وطن-أثار قرار مجلس التعليم في ولاية تكساس الأمريكية اعتماد تعديلات جديدة على مناهج الدراسات الاجتماعية جدلاً واسعاً، بعدما تضمنت المواد المقترحة لتدريس الأديان أوصافاً حادة عند تناول الإسلام، من بينها الإشارة إلى بعض جوانب تاريخه المبكر بوصفها «راديكالية» و«وحشية»، وفقاً لما أورده موقع «ميدل إيست آي».
وصوّت المجلس، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، بأغلبية 8 أصوات مقابل 4 لصالح التعديلات، بعد جلسة امتدت لساعات وشهدت مشاركة واسعة من المواطنين والناشطين. ومن المتوقع أن تطال التغييرات نحو خمسة ملايين طالب في المدارس العامة بالولاية، على أن يبدأ تطبيقها تدريجياً مع إدخال الكتب الدراسية الجديدة اعتباراً من العام الدراسي 2030-2031.
المسيحية في المقدمة
وتعيد التعديلات المقترحة رسم طريقة تناول الأديان داخل المناهج، بما في ذلك جعل قراءة مقاطع من الكتاب المقدس جزءاً مطلوباً من العملية التعليمية، مع التركيز على ما تقدمه المناهج باعتباره جوانب إيجابية في المسيحية.
في المقابل، أثارت طريقة تناول الإسلام اعتراضات واسعة، بسبب استخدام أوصاف يعتبرها منتقدون سلبية وانتقائية عند الحديث عن بدايات التاريخ الإسلامي.
وبحسب «ميدل إيست آي»، تتضمن المواد الدراسية وصف بعض الحملات العسكرية في صدر الإسلام بأنها «وحشية»، في حين لا تستخدم الصياغة نفسها عند تناول حروب خاضها مسيحيون عبر مراحل مختلفة من التاريخ.
كما أشارت قناة «فوكس 4 دالاس-فورت وورث» إلى أن المنهج يتناول الإسلام المبكر من خلال موضوعات مثل العبودية وأسر النساء، وهو ما اعتبره منتقدون تقديمًا جزئياً وموجهاً لتاريخ الدين الإسلامي.
11 سبتمبر في قلب الجدل
ومن أكثر النقاط إثارة للجدل أيضاً الطريقة التي سيتناول بها المنهج هجمات 11 سبتمبر 2001، إذ تربط المواد المقترحة الهجمات بما تصفه بـ«الإسلام الراديكالي».
ويرى منتقدون أن هذه الصياغة قد تختزل حدثاً تاريخياً وسياسياً معقداً في توصيف ديني واحد، بدلاً من تقديم السياقات السياسية والأيديولوجية التي أحاطت بتنظيم القاعدة والهجمات.
وتقول «ميدل إيست آي» إن هذه النقطة كانت من بين الأسباب التي دفعت منظمات حقوقية ومسلمين أمريكيين إلى الاعتراض على التعديلات، محذرين من أن تدريس التاريخ بهذه الطريقة قد يعزز صوراً نمطية عن المسلمين والإسلام.
«التاريخ الانتقائي ليس تعليماً»
وقبل التصويت، انتقد مشرّعون وناشطون التوجه الجديد، ومن بينهم سلمان بوجاني، وهو عضو مسلم في مجلس ولاية تكساس.
وكتب بوجاني عبر منصة «إكس» أن «التاريخ الانتقائي ليس تعليماً»، مؤكداً أن طلاب تكساس يستحقون دراسة تاريخ دقيق وكامل وعادل.
كما قادت منظمة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» حملة ضد التعديلات، مؤكدة أن تدريس تاريخ الأديان العالمية أمر مشروع، لكن المدارس العامة لا ينبغي أن تحول التعليم إلى وسيلة لاستهداف دين بعينه أو الحط منه.
وقالت المنظمة إنها كانت ستعترض بالطريقة نفسها لو ألزمت ولاية ما المعلمين بتقديم المسيحية باعتبارها مسؤولة حصراً عن جرائم تاريخية ارتُكبت باسمها، مثل اضطهاد السكان الأصليين أو الاستعباد أو ممارسات جماعة كو كلوكس كلان.
كروز: «الطلاب يستحقون معرفة الحقيقة»
في المقابل، دافع السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز عن التعديلات، وكتب عبر منصة «إكس» أن طلاب الولاية يستحقون معرفة «الحقيقة عن الإسلام».
ويأتي هذا الجدل في ولاية أمريكية ينص دستورها، مثل الدستور الفيدرالي، على حماية حرية الدين ومنع تأسيس دين رسمي للدولة، وهو ما يجعل طبيعة تدريس الأديان في المدارس العامة قضية حساسة سياسياً وقانونياً.
