وطن-في واقعة بيئية غير مسبوقة، اضطرت إسرائيل إلى إيقاف خمس من محطات تحلية المياه الست الكبرى على ساحل البحر المتوسط، بعدما أدى ازدهار طحلبي واسع إلى ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر وإرباك أنظمة الترشيح.
والأكثر إثارة أن خبراء إسرائيليين رجحوا أن تكون الطحالب قد وصلت من منطقة دلتا النيل، محمولة بفعل التيارات البحرية باتجاه الساحل الإسرائيلي. لكن السبب لم يُحسم بصورة نهائية منذ البداية.
خمس محطات تتوقف دفعة واحدة
بدأت الأزمة في نهاية أغسطس، عندما ارتفعت مستويات العكارة في مياه البحر على امتداد الساحل.
وتوقفت محطات عسقلان وأشدود وسوريك وبلماحيم، بينما واصلت محطة الخضيرة العمل، لتجد منظومة تعتمد بصورة كبيرة على تحلية مياه البحر نفسها أمام اختبار مفاجئ.
وتعمل هذه المحطات بتقنية التناضح العكسي، التي تعتمد على أغشية حساسة تحتاج إلى مياه معالجة مسبقًا قبل وصولها إليها. وعندما ترتفع كمية الجزيئات والمواد العضوية في المياه بصورة غير معتادة، يمكن أن تنسد المرشحات والأغشية، وترتفع الضغوط داخل النظام، ما يدفع المشغلين إلى خفض الإنتاج أو إيقاف المحطات لحماية المعدات.
من دلتا النيل إلى الساحل الإسرائيلي
بحسب مدير عام المعهد الإسرائيلي لبحوث علوم البحار والبحيرات، ألون زاسك، فإن الطحالب المجهرية القادمة من دلتا النيل تبدو السبب وراء العكارة الشديدة التي أدت إلى إغلاق المحطات الخمس.
وتشير تقارير أخرى إلى أن التيارات البحرية حملت الكتلة الطحلبية شمالًا على طول ساحل البحر المتوسط.
لكن كلمة «يبدو» هنا مهمة؛ فالتقارير نفسها أشارت إلى أن تحديد مصدر الظاهرة كان لا يزال موضع فحص، فيما تحدثت سلطة المياه الإسرائيلية أيضًا عن الظروف الجوية والعكارة غير المعتادة في البحر.
وبالتالي، فإن الأدلة المتاحة تدعم الحديث عن طحالب يُرجح أن مصدرها منطقة دلتا النيل، لكنها لا تثبت وجود فعل متعمد أو «هجوم مصري» على منظومة المياه الإسرائيلية.
أزمة مياه تكشف نقطة ضعف
تكمن خطورة الحادثة في أن إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب. وبحسب السلطات الإسرائيلية، توفر محطات التحلية نحو 80% من احتياجات مياه الشرب، ما يجعل أي اضطراب واسع في عملها مسألة حساسة بالنسبة إلى منظومة المياه.
ومع ذلك، لم تتحول الأزمة إلى انقطاع شامل لمياه الشرب. فقد أكدت السلطات أن الاحتياجات المنزلية استمرت في التلبية، بينما طُلب من السلطات المحلية والمواطنين ترشيد استخدام المياه، وتوقفت مؤقتًا بعض عمليات الري الزراعي والري في الحدائق العامة.
وهنا تكمن المفارقة: منظومة توصف بأنها من أكثر منظومات تحلية المياه تطورًا في العالم وجدت نفسها مضطرة إلى إيقاف معظم محطاتها بسبب ظاهرة بيئية صغيرة الحجم لا تُرى بالعين المجردة.
إسرائيل ترش مواد كيميائية في البحر
لكن القصة لم تتوقف عند إغلاق المحطات. فبحسب تقارير إسرائيلية، لجأت سلطة المياه إلى نشر مواد كيميائية في البحر قبالة الساحل الجنوبي لمحاولة السيطرة على الطحالب.
وقالت تقارير إن العملية شملت كبريتات النحاس، وبيركربونات الصوديوم، وكبريتات الألومنيوم، وأن المواد نُثرت من الجو على امتداد شريط بحري يبلغ نحو تسعة كيلومترات، وعلى مسافة تقارب كيلومتر واحد من الساحل.
وأثارت العملية أسئلة بيئية، خصوصًا بعدما دعت وزارة الصحة إلى حظر مؤقت للصيد في المنطقة كإجراء احترازي إلى حين الحصول على بيانات إضافية.
وفي المقابل، قالت وزارات إسرائيلية إن العملية تمت بموافقة لجنة مشتركة تضم الجهات البيئية والصحية، وإن المواد استُخدمت بكميات مضبوطة وتحت مراقبة بيئية، مؤكدة أن مياه الشرب آمنة.
ماذا عن «27 مرة»؟
من أكثر التفاصيل إثارة للجدل الحديث عن استخدام كبريتات النحاس بتركيز قيل إنه تجاوز الحدود المسموح بها بـ27 مرة.
هذه المعلومة وردت في تقارير إعلامية إسرائيلية، وأثارت مخاوف بشأن تأثير المواد الكيميائية في البيئة البحرية والأسماك، لكنها لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها حقيقة نهائية من دون توضيح مصدر القياس والسياق التنظيمي الذي قورنت به النسبة.
المؤكد أن السلطات الصحية الإسرائيلية تعاملت مع المسألة بحذر، وفرضت حظرًا احترازيًا على الصيد في المنطقة، بينما بدأت عمليات مراقبة بيئية لتقييم آثار المواد التي أضيفت إلى البحر.
هل انتصرت الطحالب؟
الأزمة لم تستمر على مستوى الإغلاق الكامل. فبحلول 9 سبتمبر، كانت المحطات الخمس التي أغلقت بسبب الطحالب قد عادت إلى العمل بدرجات متفاوتة، بينما بقيت محطة الخضيرة تعمل بكامل طاقتها منذ بداية الأزمة.
وأكدت السلطات أن احتياجات مياه الشرب والمياه الزراعية كانت ملباة، رغم استمرار التحذيرات من ترشيد الاستهلاك بسبب استمرار تأثير الظاهرة على منظومة المياه. لكن آثار الأزمة كشفت شيئًا أبعد من مجرد مشكلة طحالب.
البحر يكشف هشاشة المنظومة
ما حدث لا يعني أن إسرائيل فقدت السيطرة على مياهها، ولا أن الطحالب «شلّت» البلاد بالكامل. لكنه كشف مدى حساسية منظومة تعتمد بقوة على محطات التحلية أمام تغيرات بيئية مفاجئة في البحر.
فالمياه التي تبدو هادئة على سطح المتوسط يمكن أن تحمل معها كميات كبيرة من الكائنات المجهرية والمواد العضوية، وعندما تصل هذه الكتلة إلى مآخذ محطات التحلية، تصبح التكنولوجيا المتقدمة نفسها بحاجة إلى التوقف لحماية أغشيتها ومعداتها.
وهكذا، لم تحتج منظومة المياه الإسرائيلية إلى صاروخ كي تتعرض لاختبار صعب. أحيانًا يكفي كائن مجهري لا تراه العين.. كي يكشف هشاشة منظومة كاملة.
اقرأ المزيد
تُقطع في مصر وتصل فحمًا إلى إسرائيل.. أين تختفي أشجار المصريين؟
إسرائيل تراقب المناهج المصرية.. ماذا يقرأ الطالب عن الدولة العبرية؟

