وطن-تخيّل أن تبني حياتك في ألمانيا؛ بيتًا وعملًا وأسرة، وربما تحصل على الجنسية الألمانية، ثم تكتشف أن الحزب الذي يصعد بقوة في الولاية التي تعيش فيها يريد تغيير قواعد الهجرة والتشدد في التعامل مع الأجانب.
هذه ليست قصة خيالية، بل واحدة من أبرز المفارقات التي تفرض نفسها على ألمانيا مع الصعود المتسارع لحزب البديل من أجل ألمانيا، خصوصًا بعد النتيجة القياسية التي حققها في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، والتي أعادت ملف الهجرة إلى قلب النقاش السياسي.
44.5% تهز المشهد
حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على 44.5% من الأصوات في ساكسونيا أنهالت، في نتيجة شكلت أفضل أداء للحزب في انتخابات ولاية ألمانية، ووجهت ضربة سياسية قوية إلى الأحزاب التقليدية.
ووصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس النتيجة بأنها «هزة تكتونية» للنظام السياسي، لكنه أكد في الوقت نفسه أن حزبه لن يتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا.
وبالنسبة إلى المهاجرين، لا تتوقف أهمية هذه النتيجة عند حدود الأرقام الانتخابية، لأن صعود اليمين المتطرف يثير مخاوف بشأن مستقبل سياسات الهجرة والإقامة والاندماج في ألمانيا.
«ترحيل» الأجانب غير النظاميين
يعد ملف الهجرة أحد أبرز القضايا التي يستثمر فيها حزب البديل من أجل ألمانيا سياسيًا. وكان أولريش زيغموند، أحد أبرز قادة الحزب، قد تعهد بترحيل الأجانب الموجودين بصورة غير قانونية، ودعا إلى اعتماد سياسة هجرة أكثر صرامة.
وهنا تظهر نقطة مهمة: الحديث عن ترحيل الموجودين بصورة غير قانونية لا يعني تلقائيًا أن جميع المهاجرين أو الحاصلين على إقامات قانونية أصبحوا مهددين بالطرد. لكن تصاعد الخطاب السياسي المناهض للهجرة يثير مخاوف لدى بعض المقيمين الأجانب بشأن الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه السياسات الألمانية مستقبلًا.
الخوف ليس من القانون فقط
بالنسبة إلى بعض المهاجرين، لا يتعلق القلق فقط بتغيير قوانين الإقامة والهجرة، وإنما أيضًا بالمناخ السياسي والاجتماعي الذي يتشكل حولهم.
فكلما ارتفعت شعبية الأحزاب التي تتبنى مواقف أكثر تشددًا تجاه الهجرة، تزداد المخاوف من أن يشعر بعض الأجانب بأنهم أقل ترحيبًا في البلد الذي بنوا فيه حياتهم.
وهذا الأمر يصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى المهاجرين الذين يعيشون منذ سنوات في ألمانيا، ويعملون ويدرس أبناؤهم فيها، وأصبحوا جزءًا من المجتمع الألماني.
ألمانيا تحتاج إلى المهاجرين
لكن المفارقة الكبرى تكمن في مكان آخر. ففي الوقت الذي يرتفع فيه الخطاب السياسي المطالب بتقليص الهجرة، تواجه أجزاء من ألمانيا تحديات ديموغرافية ونقصًا في اليد العاملة.
وساكسونيا أنهالت نفسها تعاني من تراجع سكاني ومشكلات مرتبطة بتوفير العمالة، بينما تبحث الشركات عن موظفين مؤهلين لسد الوظائف الشاغرة.
ولا يتعلق الأمر فقط بالمصانع أو الشركات، بل يمتد إلى قطاعات حيوية مثل الصحة والرعاية، حيث يعتمد عدد من المؤسسات على العاملين من أصول مهاجرة.
من يعالج المرضى؟
هنا تظهر المعادلة الصعبة التي تواجه ألمانيا: كيف يمكن تقليص الهجرة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الاقتصاد والخدمات الأساسية التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال والمهارات؟
فإذا غادر جزء من العاملين المهاجرين بسبب تغير المناخ السياسي أو شعورهم بعدم الاستقرار، فمن سيملأ الوظائف التي تعاني أصلًا من نقص في الموظفين؟ ومن سيعمل في المستشفيات ودور الرعاية؟ ومن سيعوض الخبرات التي تحتاجها الشركات والمؤسسات الألمانية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن ألمانيا ستطرد العمال الأجانب أو أن المهاجرين سيغادرون جماعيًا، لكنها تكشف عن تناقض واضح بين الحاجة الاقتصادية إلى الهجرة وبين الضغوط السياسية الرامية إلى الحد منها.
«وداعًا ألمانيا»؟
بالنسبة إلى كثير من المهاجرين، لا يزال الحديث عن مغادرة ألمانيا سابقًا لأوانه. فالحصول على إقامة قانونية أو الجنسية يوفر حماية قانونية، كما أن تغيير سياسات الهجرة لا يحدث بين ليلة وضحاها. لكن صعود اليمين المتطرف يطرح سؤالًا أعمق: ماذا يحدث عندما يبدأ المهاجر في الشعور بأن البلد الذي اختاره لبناء مستقبله لم يعد ينظر إليه بالطريقة نفسها؟
قد لا تكون ألمانيا أمام موجة رحيل جماعي للمهاجرين، لكن استمرار صعود الخطاب المتشدد يمكن أن يؤثر في قرارات بعض العمال والمهنيين بشأن البقاء أو الرحيل.
اقرأ المزيد
دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا: تفاصيل طلب برلين لرفض قضية الإبادة الجماعية في غزة..
محكمة ألمانية تقرّ اعتبار مقارنة إسرائيل بألمانيا النازية ضمن حرية التعبير المحمية قانونياً..
قانون “هسّن” الاستثنائي: ألمانيا تمضي نحو تجريم إنكار “وجود إسرائيل” بعقوبة تصل لـ 5 سنوات..

