وطن-في عمق الصحراء الجزائرية، لا يزال إرث التجارب النووية الفرنسية حاضراً بعد أكثر من ستة عقود على أول تفجير ذري أجرته باريس في الجزائر. وبينما تطالب الجزائر بتحديد مواقع النفايات والمعدات التي دُفنت خلال فترة التجارب، تقول تقارير إن فرنسا لم تقدم حتى الآن الخرائط التفصيلية التي تسمح بتحديد أماكن المخلفات المشعة بدقة.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، بدأت الجزائر عمليات لإزالة التلوث من عدد من المواقع التي استخدمتها فرنسا لإجراء تجارب نووية بين عامي 1960 و1966، في وقت لا يزال فيه ملف الخرائط والأرشيف والتعويضات أحد أبرز الملفات العالقة بين البلدين.
«اليربوع الأزرق».. أول قنبلة نووية فرنسية في الجزائر
تعود ذاكرة هذه التجارب إلى 13 فبراير/شباط 1960، عندما فجرت فرنسا أول قنبلة نووية لها في منطقة رقان بالصحراء الجزائرية. وحملت التجربة اسم «اليربوع الأزرق»، في وقت كانت الجزائر لا تزال تحت الاستعمار الفرنسي.
ويتذكر مختار بن عبد القادر، وهو مهندس جزائري من أدرار، الروايات التي نقلها إليه جده محمد عن ذلك اليوم. وكانت العائلة تقيم آنذاك في قرية باهو قرب حمودية، عندما شاهد السكان ضوءاً شديداً في السماء، أعقبه صوت قوي هز الأرض.
وبحسب الرواية التي نقلها مختار إلى «ميدل إيست آي»، عانى جده لاحقاً من سرطان الكبد قبل وفاته عام 1992، فيما توفي سكان آخرون من المنطقة بأمراض مشابهة. ولا توجد، بحسب التقرير، إحصاءات رسمية دقيقة تسمح بتحديد عدد الضحايا المرتبطين بالتجارب.
17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية
لم تكن تجربة «اليربوع الأزرق» سوى البداية. فقد أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في موقعي رقان وإن إكر، شملت تجارب جوية وأخرى تحت الأرض، واستمر البرنامج حتى عام 1966.
وتقول تقارير إن مخلفات هذه التجارب لا تزال موجودة في مناطق مختلفة من الصحراء، وتشمل معدات ومواد استخدمت خلال البرنامج النووي الفرنسي، من أدوات صغيرة إلى مركبات عسكرية.
وتكمن المشكلة الرئيسية في عدم معرفة المواقع الدقيقة لجميع هذه المخلفات، الأمر الذي يجعل عمليات إزالة التلوث أكثر تعقيداً ويزيد المخاوف بشأن انتقال المواد المشعة إلى البيئة.
مخلفات مشعة وأرشيف لا يزال سرياً
ترى المؤرخة الجزائرية سامية حني أن مخلفات التجارب النووية تمثل جزءاً من إرث استعماري طويل الأمد. وفي كتابها «السمّية الاستعمارية»، تصف مناطق التجارب بأنها مساحات واسعة تضم أجساماً ومواد مهجورة يُعتقد أن بعضها ملوث بالإشعاع.
وقالت حني لـ«ميدل إيست آي» إن تحديد حجم الأضرار البشرية لا يزال بالغ الصعوبة بسبب السرية التي أحاطت بالبرنامج النووي الفرنسي، إضافة إلى استمرار القيود على الوصول إلى الأرشيفات.
وتعتبر حني أن عدم تحديد جميع الآثار المادية والبيئية للتجارب يعمق ما تصفه بالعنف الاستعماري الممتد زمنياً ومكانياً.
الصحراء في قلب مفاوضات الاستقلال
جاءت التجارب النووية الفرنسية في الجزائر في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد. ففي يناير/كانون الثاني 1961، بدأت المفاوضات بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الوطني بشأن تقرير المصير، الذي انتهى إلى استقلال الجزائر عام 1962.
وكانت الصحراء الجزائرية من الملفات المهمة في تلك المفاوضات، إذ احتفظت فرنسا بحق استخدام بعض المناطق لمواصلة برنامجها النووي لمدة محددة بعد الاستقلال.
واستمرت التجارب الفرنسية في الجزائر حتى عام 1966، أي بعد أربع سنوات من استقلال البلاد.
وكانت باريس قد بررت اختيار الصحراء باعتبارها منطقة قليلة السكان، لكن هذا التبرير ظل موضع انتقاد، خصوصاً مع وجود مجموعات من الطوارق وسكان آخرين في تلك المناطق منذ فترات طويلة.
