وطن-تتجه إيران إلى مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة مع تصاعد الضغوط الحقوقية والانقسامات السياسية الداخلية. ففي الوقت الذي احتفت فيه أوساط محافظة بهجوم صاروخي شنه الحرس الثوري على قطع بحرية أمريكية، حذرت منظمة حقوقية من ارتفاع أعداد الإعدامات، بينما فجّرت دعوة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى استفتاء شعبي حول استمرار المواجهة مع واشنطن جدلاً واسعاً داخل البلاد.
هجوم على قطع بحرية أمريكية
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، نفذ الحرس الثوري الإيراني يوم السبت هجوماً استهدف قطعاً بحرية أمريكية، من بينها حاملة طائرات ومدمرة، في خضم التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن في المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن تأكيد القيادة المركزية الأمريكية وقوع الهجمات فتح الباب أمام موجة احتفاء في وسائل الإعلام والتيارات المحافظة داخل إيران، رغم أن الرواية الأمريكية أفادت بصد الهجمات وعدم تمكنها من تحقيق أهدافها.
وتعامل أنصار استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة مع الهجوم باعتباره رسالة قوة، فيما ذهبت بعض الصحف المحافظة إلى التلويح بإمكانية انتقال التصعيد إلى مرحلة أكثر خطورة.
«السفن الحربية في مرمى الصواريخ»
وأشادت صحيفة «همشهري» بالهجوم، معتبرة أنه لا يتجاوز كونه «تحذيراً» يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى ضربات مباشرة ضد السفن الأمريكية إذا استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران.
ورأت الصحيفة أن تصاعد التوتر في مضيق هرمز جعل الأسطول الأمريكي أكثر عرضة للصواريخ الإيرانية، محذرة من احتمال تعرض القوات الأمريكية لما وصفته بضربة مدمرة.
وفي الاتجاه نفسه، احتفت صحيفة «قدس» بالهجوم تحت عنوان «السفن الحربية في مرمى الصواريخ»، معتبرة أن المواجهة الحالية قد تتجاوز السفن التجارية وناقلات النفط والغاز لتشمل القطع العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة.
وبحسب التقرير، ربطت الصحيفة هذا التصعيد بما يشبه عودة مفهوم «حرب الناقلات»، لكن في صورة أوسع، بحيث لا تظل المواجهة محصورة في السفن التجارية.
الإعدامات تتصاعد
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، حذرت منظمة حقوق الإنسان في إيران، التي تتخذ من النرويج مقراً لها، من ارتفاع أعداد الإعدامات في البلاد.
وقالت المنظمة إن 82 شخصاً على الأقل أُعدموا خلال أغسطس وحده، بينهم ست نساء، معتبرة أن الشهر سجل أعلى حصيلة شهرية لإعدام النساء في إيران خلال العام الجاري، وفق الأرقام التي نقلها «ميدل إيست آي».
وأوضحت المنظمة أن ثلاثة من الذين أُعدموا خلال أغسطس كانوا قد اعتُقلوا على خلفية الاحتجاجات المناهضة للنظام التي شهدتها إيران في يناير 2026.
وقال محمود أميري مقدم، مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران، إن النساء اللواتي يُنفذ فيهن حكم الإعدام يواجهن، بحسب المنظمة، ليس فقط عقوبة الإعدام التي وصفها باللاإنسانية، بل أيضاً سنوات من التمييز والعنف وغياب الحماية القانونية.
أكثر من 500 إعدام خلال ثمانية أشهر
وبحسب بيانات المنظمة التي أوردتها الصحيفة البريطانية، بلغ عدد الذين أُعدموا في إيران خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 528 شخصاً على الأقل.
ومن بين هؤلاء، كان 29 شخصاً قد اعتُقلوا خلال احتجاجات يناير، بينما كان اثنان قد اعتُقلا خلال احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» التي اندلعت عام 2022.
كما أشارت البيانات إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق 13 سجيناً سياسياً خلال العام، على خلفية اتهامات بالانتماء إلى جماعات سياسية محظورة، إضافة إلى إعدام 14 شخصاً في قضايا مرتبطة بالتجسس.
أما بقية الأحكام فارتبطت، بحسب المنظمة، بجرائم جنائية، من بينها القتل وجرائم المخدرات.
ضحايا القصف يواجهون نقص العلاج
وفي جانب آخر من تداعيات التصعيد، سلطت صحيفة «اعتماد» الإيرانية الضوء على معاناة الناجين وعائلات الضحايا بعد الضربة الصاروخية الأمريكية التي استهدفت حفل زفاف في الأول من سبتمبر، وفق الرواية التي نقلها «ميدل إيست آي».
وتحدثت الصحيفة عن شكاوى من نقص المعدات الطبية وضعف إمكانات المرافق الصحية في جنوب إيران، الأمر الذي أثار انتقادات من سكان المناطق المتضررة.
