشخصية: ماذا عن الذين لا تقف خلف ملفاتهم دولة تضغط، ولا تحيط بقضاياهم مفاوضات سياسية، ولا تتحرك عواصم قوية من أجل إطلاق سراحهم؟
عندما تتحرك السياسة يُفتح باب السجن
قضية القرضاوي تكشف بوضوح كيف يمكن للتحركات السياسية والدبلوماسية أن تؤثر في مصير معتقل، فالقرضاوي لم يغادر السجن بعد انتهاء مدة حكمه، بل خرج بعفو رئاسي بعد صدور حكم جديد بحقه. وفي الوقت نفسه، تحدث بنفسه عن الدور التركي والجهود التي قادها أردوغان لإنهاء الأزمة.
وهنا لا تكمن المفارقة في الإفراج عنه، فالإفراج عن أي معتقل هو في الأصل خبر إيجابي، وإنما في السؤال الذي يظل معلقاً: هل يصبح العفو ممكناً عندما تتوافر أوراق سياسية ودبلوماسية قوية، بينما يطول الانتظار بالنسبة إلى من لا يملك أي منها؟
أحمد منصور.. من حكم إلى آخر
في المقابل، يقبع الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور في السجن منذ اعتقاله في مارس/آذار 2017. وكانت محكمة إماراتية قد حكمت عليه عام 2018 بالسجن عشر سنوات على خلفية اتهامات مرتبطة بنشاطه الحقوقي ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو حكم وصفته منظمات حقوقية بأنه جائر وغير عادل.
لكن القضية لم تتوقف عند ذلك الحكم. ففي يوليو/تموز 2024، صدر بحق منصور وآخرين حكم بالسجن المؤبد في قضية «الإمارات 84»، وأيدت المحكمة الاتحادية العليا هذه الأحكام في مارس/آذار 2025. وتقول منظمات حقوقية إن عقوبة المؤبد في هذا السياق تعادل 25 عاماً.
وهكذا تحولت قصة منصور إلى واحدة من أبرز القضايا التي تستشهد بها المنظمات الحقوقية عند الحديث عن أوضاع معتقلي الرأي في الإمارات.
سلطان بن كايد القاسمي.. أكثر من عقد خلف القضبان
ومن بين الأسماء الأخرى الشيخ سلطان بن كايد القاسمي، رئيس جمعية الإصلاح، الذي اعتُقل في أبريل/نيسان 2012 وحُكم عليه في قضية «الإمارات 94» بالسجن عشر سنوات.
لكن انتهاء الحكم لم يؤدِ إلى خروجه. فوفق منظمات حقوقية، ظل محتجزاً بعد انتهاء مدة العقوبة، قبل أن يُعاد إدراجه في قضية «الإمارات 84»، التي صدر فيها عام 2024 حكم بالسجن المؤبد بحقه إلى جانب عشرات المتهمين الآخرين. وقد أيدت المحكمة الاتحادية العليا الأحكام في مارس/آذار 2025.
وبذلك لم تعد المسألة بالنسبة إليه مجرد عقوبة محددة المدة، بل تحولت إلى احتجاز ممتد لسنوات طويلة، وفق منظمات حقوقية.
علياء عبد النور.. حين انتهى الانتظار بالموت
لكن بعض قصص المعتقلين في الإمارات لم تنتهِ بعفو أو إفراج أو حتى حكم جديد، بل انتهت بالموت خلف القضبان. ومن أبرز هذه الحالات علياء عبد النور، التي اعتُقلت عام 2015، وشُخّصت بسرطان الثدي بعد فترة قصيرة من اعتقالها. وفي عام 2017 أُدينت في قضية إرهاب، بينما قالت هي وعائلتها إن المحاكمة شابتها انتهاكات، وطالبت منظمات حقوقية بالإفراج عنها لأسباب صحية.