لماذا لا تكشف فرنسا خرائط مواقع النفايات؟
تعد مسألة الأرشيف واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف. فبعض الوثائق المتعلقة بالتجارب النووية الفرنسية لا تزال خاضعة لقواعد السرية العسكرية، فيما تقول منظمات وناشطون إن استمرار حجبها يجعل من الصعب تحديد مواقع النفايات المشعة والتعامل معها بصورة آمنة.
وقال باتريك بوفيريه، عضو الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية «آيكان» وأحد مؤسسي مرصد التسلح في ليون، إن الأرشيف النووي الفرنسي يخضع لقيود مشددة.
وأشار إلى قوانين فرنسية، من بينها قانون التراث لعام 2008 وقانون مكافحة الإرهاب والاستخبارات لعام 2021، باعتبارها عوامل ساهمت في استمرار القيود على بعض الوثائق المرتبطة بالأسلحة النووية و«السر الدفاعي».
ويرى بوفيريه أن الكشف عن المعلومات المتعلقة بمستويات الإشعاع ومواقع النفايات يمكن أن يساعد الجزائر في تحديد المناطق الخطرة ووضع خطط لإزالة التلوث.
دراسة تكشف قائمة بالمخلفات النووية
في عام 2020، أعد بوفيريه وجان ماري كولان دراسة تضمنت قائمة غير حصرية بالمخلفات المرتبطة بالتجارب النووية الفرنسية في الجزائر. واستندت الدراسة إلى وثائق رفعت عنها السرية جزئياً، إضافة إلى شهادات ووثائق احتفظ بها مدنيون وعسكريون سابقون شاركوا في برنامج التجارب.
وقال كولان لـ«ميدل إيست آي» إن السلطات الجزائرية تستخدم نتائج الدراسة للضغط على فرنسا من أجل التعاون في تحديد المخلفات وإعادة تأهيل المواقع. وبحسب التقرير، يطالب مسؤولون جزائريون، بينهم الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة، فرنسا بتقديم مساعدة عملية في معالجة آثار التجارب.
مخاوف من آثار صحية وبيئية طويلة الأمد
لا يقتصر الجدل على الجانب البيئي، إذ تتحدث جهات محلية في أدرار عن استمرار مخاوف صحية مرتبطة بالإشعاع. وفي عام 2021، حذرت جمعية «الغيث القادم»، وهي منظمة تساعد المرضى في المنطقة، من تسجيل حالات مختلفة من السرطان وتشوهات خلقية وعقم، وربطت ذلك بالإشعاعات الناجمة عن التجارب النووية.
لكن تحديد العلاقة العلمية المباشرة بين هذه الحالات والتجارب النووية يظل موضوعاً يحتاج إلى دراسات وبائية وطبية شاملة، خصوصاً في ظل نقص البيانات التاريخية المتعلقة بالتعرض للإشعاع.
قانون جزائري يطالب فرنسا بتطهير المواقع
في العام الماضي، صادق البرلمان الجزائري على قانون يطالب فرنسا بتطهير مواقع التجارب النووية التي استخدمتها في الصحراء بين عامي 1960 و1966. ويتضمن القانون مطالب بتنظيف المناطق الملوثة في رقان وإن إكر، وتسليم الخرائط الطبوغرافية التي تحدد مواقع دفن النفايات والمخلفات المشعة.
لكن تنفيذ هذه المطالب يواجه عقبة قانونية، إذ لا توجد آلية دولية مباشرة تفرض على فرنسا القيام بعمليات التنظيف. ويشير جان ماري كولان إلى أن اتفاقيات إيفيان، التي أنهت الحرب الجزائرية الفرنسية، لم تتضمن التزاماً واضحاً بإعادة تأهيل مواقع التجارب النووية.
كما يشير إلى أن فرنسا رفضت في 2017 الموافقة على تعديلات مرتبطة بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية كان من شأنها تعزيز مسؤولية الدول عن معالجة المواقع المتضررة من التجارب.
قانون موران وتعويض ضحايا التجارب
فتحت فرنسا في السابق نقاشاً مع الجزائر بشأن تداعيات التجارب. ففي عام 2008، أنشئت لجنة خبراء مشتركة لتقييم المخاطر المرتبطة بالمواقع النووية ودراسة سبل إزالة التلوث، إلا أن عملها لم يتقدم بصورة مستمرة نتيجة التوترات السياسية المتكررة بين البلدين.