جدل يتجاوز المدارس
ولا يأتي قرار مجلس التعليم بمعزل عن سلسلة من الخلافات السياسية التي شهدتها تكساس خلال الفترة الأخيرة بشأن قضايا مرتبطة بالجالية المسلمة ومؤسساتها.
فقد دخل حاكم الولاية الجمهوري غريغ أبوت في مواجهة مع عدد من المبادرات والمشاريع المرتبطة بالمسلمين، ما دفع منتقديه إلى اتهامه بتبني خطاب يستهدف الجالية المسلمة.
وفي الشهر الماضي، أُلغي مشروع لإنشاء محطة للوضوء في مطار دالاس-فورت وورث الدولي، وهي منشأة كان يمكن للمسافرين المسلمين استخدامها قبل المرور بإجراءات التفتيش الأمني.
وبحسب «ميدل إيست آي»، جاء إلغاء المشروع بعد تهديد أبوت بحجب منح الولاية عن المطارات التي تشارك في مشاريع مماثلة.
«الشريعة غير مسموح بها»
وسبق لأبوت أيضاً أن دعا إلى تحقيق فيدرالي بشأن مشروع سكني إسلامي بالقرب من دالاس، وكتب عبر منصة «إكس» أن «الشريعة الإسلامية غير مسموح بها في تكساس».
وجاء موقفه آنذاك بعد حملة أثارتها الناشطة اليمينية المتطرفة آمي ميكلبرغ، التي وصفت المشروع المقترح بأنه «مدينة شريعة»، وهو توصيف اعتبره منتقدون مضللاً.
ويُعرف المشروع باسم «مجتمع إيست بلانو الإسلامي»، قبل أن يُعاد تقديمه باسم «ذا ميدو». ويضم المخطط نحو ألف منزل، إلى جانب مسجد ومدرسة.
وفي مايو، حكم قاضٍ في تكساس لصالح المطورين المسلمين، مؤكداً ضرورة احترام الولاية للعقود التي أُبرمت سابقاً، إلا أن الجدل السياسي المحيط بالمشروع استمر.
صدام مع «كير» والإخوان المسلمين
وتصاعدت المواجهة أكثر عندما صنّف أبوت في العام الماضي منظمة «كير» وجماعة الإخوان المسلمين باعتبارهما «منظمتين إرهابيتين أجنبيتين» و«منظمتين إجراميتين عابرتين للحدود».
وقال أبوت إن هذا التصنيف يهدف، من بين أمور أخرى، إلى منع الجماعتين من شراء أو امتلاك الأراضي في تكساس.
ورفضت «كير» هذه الاتهامات، بينما أشارت «ميدل إيست آي» إلى أن جماعة الإخوان المسلمين ليست كياناً مقره الولايات المتحدة ولا تمتلك مقراً مركزياً محدداً داخل البلاد.
صراع على صورة الإسلام
ويضع قرار المنهج التعليمي الجديد تكساس أمام جدل يتجاوز الكتب المدرسية نفسها، ليمس حدود العلاقة بين التعليم والسياسة والدين في المدارس العامة.
فبالنسبة إلى منتقدي القرار، المشكلة لا تكمن في تدريس التاريخ الإسلامي أو تناول العنف الذي ارتكبته جماعات متطرفة باسم الإسلام، وإنما في اختيار توصيفات سلبية لدين بعينه من دون تطبيق المعايير نفسها على الأديان الأخرى.
أما مؤيدو التعديلات فيرون أنها تقدم للطلاب ما يعتبرونه جوانب من التاريخ والدين ينبغي ألا تُحجب أو تُخفف بدافع الحساسية السياسية.
وبين الموقفين، يتحول المنهج الجديد في تكساس إلى ساحة مواجهة أوسع حول كيفية تدريس الأديان، ومن يملك حق تحديد الرواية التاريخية التي يتعلمها ملايين الطلاب، وما إذا كان التعليم يمكن أن يتحول، في خضم الاستقطاب السياسي، إلى أداة لإعادة تشكيل صورة جماعة دينية بأكملها.
اقرأ المزيد
الإمارات والمسلمون في أوروبا.. هل تقود أبوظبي حملة لتشويه صورة الإسلام؟
نتنياهو يهاجم بريطانيا ويصفها بـ”الجمهورية الإسلامية” قبيل إعلان عقوبات مرتقبة على إسرائيل
أكثر من 70 اعتداءً على المساجد في بريطانيا خلال عام.. تصاعد الإسلاموفوبيا يثير المخاوف