لكن تلك المطالب لم تُستجب، وتوفيت عبد النور في الرابع من مايو/أيار 2019 وهي محتجزة، وفق منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي قالت إن السلطات تجاهلت دعوات متكررة من أسرتها ومنظمات حقوقية وخبراء أمميين للإفراج عنها لأسباب إنسانية.
هذا وتطرح قصتها سؤالاً أكثر قسوة: ماذا يحدث عندما يأتي العفو متأخراً إلى درجة لا يعود معها ممكناً؟
معتقلون بلا دولة تفاوض من أجلهم
القاسم المشترك بين هذه الحالات، على الرغم من اختلاف تفاصيلها، هو أن ملفاتها أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول المعتقلين السياسيين وحرية التعبير في الإمارات.
وتقول منظمات حقوقية إن عشرات الأشخاص تعرضوا لأحكام طويلة في قضايا مرتبطة بالنشاط السياسي أو الحقوقي، وإن بعضهم بقي في السجن بعد انتهاء مدة العقوبة. كما وثقت «هيومن رايتس ووتش» حالات اعتقال تعسفي ومحاكمات غير عادلة وقيوداً على التواصل مع المحامين والعائلات في قضايا أمن الدولة.
وفي قضية «الإمارات 84» وحدها، قالت منظمات حقوقية إن 43 شخصاً حُكم عليهم بالسجن المؤبد في يوليو/تموز 2024، قبل أن تؤيد المحكمة الاتحادية العليا الأحكام بحق المدانين في مارس/آذار 2025.
وبينما تظل السلطات الإماراتية صاحبة الرواية الرسمية بشأن الاتهامات والأحكام، ترى منظمات حقوقية أن عدداً من هذه المحاكمات افتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وأن بعض المتهمين عوقبوا بسبب نشاطهم السلمي أو انتقاداتهم للسلطات.
هل يصبح العفو امتيازاً لمن يملك نفوذاً؟
الإفراج عن عبد الرحمن القرضاوي لا يعني بالضرورة أن قضيته تشبه قضايا جميع المعتقلين الآخرين، كما أن ظروف كل ملف تختلف من شخص إلى آخر. لكن توقيت الإفراج، بعد تدخلات وتحركات سياسية تركية، يعيد طرح سؤال أوسع حول مصير من لا يمتلكون هذه القنوات.
فماذا عن المعتقل الذي لا تملك عائلته نفوذاً سياسياً؟ وماذا عن الشخص الذي لا توجد وراء قضيته مفاوضات بين دولتين؟ وماذا عن الذين لا يعرف العالم أسماءهم أصلاً؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بالقرضاوي وحده، بل بمفهوم العدالة نفسه: هل يجب أن تتوقف حرية الإنسان على حجم الضغط السياسي الذي يمكن أن يُمارس من أجله؟
القرضاوي خرج.. والملف لم يُغلق
قد يكون خروج عبد الرحمن القرضاوي نهاية لقضية شغلت الرأي العام لأشهر، لكنه في الوقت نفسه أعاد تسليط الضوء على ملف أوسع بكثير داخل الإمارات. فهناك معتقلون أمضوا سنوات خلف القضبان، وآخرون صدرت بحقهم أحكام جديدة بعد انتهاء أحكام سابقة، وهناك من لم يصل إلى لحظة الإفراج أصلاً.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد خروج القرضاوي ليس فقط: لماذا أُفرج عنه؟ بل أيضاً: متى يحصل الآخرون على فرصة مماثلة لمغادرة السجن والعودة إلى عائلاتهم؟ فبينما استطاعت السياسة أن تفتح باباً أمام معتقل واحد، لا تزال أبواب أخرى مغلقة أمام أشخاص ينتظرون منذ سنوات. وبعض الذين انتظروا العفو طويلاً لم يصلوا إليه أبداً.
قد يعجبك
عام من الإخفاء القسري لعبد الرحمن يوسف القرضاوي يكشف القمع العابر للحدود في الإمارات ومصر
اختراق في قلب روما: تفكيك شبكة تجسس روسية جندت عملاء استخبارات وعسكريين إيطاليين..

