وطن-لم تعد الرسائل بين السعودية والحوثيين تمر فقط عبر الوسطاء والقنوات السياسية، بعدما انتقلت المواجهة إلى لغة الصواريخ والطائرات المسيّرة. فمع وصول الهجمات إلى العمق السعودي واستهداف مواقع ومنشآت في جنوب المملكة، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة قد لا تبقى حدودها داخل اليمن.
الهجمات الأخيرة رفعت مستوى التوتر، بينما تتحدث الرياض عن التعامل مع التهديدات القادمة من اليمن، في وقت يعلن فيه الحوثيون أن تصعيدهم جاء ردًا على الغارات السعودية. وبين الروايتين، تبرز معادلة أكثر خطورة: حصار مقابل حصار.
الصواريخ تصل إلى العمق السعودي
شهدت مناطق في جنوب السعودية هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وسط تقارير عن استهداف منشآت اقتصادية ونفطية وبنية تحتية.
وأعلنت السلطات السعودية وقوع إصابات واندلاع حرائق، إلى جانب توقف مؤقت لبعض العمليات في منشآت متضررة، في وقت واصلت فيه الجهات المختصة تقييم حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات.
لكن أهمية التصعيد لا تتعلق فقط بما أصاب الأراضي السعودية، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه إذا قررت الرياض الانتقال من الاحتواء والدفاع إلى رد عسكري أوسع.
الرياض تلوّح بالرد
مع تصاعد الهجمات، تتحدث تقارير عن استعداد سعودي للرد على الحوثيين، وعن اتصالات أجرتها الرياض مع حلفائها وشركائها بشأن الخيارات المتاحة أمامها.
كما تشير الرواية المتداولة إلى وجود تنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، إلى جانب فتح قنوات مع شركاء أوروبيين، في محاولة لتنسيق المواقف أمام تصعيد قد تكون له تداعيات تتجاوز الحدود السعودية واليمنية.
وإذا تحولت هذه التحركات إلى عملية عسكرية واسعة، فقد تدخل المواجهة مرحلة مختلفة، خصوصًا إذا استهدفت الضربات مواقع حوثية جديدة أو طالت قيادات ومنشآت مرتبطة بالجماعة.
«حصار مقابل حصار»
في المقابل، يقول الحوثيون إن هجماتهم جاءت ردًا على حملة عسكرية سعودية. وبحسب ما أعلنته الجماعة، فقد شنت السعودية أكثر من مئة غارة خلال ثلاثة أيام، وهو رقم لا يمكن اعتباره مستقلًا ما لم تؤكده مصادر أخرى، لكنه يكشف عن طبيعة الرواية التي تقدمها الجماعة لتبرير تصعيدها.
ومن هنا تبرز عبارة «حصار مقابل حصار» باعتبارها عنوانًا للمرحلة الجديدة: الرياض تضغط عسكريًا على الحوثيين، والحوثيون يردون باستهداف الأراضي والمنشآت السعودية. وهذه المعادلة تحمل خطرًا واضحًا، لأن كل ضربة قد تصبح مبررًا لضربة أكبر، وكل تصعيد قد يرفع سقف التصعيد التالي.
من اليمن إلى البحر الأحمر
لا تتوقف المواجهة عند حدود السعودية واليمن. فالحوثيون يمتلكون القدرة على تهديد طرق الملاحة في البحر الأحمر ومحيط باب المندب، وهي منطقة شديدة الحساسية لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة.
وأي توسع في الهجمات أو انتقالها إلى السفن والمنشآت المرتبطة بالطاقة قد يفتح جبهة أخرى، لا تتعلق فقط بالصراع السعودي الحوثي، وإنما بأمن الملاحة الدولية وأسواق النفط.
ولهذا فإن أي رد سعودي واسع قد يضع أطرافًا إقليمية ودولية أمام ضرورة تحديد موقفها، خصوصًا إذا امتدت العمليات إلى مناطق بحرية أو إلى أهداف ترتبط بالمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.
هل يعود الحريق الإقليمي؟
السيناريو الأكثر خطورة هو أن تتحول الضربات المتبادلة إلى حلقة تصعيد مفتوحة. فإذا نفذت الرياض ضربة واسعة، قد يرد الحوثيون بهجمات جديدة على الأراضي السعودية أو على منشآت اقتصادية ونفطية. وإذا توسعت الهجمات، فقد تنتقل المواجهة إلى البحر الأحمر وباب المندب، بما يفتح الباب أمام تدخلات إضافية. وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال فقط: من يضرب من داخل اليمن؟ بل سيصبح السؤال: من سيدخل المواجهة إذا خرجت عن حدودها؟
فالولايات المتحدة حاضرة عسكريًا في المنطقة، والسعودية ترتبط بشراكة أمنية وثيقة مع واشنطن، بينما سبق أن جعل الحوثيون من الملاحة في البحر الأحمر جزءًا من أدوات الضغط في الصراع الإقليمي.
معركة قد تتجاوز اليمن
ما بدأ كصراع بين السعودية والحوثيين يمكن أن يتحول، إذا استمر التصعيد، إلى أزمة متعددة الجبهات، تتداخل فيها الحرب البرية مع أمن الطاقة والملاحة الدولية. ولهذا تبدو الأيام المقبلة حاسمة: إما أن تنجح القنوات السياسية في كبح التصعيد، أو تتحول قاعدة «حصار مقابل حصار» إلى مسار تصعيدي يصعب وقفه.
وفي النهاية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضربة واحدة، وإنما في سلسلة الردود التي قد تأتي بعدها؛ ضربة تستدعي ضربة، وهجوم يفتح الطريق لهجوم أكبر، إلى أن تصبح الحدود بين الحرب اليمنية والأزمة الإقليمية أضعف من أي وقت مضى.
اقرأ المزيد
أرامكو تحت النار.. ضربة جديدة تهز جازان وتهدد أسواق النفط