وقال علي طاهري، الذي قُتلت زوجته البالغة 43 عاماً في الضربة، إن العيادة المحلية التي تخدم ما بين 50 و60 ألف شخص تفتقر إلى تجهيزات أساسية، بينها الأكسجين.
وأضاف، في حديثه للصحيفة، أن زوجته لم تكن لتفارق الحياة، بحسب اعتقاده، لو توفر الأكسجين في المنشأة الطبية، مشدداً على ضرورة الالتفات إلى معاناة الناجين وعائلات الضحايا.
كما تحدث بهروز ملاحي، أحد سكان منطقة كوهستك، عن نقص فرق الطوارئ، موضحاً أن فرق الإنقاذ اضطرت إلى الوصول من مدينتي سيريك وميناب المجاورتين، ما دفع السكان إلى نقل المصابين بأنفسهم إلى المرافق الطبية.
جراح نفسية لا تنتهي
ولا تقتصر آثار الهجمات على الإصابات الجسدية، إذ أفادت «اعتماد» بأن بعض الناجين، وخصوصاً الأطفال، لم يحصلوا على دعم نفسي كافٍ بعد القصف.
وقال ملاحي إن ابنته عائشة، البالغة 12 عاماً، أصيبت خلال الضربة وقضت عدة أيام في العناية المركزة، لكنها عادت إلى منزلها وهي تعاني من آثار نفسية عميقة.
وبحسب روايته، أصبحت الطفلة تخشى العودة إلى كوهستك خوفاً من تعرض المنطقة لهجوم جديد، بينما عبّر شقيقها الأصغر عن رغبته في البقاء داخل المستشفى، خشية تكرار القصف.
روحاني يطرح الاستفتاء
وفي خضم هذه التطورات، انتقل الجدل إلى الساحة السياسية الداخلية بعدما دعا الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى إجراء استفتاء شعبي حول استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة.
ووفق «ميدل إيست آي»، طرح روحاني الفكرة خلال لقاء مع مجموعة من المحافظين السابقين، متسائلاً عن مدى استعداد الإيرانيين لمواصلة القتال مع القوى الكبرى لفترة طويلة.
وقال روحاني، بحسب ما نقلته الصحيفة، إن الإيرانيين إذا اختاروا استمرار المواجهة لعشرين عاماً أخرى فينبغي احترام قرارهم، لكن إذا اختاروا طريقاً آخر، فعلى السلطة أيضاً أن تأخذ رأيهم في الاعتبار.
المحافظون يهاجمون الفكرة
وأثارت تصريحات روحاني غضب التيارات المحافظة، التي رأت في دعوته للاستفتاء محاولة للتراجع أمام الولايات المتحدة أو تقديم تنازل في ملف تعتبره جزءاً من الأمن القومي الإيراني.
وانتقد حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المحافظة، موقف روحاني، ودعا إلى فتح تحقيق قضائي بشأن تصريحاته.
كما رفض النائب المحافظ محمود نبويان فكرة إجراء استفتاء حول القضايا الدفاعية، واتهم روحاني بخدمة المصالح الأمريكية، وهاجم ما وصفه بمحاولات خلق ثنائية بين الحرب والسلام.
إيران أمام ثلاثة ضغوط
وتكشف التطورات المتزامنة عن مشهد إيراني بالغ التعقيد: تصعيد عسكري مع الولايات المتحدة في مياه الخليج، وتشديد أمني داخلي يترافق مع ارتفاع أعداد الإعدامات وفق منظمات حقوقية، ونقاش سياسي متزايد حول جدوى استمرار المواجهة.
وفيما ترى الأوساط المحافظة أن التصعيد يمثل وسيلة لردع واشنطن وإظهار قوة إيران، تثير الأرقام الحقوقية تساؤلات حول الكلفة الداخلية لهذه المرحلة، بينما تكشف دعوة روحاني إلى الاستفتاء عن وجود نقاش سياسي حول مستقبل المواجهة، حتى وإن كان هذا النقاش يواجه رفضاً شديداً من التيارات المحافظة.
وبينما تستمر طهران في تحدي الضغوط الأمريكية، تبدو المعركة بالنسبة إلى القيادة الإيرانية أبعد من مواجهة عسكرية خارجية، إذ أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرتها على إدارة التوتر الداخلي، والحفاظ على تماسك النظام، وتحديد المسار الذي ستسلكه البلاد في مواجهة واشنطن.
اقرأ المزيد
أزمة مضيق هرمز.. ترامب يصعّد وإيران تضع شروط إعادة فتح أهم ممر للنفط
إيران تحذر من “مفاجآت استراتيجية” وسط توتر في مضيق هرمز واتهامات لقطر بشأن طيارين مفقودين
واشنطن تهدد إيران بالعزلة.. وطهران تشدد قبضتها على مضيق هرمز