وفي ملف التعويضات، اعتمدت فرنسا عام 2010 قانون موران، الذي وضع آلية لتعويض بعض الأشخاص المصابين بأمراض مرتبطة بالتعرض للإشعاع الناتج عن التجارب النووية الفرنسية في الجزائر وبولينيزيا الفرنسية.
غير أن الاستفادة من القانون بالنسبة إلى الجزائريين ظلت محدودة للغاية. وبحسب التقرير، لم يحصل على التعويض سوى جزائري واحد من بين أكثر قليلاً من ألف شخص جرى تعويضهم.
ويعود ذلك، وفق منتقدين للقانون، إلى صعوبة إثبات شروط الإقامة والتعرض للإشعاع، خصوصاً أن كثيراً من سكان الصحراء كانوا من الرحّل ولم تكن لديهم عناوين ثابتة يمكن استخدامها لإثبات وجودهم بالقرب من مواقع التجارب.
بولينيزيا تكشف اختلافاً في التعامل الفرنسي
تجارب فرنسا النووية لم تقتصر على الجزائر، فقد أجرت باريس 193 تجربة نووية في بولينيزيا الفرنسية بين عامي 1966 و1996. وفي عام 2021، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن «دين فرنسا» تجاه بولينيزيا، كما اتخذت باريس خطوات مرتبطة بفتح الأرشيف ومتابعة عمليات تنظيف المواقع وتسهيل تعويض الضحايا.
ويعتبر ناشطون أن التجربة الفرنسية في بولينيزيا تطرح سؤالاً حول سبب استمرار الصعوبات التي يواجهها الضحايا الجزائريون في الوصول إلى التعويضات والمعلومات نفسها.
الجزائر تبدأ التنظيف بنفسها
وسط استمرار الخلاف حول الخرائط، بدأت الجزائر في فبراير/شباط الماضي عمليات تنظيف في مواقع مرتبطة بالتجارب النووية الفرنسية، اعتماداً على تحقيقات ودراسات وطنية.
وتقوم عمليات إزالة التلوث على جمع المخلفات وتخزينها داخل حاويات خرسانية مخصصة لذلك، وفق ما أورده «ميدل إيست آي». وانطلقت العمليات، التي يشرف عليها الجيش الجزائري، من موقع تاوريرت تان أفلا قرب إن إكر، حيث أجرت فرنسا تجربة «بيريل» النووية تحت الأرض.
وشهدت «بيريل» خللاً في احتواء التفجير، أدى إلى تسرب مواد وغازات مشعة إلى البيئة المحيطة. وبحسب التقرير، لا تزال آثار مواد مشعة مثل السيزيوم-137 والبلوتونيوم مرتبطة بالموقع. كما أشار تقرير برلماني فرنسي إلى أن أربعاً من أصل 13 تجربة نووية فرنسية تحت الأرض في الصحراء الجزائرية لم يتم احتواؤها بالكامل.
إرث نووي يتجاوز ستة عقود
بعد أكثر من 60 عاماً على أول تجربة نووية فرنسية في الجزائر، لا يزال ملف رقان وإن إكر مفتوحاً على أسئلة تتعلق بالمسؤولية والبيئة والصحة والأرشيف والعدالة. فالجزائر تطالب بمعلومات أكثر دقة عن مواقع النفايات، وبإزالة التلوث والتعامل مع الآثار المادية للتجارب، بينما لا تزال باريس تواجه انتقادات بسبب محدودية التعاون في هذا الملف.
وبينما بدأت الجزائر عمليات تنظيف مواقع التجارب اعتماداً على إمكاناتها ودراساتها المحلية، يبقى الوصول إلى الخرائط والأرشيفات الكاملة أحد المفاتيح الأساسية لفهم حجم الإرث النووي الفرنسي في الصحراء، وتحديد المخاطر التي قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
فالقضية لم تعد مجرد صفحة من تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر، بل ملف مفتوح يتعلق بسلامة الأرض والسكان وحق الأجيال المقبلة في معرفة ما تركته التجارب النووية وراءها.
اقرأ المزيد
فرنسا تنفي انفراج أزمة التأشيرات مع الجزائر: لا رفع للقيود دون تعاون في ملف الهجرة
بـ 24.6 مليار دولار.. ميزانية الدفاع الجزائرية تفجر نقاشاً حول أولويات الإنفاق وسباق الردع الإقليمي
الجزائر تجرّم الاستعمار الفرنسي وتطالب بالاعتراف والاعتذار والتعويض

